الحبيب الغائب الجزء الثالث
هدير الموج الهائج
بقلم سارة العمري
ارتعشت نورا كالغصن في وجه عاصفة لم تتوقعها. كانت الكلمات تنهمر من فم والدها كوابل مطر غزيرة، تغسل معها كل ما بنته من أحلام وردية. "يعني ماذا يا أبي؟ هل تقول لي إن كل هذا لم يكن سوى وهم؟ كل تلك الأشهر التي قضيتها أسيرة هذا القيد، في انتظار وعد لم يأتِ؟" صوتها كان أشبه بالهمس المبحوح، بالكاد يخرج من حلقها المختنق.
وقف العم صالح أمامها، وجهه شاحب، وعيناه تغوصان في سواد القلق. "يا ابنتي، لم أكن أعلّم بما كان يدور في خلد خالد. كنت أظن أنه يتبع الطريق الشرعي، يجهز الأمور ليطلب يدكِ رسمياً. لكن يبدو أنني أخطأت الظن." كانت كلماته تحمل وزر اعتراف بالتقصير، لكنها لم تجلب لنورا أي عزاء.
"يخطئ الظن؟" رفعت صوتها هذه المرة، يكسوه بعض من الغضب المكبوت. "وماذا عن قلبي يا أبي؟ ماذا عن روحي التي أرهقتها الشوق؟ ألم يحن الوقت ليعلم أن انتظار الحب له حدود؟" كانت تراقب والدها، تبحث عن أي بصيص أمل في عينيه، أي إشارة إلى أن الأمور يمكن أن تتغير، أن هذا الحزن لم يكن نهاية القصة.
"يا نورا، إن الأمر أعقد مما تظنين. خالد... خالد لديه ما يمنعه. هناك ديون، هناك مسؤوليات أثقل من أن يتخيلها شاب في مقتبل العمر. ورث عن أبيه تركة مثقلة بالهموم، ولم يستطع تجاوزها بسهولة. هو لم يتركك، بل اختار أن يحمي نفسه، ويحميكِ أنتِ أيضاً، من مستقبل قد يكون مظلماً."
صدمة أخرى ضربت قلب نورا. ديون؟ مسؤوليات؟ خالد الذي كانت تراه نموذجاً للشاب الطموح، القادر على تخطي الصعاب، كان يغرق في بحر من المشاكل لم تكن تدرك وجوده. "ديون؟ كيف لم يسمعني أحد بهذا؟ وكيف لم تشاركني أنت يا أبي هذه المعرفة؟"
"لقد أخبرني خالد بنفسه، قبل فترة قصيرة جداً. كان يصارع ليجد حلاً، وكان يخجل أن يطلب المساعدة. كان يظن أنه قادر على حل كل شيء بنفسه. لكن الوضع تفاقم، ولم يعد هناك مجال للصمت." تنهد العم صالح، وامتدت يده لتمسك بيد ابنته المتجمدة. "لقد ذهبت إلى منزل خالد اليوم، بعد أن تأخر عن الموعد الذي كان مقرراً بيننا. وجدت والده، وقد شرح لي كل شيء. أدركت حينها أن الانتظار لم يكن هو الحل."
"ماذا تقصد بأنه لم يعد هناك مجال للصمت؟" كان قلب نورا يدق بعنف، وكأنها تستشعر خطراً قادماً. "وماذا فعلت أنت؟"
"لقد تحدثت مع والد خالد. اتفقنا على خطة. خطة تنهي هذا العذاب، وتضع الأمور في نصابها الصحيح."
"ما هي الخطة؟" كررت نورا، وعيناها مثبتتان على والده، تنتظر الإجابة.
"سنقيم حفلاً، حفلاً كبيراً. لكن ليس كأي حفل. إنه حفل خطبة."
تجمدت نورا. خطبة؟ لمن؟ بمن؟ كل هذا كان يحدث بسرعة جنونية، تفوق قدرتها على الاستيعاب. "خطبة؟ خطبة لمن يا أبي؟"
"لخالد. ولابنت عمكِ، سارة."
ارتعشت الأرض تحت قدميها. سارة؟ ابنة عمها التي كانت دائماً منافستها في كل شيء، حتى في حب خالد؟ "لا... لا يمكن. أنت تمزح، أليس كذلك؟"
"أتمنى لو كنت أمزح يا ابنتي. لكن الأمور وصلت إلى طريق مسدود. والد خالد، رأفة بحاله، وحرصاً على مستقبل ابنه، وافق على هذا الحل. هو يرى في زواج خالد من سارة، وهي ذات حسب ونسب، وتملك ثروة كبيرة، فرصة لإنقاذ خالد من ديونه، ولتأمين مستقبله. وسارة... سارة نفسها توافق، بل تسرّ بهذا الأمر."
كانت نورا كمن وقف على حافة جرف، والهواء من حولها يتلاشى. لم تكن تعلم أي جزء من هذه الكلمات هو الأكثر ألماً. أهو خداع خالد؟ أم هو قرار والدها؟ أم هي سارة التي كانت صديقة لها يوماً ما؟ "يعني... يعني خالد سيخطب سارة؟ في هذا الوقت؟ الآن؟"
"نعم يا نورا. غداً. في قصر آل السويدي. والدكِ، أنا، سيكون حاضراً."
"لكن... لكن أنت تعرف، يا أبي... أنت تعرف أن قلبي متعلق بخالد. أنت تعرف ما يعنيه بالنسبة لي." كانت الدموع تتجمع في عينيها، لكنها تقاوم الانهمار، تحاول أن تجمع شتات نفسها.
"أعلم يا ابنتي. وأنا أتألم معكِ. لكن في بعض الأحيان، على المرء أن يتخذ قرارات صعبة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. خالد نفسه، يبدو أنه وافق على هذا الأمر، ربما ليحمي نفسه من المزيد من الضغوط. ربما يرى في هذا الزواج حلاً لمشاكله، وإن كان ثمنه غالياً."
"خالد وافق؟" همست نورا، كلمة "وافق" كانت كالسم يغلي في عروقها. "إذن... كل ما كان بيننا... كان مجرد وهم؟ كذبة؟"
"ليس بالضرورة كذبة. ربما كان في البداية حباً صادقاً، لكن الظروف، والضغوط، أجبرت على اتخاذ قرارات قاسية. خالد لم يعد الشاب الذي عرفتيه. لقد تغيرت الأيام، وتغيرت معه."
"لن أصدق هذا. لن أصدق أبداً أن خالد قد وافق على خطبتي من شخص آخر، وأنا هنا أنتظر." رفعت نورا رأسها، وعيناها تشتعلان ببريق جديد، بريق تحدٍ. "هناك خطأ ما. لا يمكن أن يكون كل هذا حقيقياً."
"الواقع مرير يا نورا. لقد حاولت. حاولت أن أجد حلاً آخر. تحدثت مع خالد، أو حاولت. لم يرد على اتصالاتي. أظن أنه يتجنبني. والدته أيضاً... تعتذر كثيراً، وتؤكد أن هذا هو السبيل الوحيد."
"إذاً، لم يعد هناك مجال للكلمات. لم يعد هناك مجال للتوضيح. كل ما هو أمامي هو هذا الواقع المرير الذي تصفه." نظرت نورا إلى والدها، ثم رفعت عينيها إلى السماء، وكأنها تبحث عن إجابة هناك. "إذا كان الأمر كذلك يا أبي، فماذا يجب أن أفعل؟"
"علينا أن نحضر. علينا أن نكون هناك. كعائلة. لا يمكننا أن نظهر أي ضعف. يجب أن نتقبل الأمر، وندعو الله أن يخفف عنا هذا البلاء."
"أتقبل؟" ابتسمت نورا ابتسامة مريرة. "الأمر ليس مجرد تقبل يا أبي. الأمر هو تدمير. تدمير لكل ما آمنت به."
"لا تيأسي يا ابنتي. الله مع الصابرين. قد يكون في هذا الأمر حكمة لا ندركها الآن."
نظرت نورا من نافذة الغرفة، تتأمل سماء المساء التي بدأت تتلون بلون الغروب. كانت تبدو لها وكأنها ملطخة بالدماء، تعكس الألم الذي يمزق قلبها. هل هذه نهاية القصة؟ أم أنها البداية لشيء آخر؟ شيء أكثر قسوة، وأكثر ألماً؟ شعرت بأنها تقف على حافة الهاوية، والغد يحمل معه مصيراً مجهولاً، لا تعلم إن كانت ستستطيع مواجهته.