الحبيب الغائب الجزء الثالث
ظلال الذكريات وسراب الأماني
بقلم سارة العمري
كان الهواء في مجلس فاطمة ثقيلاً، مشبعاً بعطر الياسمين ومرارة المستجدات. جلست العمة أمينة، بوقارها المعتاد، تتأمل وجه ابنتها فاطمة الذي اكتسى بحزن عميق، كأن غيمة رمادية قد سكنت محاجر عينيها. كانت الأمسية قد بدأت بتفاصيلها الدافئة؛ أكواب الشاي تفوح بعطر الهيل، وصوت أم كلثوم يرسم لوحة من الحنين في أرجاء البيت العتيق، لكن سرعان ما تبدد هذا الصفاء، حين تطرق فاطمة باب قلبها بسؤال كان ينهش روحها منذ رحيل فارس.
"يا عمتي، هل تظنين حقاً أن الله قد ابتلى قلبي بفارس؟" كان صوتها أشبه بالهمس، يتردد صداه في سكون المجلس.
نظرت إليها أمينة بقلب يعتصره الألم. كانت تعلم جيداً مرارة فقدان الأحباء، وتفهم عمق جرح فاطمة. "يا ابنتي، ما أصابكِ لم يكن اختياراً، ولكنه ابتلاء من عند الله، امتحان لقوة صبركِ وإيمانكِ. وفارس، هو قدركِ الذي ساقكِ إليه، سواء أكان الحضور أم الغياب."
لم ترتفع عينا فاطمة عن فنجانها الذي كانت تمرر أصابعها الباردة على جوانبه. "ولكن غيابه يا عمتي.. غيابه أصبح كالنار التي تحرق روحي. كلما أغلقت عيني، رأيت وجهه، سمعت ضحكته، شعرت بيده تمتد لتلتمس يدي.. ثم أفتحها لأجدني وحيدة."
تنهدت أمينة بعمق، وأمسكت بيد فاطمة التي كانت ترتجف قليلاً. "هذا الشوق، يا حبيبتي، هو دليل صدق المحبة، ولكنه أيضاً مدخل للشيطان ليوسوس لكِ، ليجعلكِ تعيشين في عالم الأوهام. يجب أن تتذكري أن الدنيا دار ابتلاء، وليست دار بقاء. وحبنا لبعضنا البعض لا يعني أن ننسى خالقنا، أو نغرق في أحلام لا واقع لها."
"ولكن كيف؟ كيف أنسى؟" سألت فاطمة بصوت متقطع، ودموع بدأت تتلألأ في عينيها. "عندما كنتِ تتحدثين عن عادات فارس، عن طيبته، عن إيمانه.. شعرت أني وجدتُ كل ما كنتُ أبحث عنه. وكأني عثرتُ على قطعة مفقودة من روحي."
"هذه المشاعر، يا فاطمة، هي هبة من الله، دليل على توافق الأرواح، وهذا ما جعل الله يجمع بينكما في الحلال. ولكن، عليكِ أن تتعلمي كيف تتعاملين مع هذه المشاعر. ليس بالحزن الدائم، ولا بالتعلق المفرط. بل بالدعاء، والاستغفار، والأعمال الصالحة التي تقربكِ إلى الله. إن كنتِ تحبينه حقاً، فادعي له بالثبات، وادعي لنفسكِ بالصبر والفرج."
تلاشت أمينة في سيرة فارس، كأنها تريد أن تستحضر صوره الجميلة في ذهن فاطمة، لا ليغرقها في الحزن، بل ليمنحها القوة. "كان رجلاً صالحاً، يا فاطمة. كان يعيش حياته لله. ويتذكر دائماً أن الدنيا زائلة. أتذكر مرة، حين سألته عن سبب تدينه الشديد، فقال لي ببساطة: 'يا خالتي، الخوف من الله هو الأمن الوحيد، وحبه هو السعادة الأبدية. أما ما سواه، فهو فتنة.' هذا الكلام، هل تستطيعين أن تنسيه؟"
رفعت فاطمة رأسها، وبدا على وجهها شيء من التأمل. "أتذكره.. ولكنه يجعلني أشعر ببعده أكثر. وكأنني لم أكن على قدر هذه الرحلة معه."
"بل كنتِ يا ابنتي، وكنتِ خير معين له. وأنا أرى في عينيكِ اليوم، صورة مصغرة من إيمانه. إن حزنكِ منطقي، ولكنه لا يجب أن يكون استسلاماً. تذكري أن الله لا يبتلي عبداً إلا ليطهره، أو ليرفعه درجة. وفارس، إن كان عنده تقصير، فالله أرحم به منا. وإن كان له فضل، فسيجزيه الله أضعافاً مضاعفة."
صمتت فاطمة لدقائق، تتنفس بعمق، وكأنها تحاول أن تستوعب ما سمعته. ثم قالت بصوت أشد ثباتاً: "ولكن يا عمتي.. هناك أمر آخر. أمر لم أفكر فيه إلا مؤخراً. أثناء وجود فارس، كان لدي شعور بالأمان.. بالرضا. والآن، أشعر بفراغ.. بفراغ كبير."
نظرت أمينة إليها بقلق. "وما الذي يملأ هذا الفراغ؟"
"لا أدري.. أحاول أن أشغل نفسي، بالقراءة، وبالعمل.. ولكنني أجد نفسي دائماً أعود إلى التفكير فيه. وفوق هذا كله، بدأت أشعر بوحدة قاتلة. الوحدة التي تدفع المرء إلى البحث عن أي شيء، عن أي شيء ينسيه هذا الشعور."
"وما هو هذا الشيء؟" سألت أمينة، وقد زاد قلقها.
"لا أعرف بالضبط." اعترفت فاطمة، وارتسمت على وجهها علامة حيرة. "ولكنني.. ولكني أحياناً.. أجد نفسي أتصفح الصور القديمة.. أو أقرأ الرسائل.. وكأنني أعيش في الماضي. وأخشى.. أخشى أن أصبح مدمنة على ذكرى شخص غائب."
تنهدت أمينة، وارتسمت على وجهها تعابير التفهم والشفقة. "يا فاطمة، هذا الإدمان الذي تخشينه، هو طبيعي بعد خسارة فادحة. ولكن، يجب أن تواجهيه. يجب أن تقرري بنفسكِ أنكِ لن تسمحي لهذه الذكرى بأن تلتهمكِ. تذكري أن الله قال: 'إن مع العسر يسرا'. والفرح، والسعادة، والرضا، كلها مفاتيح سيفتحها الله لكِ، ولكنكِ يجب أن تسعي إليها. لا تدعي ذكرى فارس، مهما كانت عزيزة، بأن تكون سبباً في ضياع دينكِ أو دنياكِ."
"ولكن كيف أمنع نفسي؟" سألت فاطمة، صوتها يختنق ببكاء مكبوت. "عندما أرى شيئاً يذكرني به، يداي تتحركان لا شعورياً نحو الهاتف. وعقلي يبدأ في رسم السيناريوهات. وأنا.. أنا لا أملك القوة الكافية لمقاومة ذلك."
"القوة، يا ابنتي، تأتي من الإيمان. ومن الاستعانة بالله. ومن عدم اليأس. غداً، سنذهب إلى المسجد، وسأدعو لكِ، وسندعو لكِ مع نساء صالحات. وسنبحث عن دروس دينية، عن مجالس علم، عن أنشطة خيرية. إن شغلتِ وقتكِ بما يرضي الله، ستجدين أن للشيطان مدخلاً أقل. ولا تنسي، أن العلاج يبدأ بالاعتراف بالمشكلة. وأنتِ، يا فاطمة، اعترفتِ بأنكِ تخشين الإدمان. وهذا أول خطوة نحو النجاة."
نظرت فاطمة إلى عمتها، وفي عينيها بريق أمل خافت. "هل تظنين حقاً أنني أستطيع؟"
"أظن يا حبيبتي، بل أنا متأكدة. لأنكِ تحملين من طيبة أصلكِ، ومن إيمانكِ، ما يكفيكِ لتتجاوزي كل الصعاب. ولكن، عليكِ أن تكوني صبورة، وأن تسامحي نفسكِ إذا تعثرتِ. فكلنا خطاءون، وخير الخطائين التوابون."
وقفت أمينة، وقبلت رأس فاطمة. "الآن، هيا بنا لنصلي. ولندعو الله بقلوب خاشعة، أن يثبتنا، وأن يمنحنا القوة، وأن يرزقنا الصبر والفرج."
بينما كانتا تتوجهان إلى غرفة الصلاة، كانت فاطمة لا تزال تشعر بثقل ما في قلبها، ولكنها أيضاً شعرت بوهج خفيف من الأمل، بضوء أولي يلوح في نهاية نفق مظلم. أدركت أن حبها لفارس، مهما كان عميقاً، لا يجب أن يصبح سبباً لضياع نفسها، بل يجب أن يكون دافعاً لها للارتقاء، وللبحث عن رضا الله، الذي لا يضيع عنده شيء.