حب الأبطال الجزء الثالث
الفجر المتألق والليل الساجي
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات الفجر ترقرق بخفة على وجوه النائمين في قرية "الخيرات"، حاملة معها عبير زهر الليمون البري وهمس الريح بين أشجار النخيل. استيقظت "ليلى" قبل أن يبلغ ضوء الشمس أوج قوته، وبقلب يعتصره مزيج من الأمل والقلق، توجهت نحو شرفة غرفتها المطلة على بستان والدها. تذكرت آخر مرة وقفت فيها هنا، حين كان "أحمد" يخبرها عن أحلامه، عن مستقبلهما معاً، وعن وعوده التي كانت ترن في أذنيها كالصدى الجميل. لكن ذاك الوعد، والوعد الأكبر الذي كان يربطها به، بات الآن غائماً، مشوباً بظلال الشك والخوف.
كانت قد قضت الليلة السابقة في صراع مع نفسها. هل حقاً تثق بما سمعته؟ هل يمكن أن يكون "سعيد" قد دس السم في عسل كلماته؟ لقد عرفت "سعيد" منذ طفولتها، كان زميل "أحمد" في الدراسة، وصديقه المقرب، لكن شيئاً في عينيه تلك الليلة، تلك اللمعة الغامضة التي حاولت أن تفسرها، باتت الآن تبدو كمفتاح لباب غامض. قال لها: "الأمانة يا ليلى، إنها أغلى من أي حب. وإذا كان حبك لأحمد صادقاً، فعليك أن تعلمي الحقيقة كاملة، قبل أن تغوصي أكثر في بحر قد لا تعرفين شاطئه."
تنهدت بعمق، وشعرت بالبرد ينساب إلى عظامها رغم دفء الصباح. إذا كان "أحمد" قد أخفى عنها شيئاً جوهرياً، شيئاً يتعلق بماضيه أو بحاضره، فهل يمكنها أن تسامحه؟ هي التي عرفت عنه ورعه وتقواه، وشدته في الالتزام بما يرضي الله. هل يمكن أن تكون هناك تفسيرات أخرى؟ تفسيرات تبرئ ساحته، وتريح قلبها المتعب؟
نزلت الدرجات الخشبية بهدوء، تجنبت أن توقظ أحداً. أمها، "فاطمة"، كانت قد بدأت بالفعل بإعداد طعام الفطور، وصوتها الخافت وهي تدندن آية قرآنية كان يبعث في الروح الطمأنينة. والدها، "الحاج محمود"، كان غالباً ما يستيقظ مبكراً للصلاة وقراءة ورد القرآن، ثم يتفقد أرضه.
في المطبخ، استقبلتها والدتها بابتسامة حانية. "صباح الخير يا ابنتي. وجهك شاحب، هل نمتِ جيداً؟" "صباح النور يا أمي. الحمد لله، نمت." كذبت ببراعة، خوفاً من أن ترى والدتها القلق في عينيها، وأن تبدأ بالاستفسار، وهي لا تملك إجابات شافية.
وبينما كانت تتناول قطعة خبز بالجبن، لمع في ذهنها شيء. "أمي، هل تذكرين عندما ذهب أحمد إلى القاهرة للدراسة؟ هل حدث أي شيء غير عادي في تلك الفترة؟ أي مشاكل، أو خلافات؟" نظرت إليها "فاطمة" باستغراب. "لا يا حبيبتي. أحمد كان دائماً نعم الابن، نعم الزوج المستقبلي. كان مهذباً، ومجتهداً، وكان يحترم أهلنا ويقدرهم. كان يسافر ويعود، وكان كل شيء على ما يرام. لماذا تسألين هذا السؤال؟"
شعرت "ليلى" بارتفاع حرارة وجهها. "لا شيء يا أمي. مجرد فضول." واصلت "فاطمة" عملها، وقالت وهي تضع إبريق الشاي على الموقد: "أحمد شاب طيب، وقد اختاره الله ليكون لكِ. وإن كان هناك شيء، فثقي بالله ثم به. فإنه لن يضرك أبداً."
لكن كلمات والدتها، رغم حسن نيتها، لم تهدئ من روعها. بل زادتها حيرة. إذا لم يكن هناك ما يخفيه، فلماذا تبدو الأمور معقدة إلى هذا الحد؟ لماذا صمت "أحمد" عن بعض الأمور حين سألته؟
انتهت وجبة الإفطار، وتجمعت العائلة كالعادة في ساحة المنزل الأمامية. كان "الحاج محمود" قد انتهى من تفقد بعض أراضي القمح، وباتت الشمس ترسل أشعتها الذهبية. تحدثوا عن أمور القرية، عن موسم الحصاد القادم، وعن خطط تطوير المسجد. كل شيء كان يبدو طبيعياً، روتينياً، لكن "ليلى" كانت تشعر أن كل هذا الهدوء الظاهري يسبق عاصفة هوجاء.
كانت "زينب" قد حضرت هي الأخرى، بصحبة زوجها "صالح"، الذي كان يعمل مع "الحاج محمود" في الزراعة. ابتسمت "زينب" لـ "ليلى" ببراعة، وكأنها لا تشعر بأي شيء، لكن "ليلى" رأت في عينيها شيئاً من الترقب. هل تعلم "زينب" شيئاً؟ هل هي جزء من هذا اللغز؟
"أحمد لم يحضر اليوم." قالت "ليلى" بصوت متهدج قليلاً. "لم يأتنا خبر منه بعد." أجاب "صالح". "ولم يرد على هاتفه." "هذا غريب." قال "الحاج محمود" بعينين زائغتين. "عادة ما يخبرنا إذا كان سيتأخر. ربما واجهته مشكلة في الطريق."
في تلك اللحظة، سمعوا صوت سيارة تقترب. لم تكن سيارة "أحمد"، بل كانت سيارة "سعيد". توقف أمام بوابة المنزل، ونزل منها "سعيد" ببدلته الأنيقة، وابتسامته الواسعة التي بدت الآن لـ "ليلى" أكثر خبثاً من ذي قبل.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قال "سعيد" وهو يدخل الساحة. "وعليكم السلام ورحمة الله." أجاب الجميع.
"أتيت لأطمئن عليكم، ولأحمل لكم أخباراً." قال "سعيد" وجلس على كرسي خشبي. "كنت في المدينة أمس، والتقيت ببعض معارف أحمد القدامى." توقفت "ليلى" عن التنفس. قلبت عينيها نحو "سعيد"، تنتظر ما سيقول.
"سمعت بعض الأمور التي تخص أحمد." استمر "سعيد" بنبرة هادئة، وكأنه يروي قصة عادية. "أحمد، للأسف، ليس بالصورة التي تعرفونها جميعاً." وقف "الحاج محمود" ببطء. "ماذا تقصد يا بني؟" "أحمد، يا حاج محمود، متورط في بعض الأمور التي لا تليق برجل مسلم. ديون، وبعض العلاقات التي لا ترضي الله." قال "سعيد" وهو ينظر مباشرة إلى "الحاج محمود"، ثم حول نظره إلى "ليلى". "وبسبب هذه الأمور، أصبح مهدداً. شخصيات خطيرة تسعى إليه."
بدأت "ليلى" تشعر بدوار. شعرت ببرودة تسري في أطرافها. هل هذا ما كان "سعيد" يقصده؟ هل كان كل هذا الكلام مجرد تمهيد لهذا الخبر؟ "ما الذي تتفوه به يا رجل؟" صاح "صالح" بغضب. "أحمد ابن عمي، وأعرفه جيداً. لم يقم قط بشيء كهذا." "ربما لم تكن تعلم يا صالح." قال "سعيد" بهدوء. "وقد تكون الأمور قد تطورت مؤخراً. رأيت بعيني مكالمات هاتفية مشبوهة، ورأيت مبلغاً كبيراً من المال تم تحويله بطريقة غامضة."
"هذا افتراء!" قال "الحاج محمود" بصوت قوي، اهتز له المكان. "أحمد لا يمكن أن يفعل ذلك. أين دليلك؟" "الدليل موجود، يا حاج محمود." قال "سعيد" وهو يخرج هاتفه من جيبه. "هذه رسائل نصية. وهذه سجلات مكالمات. وهذا رقم حساب تم تحويل مبلغ كبير إليه. كلها تخص أحمد. وقد حاولت نصحه، لكنه لم يستمع. بل حاول إخفاء الأمر. يبدو أنه كان يخطط للسفر قريباً، ربما للخارج، للتخلص من هذه المشاكل."
بدأت "ليلى" بالبكاء بصمت. شعرت أن العالم ينهار من حولها. كل ما بنته من أحلام، كل ما عشقته من صفات، باتت تتلاشى كسراب. هذه ليست صورة "أحمد" الذي عرفته. هذا ليس الرجل الذي وعدها بالزواج، والذي احتضن يديها بالأمس ليقول لها: "حياتي كلها لكِ يا ليلى."
"لقد أخبرتك أن أترك هذه القرية، وأن أبدأ حياتي الجديدة بعيداً عن هذه المشاكل." قال "سعيد" وكأنه يبرئ نفسه. "لكن عندما رأيت كيف أنكِ متعلقة به، قررت أن أصارحك بالحقيقة. أنا أحبك يا ليلى، وأتمنى لكِ الأفضل. ولذلك، لا يمكنني أن أدعكِ ترتبطين برجل مثله."
وقف "الحاج محمود" بصلابة، وقال بصوت هادئ ولكنه يحمل قوة الجبال: "سعيد، ما قلته سمعناه. وسنأخذ وقتنا لنتحقق من كل كلمة. أما الآن، فالأفضل أن تذهب. نحن بحاجة إلى التفكير." نظر "سعيد" إلى "ليلى" نظرة طويلة، فيها مزيج من الانتصار والشفقة. "كما تشاءون. لكن تذكروا كلامي. الحب الحقيقي هو الأمانة. وأنتم أحرار في قراركم."
غادر "سعيد"، وبقيت العائلة في حالة صدمة. "ليلى" كانت تشعر بأنها تتجمد. "زينب" وقفت بجانبها، تحتضنها بيد مرتعشة. "لا تصدقي كل كلمة يا ليلى. أحمد طيب." لكن "ليلى" لم تعد تسمع. سمعت فقط صوت "سعيد"، وصوت "أحمد" الذي يخونها. هل كان كل شيء مجرد وهم؟ هل كانت تعيش قصة حب مزيفة؟
نظرت إلى والدها، ورأت الحزن والقلق في عينيه. "والدي، ماذا سنفعل؟" "سنتحقق يا ابنتي. سنتحقق من كل شيء. لن نسمح لأحد أن يدمر سمعة عائلتنا، ولا سمعة رجل وعد بالارتباط بكِ." قال "الحاج محمود" وعزيمته قوية، لكن بداخله قلق عميق.
في تلك اللحظة، سمعوا صوت صفارة سيارة إسعاف قادمة من بعيد. ازدادت حدة الصفارة، وتوجهت نحو منزلهم. توقفت السيارة أمام البوابة، ونزل منها رجلان يرتديان ملابس طبية.
"هل أنتم أهالي بيت الحاج محمود؟" سأل أحدهم. "نعم." أجاب "الحاج محمود" وهو لا يزال متفاجئاً. "وردنا بلاغ عن تعرض شاب لحادث سير مروع على الطريق الرئيسي. تبين أنه المدعو أحمد. حالته حرجة للغاية، ونحن ننقله إلى المستشفى. لكن قبل أن نصل، هل لديه أي أهل أو أقرباء نعرفهم؟"
وقفت "ليلى" وكأنها لم تعد تستطيع الوقوف. أسقطت ما في يدها من خبز. "أحمد؟" همست. "نعم، أحمد." أكد رجل الإسعاف.
نظرت "ليلى" إلى والدها، ثم إلى "زينب". في عيون الجميع، كان هناك مزيج من الخوف، والأسف، والسؤال الأكبر: هل كان كل ما قاله "سعيد" مجرد حيلة؟ حيلة لتدمير "أحمد" قبل أن يصل إلى "ليلى"؟ أم أن الحادث كان نتيجة لتلك "المشاكل" التي تحدث عنها؟
لم تكن تعرف. لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً: الصراع قد بدأ، والفجر المتألق الذي بدأت به يومها، قد انطوى تحت ستار ليل داكن، مليء بالأسئلة والمخاطر.