الحبيب الغائب الجزء الثالث
مجلس العائلة وثقل القرار
بقلم سارة العمري
عندما قرأت السيدة فاطمة وابنها عبد الرحمن رسالة لينا، تبادلا نظرات قلقة ممزوجة بالرضا. كانت هذه هي الخطوة التي كانا يأملانها. لم تكن لينا تتخذ القرار بمفردها، بل كانت تشرك العائلة، كما يجب أن تكون الأمور.
"هذا جيد يا لينا." قالت السيدة فاطمة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة. "مشاركة العائلة في مثل هذه الأمور هي من صميم التقاليد، وهي حكمة لنا جميعًا." "ولكن، هل أنتِ مستعدة يا لينا؟" سأل عبد الرحمن، وقد رآى في عيني أخته بعض التردد. "إذا لم تكوني مستعدة، يمكننا أن نؤجل الأمر." "أنا مستعدة." قالت لينا، وإن كان صوتها لم يخلو من رجفة. "لقد فكرت كثيرًا، واستخرت الله. لا أعرف ما سيأتي، لكنني أريد أن أواجهه بهذه الطريقة."
أرسلت لينا الرسالة إلى فارس، وانتظرت رده. كان رده هذه المرة أكثر حذرًا، لكنه حمل قبولًا. "لينا، أتفهم تمامًا. يسعدني ويشرفني أن ألتقي بعائلتك. سأكون ممتنًا جدًا لو سمحتِ لي بذلك. الرجاء تحديد الموعد والوقت الذي يناسبكم."
بعد مشاورات سريعة بين لينا وأمها وعبد الرحمن، تم الاتفاق على يوم محدد، في وقت الظهيرة. اختارت لينا أن يكون اللقاء في صالون المنزل الرئيسي، مكان يضفي عليه الرسمية والهيبة.
في اليوم الموعود، كان جو المنزل مشحونًا بالترقب. السيدة فاطمة أعدت ضيافة فاخرة، وكانت تتأكد من كل التفاصيل. عبد الرحمن كان جالسًا في مكتبه، يراجع بعض الأوراق، لكن ذهنه لم يكن معها. كان يفكر في اللقاء القادم، وفي المسؤولية التي تقع على عاتقه.
وصل فارس في الوقت المحدد. كان يرتدي ثيابًا أنيقة، تبين مدى احترامه للمناسبة. استقبله عبد الرحمن بابتسامة مصطنعة، ثم قادهم إلى الصالون حيث كانت السيدة فاطمة ولينا تنتظران.
كان اللقاء الأول متوترًا. الصمت كان يملأ المكان، كل عين تبحث عن إجابات، كل قلب يخفق بترقب. "السلام عليكم." قال فارس، بصوت هادئ، وقد بدأ بتوجيه تحيته لعائلة لينا. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجاب عبد الرحمن، وبدأ بتقديم أمه. "هذه أمي، السيدة فاطمة." "أهلًا وسهلًا بك يا فارس." قالت السيدة فاطمة، وابتسامتها هادئة لكنها تحمل قوة. "تفضل بالجلوس."
جلس فارس، وبدأت السيدة فاطمة حديثها. لم تكن أسئلة مباشرة، بل كانت محاولات لفهم مساره، ولرؤية ما إذا كان قد بنى حياة سليمة. "كيف كانت سنواتك بعيدًا يا فارس؟" سألت. "كانت سنوات تعلم وتأمل يا خالتي." أجاب فارس. "لقد عشت الكثير، ورأيت الكثير. تعلمت معنى المسؤولية، ومعنى الندم. لقد بنيت لنفسي عملًا، وحاولت أن أكون شخصًا أفضل." "وما الذي جعلك تعود؟" سأل عبد الرحمن، بصوت مباشر، لكنه لم يكن يحمل أي خشونة. "العودة كانت ضرورية." قال فارس. "كان لا بد لي أن أواجه ماضيّ. وأن أحاول تصحيح ما يمكن تصحيحه. لم أعد أحتمل العيش مع هذا الثقل. ورغبتي في طلب يد لينا مرة أخرى، تأتي من إدراكي الكامل لقيمة ما أضاعته، وقيمة ما يمكن أن أبني معكِ."
بدأ فارس بالحديث عن خططه. تحدث عن عمله، وعن استقراره المالي، وعن رغبته في بناء أسرة مستقرة، فيها الحب والاحترام. لم يكن يتحدث عن لينا كفتاة كان يعرفها سابقًا، بل كشريكة حياة، كأم مستقبلية لأبنائه. كان يتحدث عن المسؤولية، وعن التضحية، وعن الحب الذي ينبع من العيش المشترك، وليس فقط من الشعور الأولي.
كانت لينا تستمع بصمت، تراقب تعابير وجه فارس، تراقب ردود فعل أمها وأخيها. كانت ترى في عيني فارس بعضًا من الشغف، وبعضًا من القلق، وبعضًا من التصميم. كان يبدو مختلفًا، ناضجًا، وصادقًا.
"أعرف أنني أخطأت يا عبد الرحمن." قال فارس، وقد نظر إلى عبد الرحمن مباشرة. "لقد جرحتك، وجرحت عائلتك. ولكن، هذا الخطأ كان درسًا قاسيًا. والآن، أطلب فرصة لإثبات أنني تعلمت. أطلب أن أكون زوجًا صالحًا، وأبًا صالحًا. وأن أردّ ولو جزءًا صغيرًا من الأذى الذي تسببت فيه."
كان حديث فارس مؤثرًا. كان يحمل وزنًا، وصدقًا. السيدة فاطمة كانت تستمع بانتباه، وعيناها تحملان مزيجًا من الحكمة، والقلق، والتساؤل. عبد الرحمن كان يراقب فارس، يحاول أن يقرأ ما وراء كلماته.
"وماذا عن لينا؟" سألت السيدة فاطمة. "ماذا تريد هي؟" التفت فارس إلى لينا. "لينا، أنا أقدم لكِ قلبي، وروحي، ومستقبلي. أعرف أنني لا أستحق، ولكنني مستعد لبذل كل ما في وسعي لإثبات عكس ذلك. أنتِ كنتِ دائمًا نور حياتي، حتى في غيابي. وأريد أن أبني معكِ بيتًا، وأن نعيش فيه معًا، بسعادة ورضا. على سنة الله ورسوله."
كانت هذه هي اللحظة الحاسمة. كل العيون كانت على لينا. قلبها كان يخفق بعنف، وهي تشعر بثقل القرار. كانت ترى في فارس شخصًا مختلفًا، شخصًا حاول أن يتغير. ولكن، هل كان كافيًا؟ هل يمكن للحب أن يشفى كل شيء؟
"فارس." بدأت لينا، وصوتها كان هادئًا، لكنه مليء بالعاطفة. "ما فعلته لم يكن سهلًا. لقد تركت في قلبي الكثير من الأثر. ولكن، أنا أيضًا، تعلمت الكثير في غيابك. تعلمت أن أعتمد على نفسي، وأن أجد قوتي داخلي. ورأيت فيك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا جعلني أشك في أن هناك أملًا."
توقفت لينا، وأخذت نفسًا عميقًا. "أنا لا أستطيع أن أنسى ما حدث. ولكن، يمكنني أن أحاول أن أسامح. يمكنني أن أحاول أن أثق. ولكن، أريد أن يكون هذا الأمر واضحًا. هذه ليست عودة إلى الماضي. هذه بداية جديدة. بداية تتطلب صبرًا، وجهدًا، وتضحية من الطرفين."
"وأنا مستعد يا لينا." قال فارس، وظهرت على وجهه علامات ارتياح ممزوجة بالصدق. "مستعد لبذل كل ما في وسعي. سأكون زوجًا مخلصًا، وصديقًا حقيقيًا، وشريكًا في بناء حياتنا. سأعمل ليل نهار لأكسب ثقتكِ، وثقة عائلتك."
نظرت السيدة فاطمة إلى عبد الرحمن، ثم إلى لينا. بدا في عينيها شيء من الرضا، شيء من الأمل. "يا فارس." قالت السيدة فاطمة. "نحن نرى فيك بعض التغيير. ونرى في لينا بعض الميل. ولكن، الأمر ليس بالسهل. لقد بنيت لينا حياتها، وتجاوزت الكثير. ونحن نريد لها الأفضل. إذا كنت حقًا صادقًا في رغبتك، فعليك أن تثبت ذلك. ليس بالكلمات، بل بالأفعال. وستكون هناك فترة اختبار، لترى إن كنت حقًا قد تغيرت."
"وأنا على استعداد لكل ذلك يا خالتي." قال فارس. "مهما كان الأمر، سأبذل ما في وسعي."
انتهى اللقاء، وخرج فارس، تاركًا وراءه جوًا من الترقب. لم يكن هناك قرار نهائي، ولكن، كانت هناك بادرة أمل. كانت العائلة قد فتحت الباب، ولكن، كان عليهم أن يتأكدوا من أن فارس يستحق عبور هذا الباب.