الحبيب الغائب الجزء الثالث

لقاءٌ على خيطٍ من الأمل

بقلم سارة العمري

لمْ تستطعْ ليلى أنْ تُصدقَ أذنيها. هلْ حقًا أحمدُ أمامَها؟ هلْ عادتْ الشمسُ لتُشرقَ بعدَ غيابٍ طويل؟ استندتْ إلى إطارِ البابِ، وقلبُها يكادُ يقفزُ من صدرِها. كانتْ الصورةُ أمامَها واضحةٌ كالشمسِ في رابعةِ النهار. رجلٌ طويلُ القامة، ببنيةٍ قويةٍ وشعرٍ أسودَ كثيفٍ يُخفي جزءًا من جبينِه العريض، وملامحَ وجهٍ وسيمةٍ زادَ منها ترابُ السفرِ وسمرةُ الشمس. كانتْ عيناهُ، اللتانِ تلمعانِ بلونِ العسلِ الداكن، تحملانِ دفءَ الأرضِ وعمقَ الصحراء. كانَ يقفُ هناك، في وهجِ آخرِ ضوءٍ للشمس، كأنَّه أسطورةٌ قدْ تجسدتْ أمامَها.

"أحمد؟" همستْ ليلى، وصوتُها يكادُ يضيعُ في هواءِ المساءِ.

ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً خفيفةً، تكشفُ عنْ صفٍّ منَ الأسنانِ البيضاءِ المنتظمة. "نعم، ليلى. أنا هنا."

لمْ تتحملْ ليلى الصدمةَ والفرحةَ دفعةً واحدة. ركضتْ نحوهُ بخطواتٍ متعثرة، وكأنَّها تعودُ إلى حياتِها بعدَ سباتٍ طويل. اندفعتْ بينَ ذراعيهِ، وضعتْ رأسَها على صدرِه، وشعرتْ بنبضاتِ قلبِه القويةِ تُعيدُ إليها الحياة. كانَ عِطرُهُ، مزيجًا منَ الترابِ والعرقِ ورائحةِ البارودِ الخفيفة، عِطرًا مألوفًا يُعيدُ إليها ذكرياتٍ لا تُحصى.

"لقدْ عدتَ،" تمتمتْ ليلى بصوتٍ مخنوقٍ بالبكاء. "لقدْ عدتَ حقًا."

شدهُ أحمدُ إليهِ بقوة، وكأنَّه يخافُ أنْ تتلاشى هيَ الأخرى. "لمْ أغِبْ عنكِ أبدًا يا ليلى. كنتُ دائمًا في قلبِكِ، وأنتِ في قلبي."

بقيا على هذهِ الحالِ لبعضِ الوقت، يتشاركانِ لحظةً منَ الفرحِ العارمِ والارتياحِ العميق. كانتْ تلكَ اللحظةُ تعويضًا عنْ كلِّ أيامِ الانتظارِ والألم.

ثمَّ، بعدَ أنْ استقامتْ أمورهما قليلاً، ابتعدَ أحمدُ قليلاً، لكنَّ يديهِ ظلَّتا تُعانقانِ كتفيها. نظرَ إلى وجهِها، ومسحَ دموعَها بإبهامِه. "كيفَ حالُكِ يا روحي؟ لقدْ افتقدتُكِ كثيرًا."

"وأنا افتقدتُكَ أكثر،" قالتْ ليلى وهيَ تُحاولُ السيطرةَ على مشاعرِها. "لقدْ مرَّ وقتٌ طويل."

"نعم، وقتٌ طويلٌ ومليءٌ بالأحداث،" قالَ أحمدُ بنبرةٍ تحملُ بعضَ الجدية. "ولكنَّي الآنَ هنا، ولنْ أغيبَ عنكِ مرةً أخرى."

في تلكَ اللحظة، خرجتْ الجدةُ أم أحمدُ منَ البابِ، وهيَ ترى ابنتَها وابنتَها بالتبني في عناقٍ حميم. لمْ تستطعْ إخفاءَ سعادتِها. "أحمد! يا نورَ العين! لقدْ عادَ الغائب!"

ركضتْ الجدةُ نحو أحمد، وعانقتْهُ عناقًا قويًا. "الحمدُ للهِ الذي أنعمَ علينا بعودتِك. لقدْ كنا قلقينَ عليكَ جدًا."

"الحمدُ للهِ يا أمي،" قالَ أحمدُ وهوَ يُقبِّلُ رأسَ جدتِها. "لقدْ كنتُ مشغولًا ببعضِ الأمورِ التي فرضتها الظروف. ولكنَّي الآنَ هنا، ولنْ أتركَكِما مرةً أخرى."

دخلوا جميعًا إلى البيت، وأضاءَ نورُ المصباحِ الزيتيةِ الصغيرةِ الصالةَ، مُلقيةً بظلالٍ دافئةٍ على المكان. جلستْ ليلى وأحمدُ بجوارِ بعضِهما البعض، بينما جلستْ الجدةُ أم أحمدُ تُراقبُهما بابتسامةٍ رضا.

"أخبرنا يا أحمد،" قالتْ الجدةُ بفضول، "ما هيَ أخبارُكَ؟ لقدْ غبتَ عنا طويلاً."

بدأَ أحمدُ يُحدِّثُهما عنْ رحلتِه، عنْ الأماكنِ التي زارَها، وعنِ الأعمالِ التي قامَ بها. لمْ يكشفْ عنْ كلِّ التفاصيل، لكنَّه طمأنَ قلبيهِما بأنَّه كانَ بخير، وأنَّه كانَ يعملُ على مشروعٍ سيُفيدُ العائلةَ بأكملِها.

"لقدْ كنتُ في الخارجِ أُرتِّبُ بعضَ الصفقاتِ الهامة،" قالَ أحمدُ وهوَ يُمسكُ بيدِ ليلى. "والآنَ، بعدَ أنْ انتهيتُ منْ كلِّ شيء، أنا هنا لأستقرَّ وأُكرِّسَ وقتي لِكنَّكما."

نظرتْ ليلى إلى أحمد، ورأتْ في عينيهِ تصميمًا وإصرارًا لمْ ترهُما من قبل. شعرتْ بأنَّ شيئًا ما قدْ تغيَّرَ في شخصيتِه. كانَ يبدو أكثرَ نضجًا وحكمة.

"ولكنْ،" قالَ أحمدُ وهوَ يتوقفُ قليلاً، "ما زالَ هناكَ شيءٌ واحدٌ يجبُ أنْ أُناقشَهُ معَكِ يا ليلى، ومعَكِ يا أمي. لقدْ كنتُ أفكرُ في أمرِ زواجِنا."

توقفتْ ليلى عنِ التنفسِ للحظة. لقدْ جاءَ الوقتُ الذي كانتْ تنتظرُهُ وتخشاهُ في آنٍ واحد.

"لقدْ مضى وقتٌ طويلٌ منذُ أنْ بدأتُ علاقتي بليلى،" تابعَ أحمدُ وهوَ ينظرُ إلى ليلى بحب. "ولمْ أتخلَّ عنْها يومًا. أريدُ أنْ أُكملَ ما بدأناه، وأنْ أُؤسِّسَ أسرةً على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه. هلْ توافقينَ يا ليلى؟"

نظرتْ ليلى إلى وجهِ أحمد، ورأتْ فيهِ الصدقَ والإخلاص. لمْ تترددْ لحظةً واحدة. "نعم يا أحمد. أوافق."

ابتسمَ أحمدُ بسعادةٍ غامرة، وقبَّلَ يدَ ليلى. ثمَّ التفتَ إلى جدتِها. "وما رأيكِ يا أمي؟ هلْ تسمحينَ لي أنْ أُصبحَ زوجًا لابنتِكِ؟"

"وهلْ بعدَ هذا الكلامِ كلام؟" قالتْ الجدةُ أم أحمدُ وهيَ تُغمرُهُما بابتسامتِها. "بلْ أنا أُباركُ هذا الزواجَ من كلِّ قلبي. لقدْ كنتُ أنتظرُ هذا اليومَ بفارغِ الصبر."

شعرتْ ليلى بسعادةٍ عارمةٍ تتدفقُ في عروقِها. لقدْ تحقَّقَ حلمُها، وعادَ حبيبُها الغائبُ ليُصبحَ زوجَها.

في تلكَ الليلة، نامتْ ليلى نومًا عميقًا، لمْ تنمْهُ منذُ سنوات. كانتْ أحلامُها مليئةً بوجِه أحمد، بضحكاتِهِ، وبوعودِ مستقبلٍ مشرق.

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ ليلى على صوتِ جدتِها. "استيقظي يا ليلى. لقدْ وصلتْ إلينا أخبارٌ جديدة."

نهضتْ ليلى بسرعة، وقلبُها يشعرُ بشيءٍ منَ القلق. "ما هيَ الأخبارُ يا جدتي؟"

"لقدْ أرسلَ أحمدُ إلى والدِه، وأخبرهُ بخطوبتِكما،" قالتْ الجدةُ وهيَ تُناوليها ورقةً. "هذهِ رسالةٌ منَ السيدِ عمر، والدِ أحمد."

فتحتْ ليلى الرسالةَ، وبدأتْ تقرأُها. كانتْ الكلماتُ تحملُ في طياتِها مفاجأةً لمْ تتوقعْها.

"ابني أحمد،" بدأتِ الرسالة، "لقدْ سعدتُ جدًا بخبرِ خطوبتِكَ من ابنةِ عمِّكَ ليلى. إنَّها ليلةٌ سعيدةٌ لي. ولكنْ، قبلَ أنْ تُتمَّ الزواج، يجبُ أنْ تُدركَ بعضَ الأمورِ الهامة. لقدْ كنتُ في الخارجِ منذُ سنوات، وأعملُ على مشروعٍ كبيرٍ في بلدٍ بعيد. هذا المشروعُ يحتاجُ إلى وجودِكَ معي. لقدْ حققَ هذا المشروعُ نجاحًا كبيرًا، ولكنهُ بحاجةٍ إلى شريكٍ موثوقٍ بهِ ليُشرفَ على إدارةِ الأعمالِ بعدَ أنْ أتعبَني السفر. أعرفُ أنَّكَ شابٌّ طموحٌ وقادر. أريدُ منكَ أنْ تأتيَ إليَّ في أسرعِ وقتٍ ممكن، لنُناقشَ تفاصيلَ هذهِ الشراكة. لا تقلقْ على ليلى، فسنُرتِّبُ كلَّ شيءٍ لإقامةِ حفلِ زفافٍ كبيرٍ عندَ عودتِكَ."

شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقِها. هلْ سيعودُ أحمدُ إلى الغيابِ مرةً أخرى؟ هلْ ستُعادُ القصةُ من جديد؟

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%