الحبيب الغائب الجزء الثالث

سرٌّ دفينٌ وخوفٌ يتسلل

بقلم سارة العمري

تجمَّدَ الوقتُ في عيني ليلى. نظرتْ إلى الرسالةِ التي بينَ يديها، وإلى وجهِ جدتِها الذي كانَ يُخفي قلقًا لمْ تستطعْ إخفاءَهُ. كانتْ كلماتُ السيدِ عمر، والدِ أحمد، صدمةً لا تُحتمل. لقدْ كانَ الأملُ في استقرارِ حياتِهما قدْ بدأَ للتوِّ، والآنَ تأتي رياحٌ جديدةٌ لتُهدِّدَ هذا الاستقرار.

"ماذا يعني هذا يا جدتي؟" سألتْ ليلى بصوتٍ مُرتعش. "هلْ سيذهبُ أحمدُ مرةً أخرى؟"

"لا تقلقي يا ابنتي،" قالتْ الجدةُ أم أحمد، لكنَّ صوتَها كانَ يحملُ نبرةً منَ الحذر. "ربما هيَ مجردُ فرصةٍ عملٍ مؤقتة. السيدُ عمرُ رجلٌ طموحٌ، وهوَ يريدُ لابنهِ الأفضل."

"ولكنَّها رحلةٌ طويلةٌ كما يبدو،" قالتْ ليلى وهيَ تُعيدُ قراءةِ الرسالة. "والمشروعُ يحتاجُ إلى شريكٍ موثوقٍ بهِ. هذا يعني أنَّ الأمرَ ليسَ مجردَ زيارةٍ قصيرة."

كانَ أحمدُ قدْ خرجَ مبكرًا ليُرتِّبَ بعضَ الأمورِ في الخارج، ولمْ يكنْ قدْ علمَ بعدَ بوصولِ الرسالة. شعرتْ ليلى بمسؤوليةٍ ثقيلةٍ تقعُ على عاتقِها. كيفَ ستُخبرُ أحمدَ بهذا؟ وكيفَ ستُقنعهُ بالبقاء؟

جاءَ أحمدُ بعدَ فترةٍ وهوَ مُتعبٌ ولكنَّ وجهَهُ مُشرق. "صباحُ الخيرِ يا نساءَ البيت!" قالَ وهوَ يُقبلُ رأسَ جدتِها ويدَ ليلى. "لقدْ أنهيتُ بعضَ الترتيباتِ اللازمة."

"صباحُ النورِ يا أحمد،" قالتْ الجدةُ وهيَ تُحاولُ إخفاءَ قلقِها. "لقدْ وصلتْكَ رسالةٌ من والدِكَ."

أخذَ أحمدُ الرسالةَ، وقرأَها بعناية. تغيرَ لونُ وجهِهِ، وبدا عليهِ التأمل.

"إنَّها فرصةٌ رائعةٌ يا ليلى،" قالَ أحمدُ بعدَ لحظةٍ صمت. "والدي لمْ يسبقْ لهُ أنْ طلبَ مني شيئًا كهذا. إنَّها إشارةٌ منَ اللهِ بأنَّ الوقتَ قدْ حانَ لِأُشاركَه في أعمالِه."

نظرتْ ليلى إلى أحمد، وشعرتْ بخيبةِ أملٍ عميقة. "ولكنَّكَ قلتَ أنَّكَ لنْ تغيبَ عنَّا مرةً أخرى."

"لمْ أقُلْ أنَّني لنْ أغيبَ للأبد،" قالَ أحمدُ بهدوء. "هذهِ فرصةٌ لنْ تتكرر. سأذهبُ، ولكنِّي سأُرتِّبُ كلَّ شيءٍ لِتأتِيَ أنتِ إليَّ بعدَ أنْ نستقرَّ الأمور. وسنُقامُ حفلَ الزفافِ هناكَ في الخارج، بحضورِ العائلةِ والأصدقاء."

شعرَتْ ليلى وكأنَّ قلْبَها قدْ انكسر. "ولكنَّني أردتُ الزواجَ هنا، في بيتِ جدتي، في أرضِ أجدادي."

"أنا أعرفُ ذلكَ يا حبيبتي،" قالَ أحمدُ وهوَ يُعانقُها. "ولكنَّ بعضَ الأمورِ تتطلبُ منا التضحيةَ والتأقلم. صدِّقيني، هذا القرارُ ليسَ سهلًا عليَّ. ولكنَّه من أجلِ مستقبلِنا. هذا المشروعُ سيُؤمِّنُ لنا حياةً كريمةً ومستقرةً. عندما أعود، سأكونُ قادرًا على أنْ أُقدِّمَ لكِ كلَّ ما تُريدين."

لمْ تستطعْ ليلى أنْ تُجادلَ أحمد. كانَ كلامُهُ منطقيًا، ولكنهُ لمْ يُخففْ منْ ألمِ قلبِها. شعرتْ بأنَّها تفقدُه مرةً أخرى، قبلَ أنْ تستردَّهُ تمامًا.

في الأيامِ التي سبقتْ رحيلَ أحمد، كانتْ الأجواءُ في البيتِ مُشوبةً بالحزنِ والقلق. كانتْ ليلى تُحاولُ أنْ تُظهِرَ القوةَ، ولكنَّ دموعَها كانتْ تفضحُ مشاعرَها. كانتْ تقضي وقتَها معَ أحمد، تُحاولُ أنْ تستمتعَ بكلِّ لحظةٍ قبلَ الرحيل.

في الليلةِ الأخيرة، قبلَ أنْ يُسافرَ أحمد، جلسَ معَ ليلى في الصالة. كانَ الصمتُ مُطبقًا بينَهُما، صمتٌ مليءٌ بالكلماتِ التي لمْ تُقل.

"ليلى،" قالَ أحمدُ أخيرًا، "أعلمُ أنَّ الأمرَ صعبٌ عليكِ. ولكنَّي أعدُكِ، بأنِّي سأكونُ أقربَ إليكِ في قلبي حتى ولو كنتُ بعيدًا عنكِ بجسدي. ثقِّي بي، وثقِّي بوعودي."

"أنا أثقُ بكَ يا أحمد،" قالتْ ليلى وهيَ تُحاولُ أنْ تُقاومَ دموعَها. "ولكنِّي أخافُ. أخافُ أنْ تضيعَ بينَ هذهِ الرحلاتِ والأعمال."

"لنْ أضيعَ أبدًا،" قالَ أحمدُ وهوَ يُمسكُ بيديها. " أنتِ النورُ الذي يُرشدُني. سأعودُ إليكِ. وعندما أعود، سنُرتِّبُ كلَّ شيءٍ لِتكونَ حياتُنا سعيدةً ومستقرةً."

في الصباحِ التالي، وقفَ أحمدُ أمامَ ليلى، وودَّعَها. كانَ الوداعُ قصيرًا، مليئًا بالحبِّ والشوق. ركبَ أحمدُ جوادَهُ، وانطلقَ نحو الصحراءِ الممتدة. نظرتْ ليلى إلى ظهَرِهِ وهوَ يتلاشى في الأفق، وشعرتْ بأنَّ قلبَها قدْ انقبضَ بشدة.

عادتْ ليلى إلى غرفتِها، وجلستْ بجوارِ النافذة. أمسكتْ بالرسالةِ التي كتبَها أحمدُ قبلَ فترةٍ طويلة، الرسالةُ التي كانتْ تُمنِّيها بالأمل. الآن، لمْ تعدْ تعرفُ ماذا تنتظر. هلْ ستتحققُ وعودُ أحمد، أمْ أنَّ الأقدارَ لها رأيٌ آخر؟

في تلكَ الأثناء، كانَ السيدُ عمر، والدُ أحمد، يُتابعُ عنْ كثبٍ تطوُّرَ الأمور. كانَ يرى في رغبةِ ابنِهِ في الزواجِ من ليلى أمرًا طبيعيًا، ولكنهُ كانَ يخشى أنْ تُعيقَ هذهِ العلاقةُ خططَهُ المستقبلية. لقدْ كانَ لهُ أسرارٌ دفينةٌ، وأعمالٌ خفيةٌ لمْ يُفصحْ عنها لأحد، حتى لأحمد. كانَ يعلمُ أنَّ هذهِ الصفقةَ الجديدةَ معَ شركةٍ أجنبيةٍ ستُغيِّرُ حياتَهم، ولكنَّها كانتْ تحملُ معَها مخاطرَ كبيرة.

في مكانٍ آخر، بعيدًا عنْ هذهِ الأجواء، كانتْ هناكَ امرأةٌ تُدعى "فاطمة"، امرأةٌ غامضةٌ وذاتُ ماضٍ مُعقَّد. كانتْ تُتابعُ أخبارَ السيدِ عمرِ وابنِهِ أحمد، وكانتْ تُخطِّطُ لشيءٍ ما، شيءٌ قدْ يُقلبُ الموازينَ رأسًا على عقب. كانتْ فاطمةُ تعرفُ الكثيرَ عنْ أعمالِ السيدِ عمر، وكانتْ تحملُ في قلبِها حقداً دفينًا.

شعرتْ ليلى في تلكَ الليلةِ بوحشةٍ شديدة. تذكرتْ كلماتِ جدتِها عنْ ضرورةِ مواجهةِ الماضي. تساءلتْ في نفسِها: ما هوَ الماضي الذي يتربصُ بأحمد؟ وما هيَ الأسرارُ التي يُخفيها والدهُ؟

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%