الحبيب الغائب الجزء الثالث
رياحُ التغييرِ العاتية
بقلم سارة العمري
مرَّتْ أسابيعُ على رحيلِ أحمد. عادتْ الأيامُ في بيتِ جدتِها إلى رتابتِها المعتادة، ولكنَّها لمْ تكنْ تحملُ نفسَ الهدوءِ الذي كانتْ عليهِ من قبل. كانتْ ليلى تُحاولُ جاهدةً أنْ تُحافظَ على ابتسامتِها، وأنْ تُطمئنَ جدتَها، ولكنَّ قلبَها كانَ يشعرُ بثقلٍ لا يُطاق. كانتْ تنتظرُ كلَّ يومٍ رسالةً من أحمد، مكالمةً هاتفيةً، أيَّ إشارةٍ تُخبرُها بأنَّه لا يزالُ يتذكرُها. ولكنَّ الرسائلَ كانتْ قليلةً، والمكالماتِ الهاتفيةَ نادرة.
"لا تقلقي يا ليلى،" كانتْ الجدةُ أم أحمدُ تُردِّدُ باستمرار. "أحمدُ رجلٌ مسؤولٌ، وهوَ يُدركُ أهميةَ ما يقومُ بهِ. ثقِّي بهِ."
"أنا أثقُ بهِ يا جدتي،" أجابتْ ليلى وهيَ تنظرُ إلى الفراغ. "ولكنِّي أخافُ. أخافُ أنْ يُنسى بينَ هذهِ الأعمالِ والمسؤوليات."
في أحدِ الأيام، وصلتْ رسالةٌ إلى بيتِهم، ولكنَّها لمْ تكنْ منَ أحمد. كانتْ منَ السيدِ عمر، والدِ أحمد. بدأتْ ليلى بقراءةِ الرسالةِ وقلبُها يتسارع.
"ابنتي العزيزة ليلى،" بدأتِ الرسالة، "أتمنى أنْ تكوني بخير. أكتبُ إليكِ لأُخبرَكِ بأنَّ أحمدَ يعملُ بجدٍّ في المشروعِ الجديد. لقدْ كانَ لهُ دورٌ كبيرٌ في إنجاحِ هذهِ الصفقة. ولكنْ، كما تعلمينَ، فإنَّ طبيعةَ هذهِ الأعمالِ تتطلبُ الكثيرَ منَ الوقتِ والجهد. لذلك، قررتُ أنْ أُقيمَ حفلَ زفافٍ لأحمدَ هنا، في المدينةِ التي أقيمُ فيها، وذلكَ في غضونِ ثلاثةِ أشهر. سأُرسلُ إليكِ دعوةً رسميةً قريبًا، وسأُرتِّبُ لكلِّ شيءٍ لتأتِيَ أنتِ وجدَّتِكِ. أتمنى أنْ تُقدّري ظروفَ أحمدَ، وأنْ تُسانديهِ في هذهِ المرحلةِ الهامةِ من حياتِه. ابنُكِ المخلص، عمر."
شعرتْ ليلى وكأنَّ الأرضَ قدْ انشقتْ وابتلعتْها. ثلاثةُ أشهر؟ وحفلُ زفافٍ في مكانٍ آخر؟ هلْ كانَ أحمدُ على علمٍ بهذا؟ هلْ وافقَ على هذا؟
"يا جدتي،" قالتْ ليلى بصوتٍ مُرتعش، "انظري إلى هذا."
ناولَتْ الجدةُ الرسالةَ، وقرأتْها بتمعُّن. اتسعتْ عينا الجدةِ، وبدا عليها الاستغرابُ الشديد.
"هذا غريبٌ يا ليلى،" قالتْ الجدةُ. "لمْ يُخبرنا أحمدُ بشيءٍ كهذا. ربما هيَ خطةٌ لوالدِه لِتُسهِّلَ عليهِ الأمور."
"ولكنَّه يبدو قرارًا نهائيًا،" قالتْ ليلى وهيَ تُشعرُ بأنَّ الدموعَ تتجمَّعُ في عينيها. "وإنَّه يتحدثُ عنْ زفافٍ هنا، في مكانٍ آخر. وكأنَّ وجودي هنا لا يُهم."
في تلكَ الأثناء، كانَ السيدُ عمرُ يُخطِّطُ بخبث. كانَ يعلمُ أنَّ أحمدَ يُحبُّ ليلى، ولكنهُ كانَ يرى في هذهِ الزيجةِ عائقًا أمامَ طموحاتِهِ. لقدْ كانتْ الصفقةُ الجديدةُ معَ الشركةِ الأجنبيةِ تتطلبُ علاقاتٍ اجتماعيةٍ قويةٍ في المدينةِ التي يُقيمُ فيها. وكانَ يرى أنَّ زواجَ أحمدَ من سيدةٍ مرموقةٍ من عائلةٍ نبيلةٍ في تلكَ المدينةِ سيُعزِّزُ من مكانتِهِ.
في تلكَ الفترة، كانتْ فاطمةُ تُتابعُ الأحداثَ عنْ كثب. كانتْ تعرفُ أنَّ السيدَ عمرَ لديهِ أسرارٌ كثيرةٌ، وأنَّ هذهِ الصفقةَ الجديدةَ ليستْ مجردَ عملٍ تجاري. كانتْ تُدركُ أنَّ هناكَ شيئًا ما يحدثُ خلفَ الكواليس، شيئًا قدْ يُهدِّدُ كلَّ شيء.
بعدَ أيامٍ قليلة، اتصلَ أحمدُ بليلى. كانتْ ليلى تنتظرُ مكالمتَهُ بفارغِ الصبر.
"ليلى حبيبتي،" قالَ أحمدُ بصوتٍ مُرهقٍ ولكنهُ مليءٌ بالحب. "كيفَ حالُكِ؟"
"أنا بخير،" أجابتْ ليلى وهيَ تحاولُ أنْ تُخفيَ صوتَها المرتعش. "ولكنِّي قلقةٌ بعضَ الشيء."
"لماذا؟" سألَ أحمدُ بقلق.
"لقدْ وصلتْني رسالةٌ من والدِكَ،" قالتْ ليلى. "تتحدثُ عنْ زفافٍ قريبٍ هنا، في المدينة."
صمتَ أحمدُ للحظة. "آه، نعم. لقدْ تحدثَ معي والدي عنْ هذا الأمر. إنَّها مجردُ خطةٍ لتسهيلِ الأمورِ لهُ. ولكنَّنا سنتزوجُ عندَ عودتي، حسبَ ما اتفقنا."
"ولكنَّ الرسالةَ تبدو رسميةً جدًا،" قالتْ ليلى. "وكأنَّ الأمرَ قدْ تقرَّرَ بالفعل."
"لا تقلقي يا حبيبتي،" قالَ أحمدُ بنبرةٍ تحاولُ أنْ تُطمئنَها. "إنَّ والدي يُحبُّ التخطيطَ لكلِّ شيءٍ بدقة. لا تدعي هذا يُقلقُكِ. كلُّ شيءٍ سيحدثُ كما رتبناهُ أنا وأنتِ. سأعودُ في أقربِ وقتٍ ممكن، وسنُكملُ خططَنا."
شعرَتْ ليلى بش