الحبيب الغائب الجزء الثالث
العواصف تتجمع
بقلم سارة العمري
اجتاحت نورا موجة عارمة من المشاعر المتضاربة. بين الصدمة، والغضب، والحزن العميق، كانت تشعر وكأنها سفينة تتقاذفها أمواج عاتية في بحر هائج. لم تستطع استيعاب ما قاله والدها. خالد، الرجل الذي أحبته بكل جوارحها، الذي رسمت معه أحلام مستقبلها، كان على وشك أن يخطب ابنة عمها، سارة.
"هل أنت متأكد يا أبي؟" سألت مرة أخرى، صوتها خافت، يكاد يكون غير مسموع. "هل تحدثت مع خالد بنفسه؟ هل سمعت منه هذا؟"
تنهد العم صالح بعمق، ثم أومأ برأسه ببطء. "لقد حاولت يا نورا. حاولت مراراً وتكراراً. لكنه لم يجب على اتصالاتي. والدته، السيدة فاطمة، كانت هي من تحدثت معي. اعتذرت كثيراً، وأكدت أن الوضع بات لا يحتمل، وأن خالد لم يعد لديه خيارات أخرى. تحدثت عن ديون ضخمة، عن تهديدات، عن وضع عائلي متدهور. بدت يائسة، باكية."
"والدته؟" تكررت الكلمة في ذهن نورا كصدى مؤلم. السيدة فاطمة، المرأة التي كانت ترى فيها أماً ثانية، التي كانت تحدثها عن حب ابنها لها، وعن تمنيها هذه الزيجة. كيف يمكن أن توافق على هذا؟
"نعم، هي. لقد طلبت مني أن نتفهم وضع ابنها، وأن نساعده على تجاوز هذه المحنة. ثم عرضت فكرة زواجه من سارة. ابنة عمكِ، كما تعلمين، ثرية ولديها علاقات جيدة. والدها، العم أحمد، وافق فوراً، بل رأى فيها فرصة لإنقاذ عائلته. وسارة نفسها... لقد وعدتني بأنها ستحاول أن تجعل خالد سعيداً."
"ستحاول أن تجعله سعيداً؟" ضحكت نورا ضحكة خالية من أي بهجة. "وهل تعتقد والدتي أن الحب يأتي بالحلول؟ هل تعتقد أن المال والجاه يمكن أن يعوضا عن قلب مكسور؟"
"يا ابنتي، في بعض الأحيان، على المرء أن يقبل بالواقع. الظروف قد تجبرنا على قرارات مؤلمة."
"قرارات مؤلمة؟" رفعت نورا صوتها. "وماذا عن الألم الذي سيسببه هذا القرار؟ ألم يفكر أحد في مشاعري؟ ألم يفكر أحد في قلبي؟"
"لقد فكرت يا نورا. والله يعلم أنني فكرت. لكنني رأيت أن مواجهة هذا الواقع، مهما كان قاسياً، أفضل من الاستمرار في وهم لن يؤدي إلى شيء. خالد نفسه، حسب كلام والدته، وافق على هذا الحل، وإن كان ذلك على مضض. هو يعتقد أن هذا الزواج سيحرره من ديونه، ويحافظ على سمعته."
"إذاً، فهو يختار المال والراحة على حبي؟" همست نورا، وقلبها يشتعل بنار الغيرة والخذلان. "إذا كان هذا هو الحال، إذا كان خالد بهذه السهولة، بهذه الرخص... فأنا لا أريده."
"لا يا نورا، لا تقولي هذا. ربما هو مجبر. ربما لا يملك خياراً آخر. لقد أكدت لي السيدة فاطمة أن خالد ليس سعيداً بهذا القرار، لكنه يراه ضرورياً."
"ضرورياً؟" تكررت الكلمة، هذه المرة بنبرة تهكم. "وماذا عن ضرورة أن يكون صادقاً معي؟ ماذا عن ضرورة أن يحترم مشاعري؟"
"يا ابنتي، لقد مرت سنوات. خالد لم يعد ذلك الشاب الذي تركته. الظروف قاسية، والحياة تفرض علينا أعباءً لا نتوقعها. ربما كان لديه ما يمنعه من الاتصال بكِ، من شرح وضعه. ربما كان يخشى أن يؤذيكِ بصدقه، ففضل الصمت."
"الصمت؟" ارتعدت نورا. "الصمت الذي أدى إلى هذه الكارثة؟ الصمت الذي جعلني أعيش في وهم؟"
"لقد أدركت متأخراً. والآن، علينا أن نجد طريقة للتعامل مع هذا الوضع. لا يمكننا أن نرفض الحضور. هذا سيثير الشبهات، وسيجعل الوضع أسوأ. علينا أن نظهر للعالم أننا متماسكين، وأننا نقبل هذا الأمر."
"تقبل؟" كررت نورا، صوتها يكاد ينكسر. "كيف لي أن أتقبل، وأنا أشعر وكأن قلبي قد تمزق إلى نصفين؟ كيف لي أن أتقبل، وأنا أعلم أن الرجل الذي أحب، الذي كنت أرى فيه مستقبلي، سيصبح ملكاً لغيري؟"
"يا ابنتي، لا تفقدي الأمل. ربما يكون هناك دائماً طريق. لكن الآن، علينا أن نثبت قوتنا. أن نظهر لوالدكِ، وللجميع، أننا نستطيع مواجهة الصعاب."
انتقلت نورا إلى شرفتها، تراقب الشارع الذي امتلأ بحركة المساء. الأضواء تتلألأ، والناس يمرون بضحكاتهم وأحاديثهم. بدا كل شيء عادياً، وكأن العالم لم يتوقف عن الدوران. لكنها كانت تشعر بأن عالمها قد انهار.
"هل سارة تعلم بكل هذا؟" سألت بعد لحظة صمت.
"نعم. لقد وافقت. بل إنها تبدو مسرورة. يبدو أنها تحب خالد منذ فترة طويلة."
"تحبه؟" شعرت نورا بلسعة حادة. "وهل الحب يولد من العدم؟ هل الحب يأتي مع الثروة والجاه؟"
"ليس بالضرورة يا نورا. الحب له أشكاله. ربما هي ترى فيه رجلاً يستحق الحب، وتدرك معاناته."
"وخالد؟ هل يرى فيها امرأة تستحق الحب؟ هل يرى فيها بديلاً لي؟"
"لا أظن ذلك. أظن أنه مجبر. والدته قالت إنه كان يرفض هذا الأمر في البداية، لكن ضغوط الديون، وتهديدات الدائنين، أجبرته على الموافقة. إنه يرى في هذا الزواج خلاصاً لنفسه."
"خلاصاً لنفسه؟" تكررت الكلمة. "وماذا عن خلاصي؟ ماذا عن سعادتي؟ أليس لها ثمن؟"
"ثمنها هو الصبر يا نورا. وثمنها هو الإيمان بالله، وبأن القضاء والقدر لا يخرج عن علمه. ربما يكون هذا ابتلاءً، وامتحاناً لإيمانكِ."
"ابتلاء؟" نظرت نورا إلى السماء، تتوسل إجابة. "إذا كان هذا ابتلاء، فما حجم الخطايا التي ارتكبتها لأستحق كل هذا العذاب؟"
"لا تجعلي للشيطان سبيلاً إليكِ يا ابنتي. الله رحيم بعباده. عليكِ أن تصلي، وأن تطلبي منه العون. غداً هو يوم الخطبة. علينا أن نكون هناك، لنظهر التماسك، ولنحضر حفلة خطبة خالد وسارة."
كانت نورا تشعر وكأنها تسير في حلم غريب، كل تفاصيله مؤلمة. الخوف من الغد، من رؤية خالد يقف أمامها، يمد يده إلى سارة، كان يؤرقها. شعرت بأنها فقدت كل شيء، وأن المستقبل أصبح موحشاً ومظلماً. لكن في أعماقها، كانت هناك شرارة صغيرة من التمرد، رفض للاستسلام لهذا المصير.
"سأذهب يا أبي." قالت بصوت ثابت، يحمل نبرة من العزيمة. "سأذهب وأرى. لكنني لن أكون مجرد متفرجة. سأكون هناك، لأواجه هذا الواقع. ولأرى بعيني ماذا سيحدث."
"هذا هو كلام ابنتي القوية." ابتسم والدها ابتسامة باهتة. "ثقي بالله، وثقي بنفسكِ. وسيريكِ الله دربه."
لكن نورا لم تكن متأكدة. كانت تشعر بأن عاصفة هائلة تتجمع في قلبها، وأن غداً سيحمل معه انفجاراً لا يمكن تداركه.