الحبيب الغائب الجزء الثالث
سراب الوهم ونداء الواقع
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى عبر ستائر غرفة فاطمة، لترسم على وجهها النائم ظلالاً من دفء لم تشعر به منذ زمن. استيقظت، وشعرت بثقل لا يزال يراود صدرها، لكنه كان أخف وطأة مما كان عليه بالأمس. جلست على سريرها، تتأمل المساحة الفارغة بجانبها، وتتذكر حديث عمتها أمينة.
"الإدمان.. نعم، هذا ما أخشاه." همست لنفسها، وشعرت برغبة قوية في مقاومة هذه العادة التي بدأت تنخر في روحها. كانت تعلم أن ذكرى فارس عزيزة، وأن حبها له نقي وصادق، ولكنها أدركت أيضاً أن هذه المشاعر، إذا لم توضع في إطارها الصحيح، يمكن أن تتحول إلى عبء يثقل كاهلها، ويحجب عنها نور الإيمان.
ارتدت ملابسها، وشعرت بالحاجة إلى الخروج، إلى استنشاق هواء نقي، إلى رؤية العالم من منظور أوسع. نظرت في المرآة، ورأت عينيها لا تزال تحملان آثار السهر والحزن، لكنها حاولت أن ترسم على شفتيها ابتسامة، ابتسامة مصطنعة في البداية، لكنها بدأت تشعر بشيء من الصدق فيها.
نزلت إلى المطبخ، حيث كانت العمة أمينة تعد وجبة الإفطار. رائحة الخبز الطازج والقهوة العربية ملأت المكان، تبعث على الراحة والطمأنينة.
"صباح الخير يا عمتي." قالت فاطمة، بصوت بدأ يستعيد قوته.
"صباح النور يا ابنتي. كيف حالكِ اليوم؟" سألت أمينة، وعيناها تلمعان بالاهتمام.
"أفضل، الحمد لله." أجابت فاطمة، وجلست إلى المائدة. "كنت أفكر فيما قلتِ لي بالأمس. بالفعل، يجب أن أقاوم هذا الشعور."
ابتسمت أمينة، وقدمت لها طبقاً من اللبنة والزيتون. "هذا هو الاعتراف الأول، والخطوة الصحيحة. تذكري يا فاطمة، أن الإيمان هو أقوى سلاح. وأن الدعاء هو أقصر طريق إلى الله. كلما شعرتِ بالحنين الشديد، أو الوحدة، فادعي، واذكري الله، واقرأي ما تيسر من القرآن."
"ولكن، ماذا لو لم أستطع؟" سألت فاطمة، وشعرت ببعض الخوف. "ماذا لو وجدت نفسي أعود إلى نفس العادة؟"
"إذا تعثرتِ، فلا تيأسي. عد إلى الله، واستغفري، وحاولي مرة أخرى. الله رحيم، يحب التوابين. والأهم من ذلك، أن تشغلي نفسكِ بما هو مفيد. الأمس، تحدثت مع والدة صديقتي، سارة، وهي تدير مركزاً لتحفيظ القرآن للسيدات، وتشارك في تنظيم حملات خيرية. إن كنتِ ترغبين، يمكنني أن أحدثها، لتجد لكِ مكاناً هناك. فإشغال النفس بما يرضي الله، أفضل علاج لأي فراغ روحي أو نفسي."
لمعت عينا فاطمة. فكرة أن تكون جزءاً من مجتمع نسائي، وأن تشارك في أعمال تفيد المجتمع، بدت مغرية جداً. "هذا رائع يا عمتي! أرغب جداً في ذلك. أشعر أني بحاجة إلى أن أكون جزءاً من شيء أكبر، أن أقدم شيئاً، بدلاً من أن أعيش في ماضٍ لن يعود."
"ممتاز. إذاً، سأتصل بها اليوم. والآن، هيا نتناول الإفطار، ثم سنذهب إلى السوق لشراء بعض الحاجيات اللازمة."
بعد الإفطار، توجهت فاطمة مع عمتها إلى سوق شعبي قديم، تتناثر فيه المحلات الصغيرة، وتعرض بضائع متنوعة. كان الجو حيوياً، والناس يتجولون بين الأروقة، يتبادلون التحيات والضحكات. شعرت فاطمة بأنها بدأت تخرج من قوقعتها، وأن العالم من حولها لا يزال ينبض بالحياة، وأن هناك أملاً في المستقبل.
بينما كانتا تتفحصان بعض الأقمشة، لمحته. يقف أمام محل للعطور، يتحدث مع البائع، بملامح لا يمكن أن تخطئها. كانت هيئة الرجل، وطريقة حديثه، توحي بأنه شخص ذو مكانة. تجمدت فاطمة للحظة، وشعرت بقلبها يخفق بقوة.
"من هذا يا فاطمة؟" سألت أمينة، ملاحظة وقوف ابنة أختها المفاجئ.
نظرت فاطمة إلى البائع، ثم إلى الرجل الذي استدار ليأخذ بضاعته. كان وجهه مألوفاً، ولكنه ليس وجه فارس. بل كان وجه رجل آخر، كان قد رأته عدة مرات في المناسبات العائلية، وكان شقيق صديق قديم لوالدها. كان اسمه، حسب ما تتذكر، "بدر".
"لا شيء يا عمتي، مجرد شخص أعرفه." أجابت فاطمة، وحاولت أن تتخلص من الارتباك الذي سيطر عليها.
لاحظ بدر فاطمة، ويبدو أنه تعرف عليها أيضاً. ابتسم ابتسامة مهذبة، وتقدم نحوها. "فاطمة؟ هل أنتِ هنا؟"
"أهلاً بك يا بدر." ردت فاطمة، وحاولت أن تبدو طبيعية.
"ما شاء الله، كيف حالكِ؟" سأل بدر، ثم التفت إلى العمة أمينة. "هل هذه والدتكِ؟"
"لا، هذه خالتي أمينة." قدمت فاطمة عمتها.
"أهلاً وسهلاً. تشرفت بمعرفتكِ." قال بدر، ثم عاد بنظره إلى فاطمة. "هل جئتِ للتسوق؟"
"نعم، مع خالتي." أجابت فاطمة.
"أنا أيضاً. كنت أبحث عن هدية مناسبة." ثم توقف قليلاً، وكأنه يفكر. "اسمعي، هل لديكِ وقت؟ أردت أن أستشيركِ في شيء. بما أنكِ تعرفين جيداً الأذواق."
ترددت فاطمة. لم تعتد على هذه المواقف. ولكن، في ظل شعورها بالحاجة إلى كسر روتين الوحدة، وبفضل حديث عمتها عن الانفتاح، شعرت بأنها تستطيع أن تخوض هذه التجربة. "بالطبع، تفضل."
"رائع. لننتقل إلى مقهى قريب، ونحتسي شيئاً." اقترح بدر، وبدا على وجهه السرور.
نظرت فاطمة إلى عمتها. "ما رأيكِ يا عمتي؟"
"بالتأكيد يا ابنتي. أنا سأنهي ما بيدي، وتفضلا أنتما." قالت أمينة، وكأنها تعطيها فرصة للتجربة.
جلست فاطمة مع بدر في مقهى صغير، هادئ، تفوح منه رائحة القهوة. كان بدر رجلاً لبقاً، يتحدث بطلاقة، وعيناه تبدوان صادقتين. سألها عن أحوالها، وعن أخبار العائلة، ثم بدأ يتحدث عن مشروعه الجديد. كان رجلاً طموحاً، يعمل في مجال العقارات، ويسعى لتطوير مشاريع سكنية تراعي القيم الإسلامية.
"أعلم أنكِ كنتِ مخطوبة لفارس، رحمه الله." قال بدر فجأة، وبدا على وجهه شيء من الحزن. "كان صديقاً حميماً لوالد صديقي، وكان مثالاً للشاب الطموح والخلق. حزنت كثيراً لخبر وفاته."
تأثرت فاطمة بكلامه. شعرت بأن هذا الرجل، رغم أنه غريب، إلا أنه يحمل بعض التقدير لذكرى فارس. "شكراً لك يا بدر. كانت خسارة كبيرة."
"بالفعل. ولكن، الحياة تستمر، وعلينا أن نؤمن بأن الله لديه خطة لكل شيء. ألا تظنين ذلك؟"
"أظن ذلك، وأعمل به." قالت فاطمة، وبدأت تشعر بارتياح نسبي.
"جيد. لأنني أرى في عينيكِ، رغم كل شيء، نور الأمل. وأعتقد أنكِ تستحقين سعادة أكبر. وأنا، بصراحة، أرى فيكِ الشريكة المناسبة لمستقبلي. كنت أفكر في التقدم لخطبتكِ رسمياً، بعد أن أستأذن والدكِ، بالطبع، وأتأكد من رغبتكِ."
اتسعت عينا فاطمة. لم تتوقع أبداً أن يأتي هذا الكلام على لسان بدر. كانت قد اعترفت لعمتها بخوفها من الإدمان على ذكرى فارس، ولم تتخيل أبداً أن تبدأ مرحلة جديدة في حياتها بهذه السرعة.
"بدر.. أنا.. أنا لم أتوقع هذا." تلعثمت فاطمة. "إنها خطوة كبيرة."
"أعلم. ولكن، أنا رجل جاد، وأرى فيكِ كل ما أتمناه في زوجة. امرأة صالحة، ومتعلمة، وذات أخلاق رفيعة. وفوق ذلك، أعرف أنكِ تحملين قلباً طيباً. ألا ترين أن الوقت قد حان لتبدئي فصلاً جديداً؟"
نظرت فاطمة إلى كوب قهوتها، تتأمل الكلمات. هل هي جاهزة؟ هل يمكنها أن تتخلى عن حزنها، وتفتح قلبها لرجل جديد؟ كان الأمر مربكاً، ولكنه أيضاً كان مغرياً. مغرياً بفكرة بداية جديدة، بمستقبل خالٍ من ظلال الذكريات.
"أحتاج بعض الوقت للتفكير يا بدر." قالت فاطمة، بصوت هادئ. "هذا أمر يتطلب تفكيراً عميقاً، ومشورة. ولكن، أقدر لكَ هذه المشاعر، وهذه الشجاعة."
ابتسم بدر. "بالطبع. سأنتظر قراركِ. ولكن، أرجو أن تفكري جيداً. أنا على استعداد لتقديم كل ما يلزم لضمان سعادتكِ."
وقف بدر، ومد يده ليصافحها. صافحته فاطمة، وشعرت بوخز غريب. هل هذا بداية جديدة؟ أم مجرد سراب آخر في صحراء الحياة؟
عادت فاطمة إلى عمتها، وهي تفكر في هذا اللقاء المفاجئ. كانت العمة أمينة تبتسم لها. "ما الأخبار يا ابنتي؟"
"الأخبار.. غريبة." قالت فاطمة، وبدأت تحكي لعمتها ما حدث.
تأملت أمينة كلامها، ثم قالت: "يا ابنتي، الله إذا أراد أمراً، قال له كن فيكون. ولكن، لا تتعجلي. فكري جيداً، واستخيري الله. ففي الاستخارة، راحة القلب وسكينته."
جلست فاطمة، تشعر بضباب كثيف يحيط بذهنها. هل هذا هو الحل؟ هل يمكن لرجل آخر أن يملأ الفراغ الذي تركه فارس؟ أم أن هذه مجرد محاولة لإعادة بناء جدار هدم، قبل أن ينهيه الحزن؟