حب الأبطال الجزء الثالث
غيمة الشك ومركب الأمل
بقلم ليلى الأحمد
في قلب مستشفى المدينة الكبير، حيث تتنافس رائحة المطهرات مع عبق الأمل المتبقي، كان "أحمد" يرقد في غرفة العناية المركزة. أنابيب الأكسجين تحيط بوجهه الشاحب، وأجهزة المراقبة تئن بصوت رتيب، ترسم نبضات حياة متذبذبة. بجانبه، كانت "ليلى" تجلس بصمت، عيناها مليئتان بالدموع التي حبستها بصعوبة، ويديها ترتجفان وهي تمسك بيد "أحمد" الباردة.
كانت كلمات "سعيد" تتردد في أذنيها كوقع مطرقة على سندان. "ديون، وعلاقات لا ترضي الله، وشخصيات خطيرة تسعى إليه." هل كانت كل تلك الاتهامات حقيقية؟ هل كان "أحمد" الذي أحبته، والذي وثقت به، يخفي كل هذه الأسرار؟
"ليلى، يا ابنتي،" قال "الحاج محمود" بصوت خفيض، وهو يقف عند الباب، "علينا أن نأخذ في الاعتبار ما قاله سعيد. لا يمكننا تجاهل الأمر." نظرت إليه "ليلى" ببرود. "هل تؤمن به يا أبي؟ هل حقاً تعتقد أن أحمد فعل ذلك؟" "لا أعرف ما أعتقد يا ابنتي." قال "الحاج محمود" بتعب. "لكن الحقائق يجب أن تظهر. لا أريد أن تنجرحي، ولا أريد أن تقع عائلتنا في ورطة بسبب رجل قد يكون خان الثقة."
"زينب" كانت تجلس في ركن الغرفة، وعيناها لا تفارقان وجه "أحمد". "كان أحمد دائماً يتحدث عن مستقبله معك يا ليلى. كان يحلم بزواج مبارك، وبناء أسرة على طاعة الله. لم أره قط يوماً يميل إلى المعاصي." "لكن سعيد أظهر رسائل ومكالمات." قالت "ليلى" بصوت مختنق. "هل هذه كلها كذب؟"
في تلك اللحظة، خرج الطبيب المسؤول عن حالة "أحمد". كان وجهه يوحي بالجدية، ولكنه كان يحمل بارقة أمل. "حالته مستقرة الآن. إصاباته كانت خطيرة، لكنه تجاوز مرحلة الخطر. سيحتاج إلى فترة طويلة للتعافي، ولربما يحتاج إلى عمليات أخرى. لكن الأهم الآن هو الراحة وعدم الإجهاد."
تنفس الجميع الصعداء. "ليلى" انحنت وقبلت جبين "أحمد". "سترتاح يا أحمد. ستعود إلينا." "لكن هذا لا يحل مشكلة الاتهامات." قال "صالح" الذي كان يقف بجانب "الحاج محمود". "يجب أن نعرف الحقيقة."
بعد ساعات، وبينما كانت "ليلى" وحدها في الغرفة، تبكي بصمت، فتح "أحمد" عينيه ببطء. كانت عيناه زائغتين، ثم استقرت عليهما نظرة تعرفها "ليلى" جيداً. "ليلى؟" همس بصوت ضعيف. "أحمد!" قالت "ليلى" وهي تمسك بيده بقوة، وتلتهم وجهه بنظراتها. "الحمد لله على سلامتك. كيف تشعر؟" "ضعيف." أجاب. "ماذا حدث؟" "حادث سير." قالت. "هل تتذكر شيئاً؟" "نعم. كنت أقود السيارة. ورأيت سيارة أخرى تقترب بسرعة جنونية. حاولت تفاديها، لكن..." توقف. "كنت أحاول الهروب. كان هناك شخص يلاحقني."
ارتعشت "ليلى" من رأسي حتى أخمص قدميها. "يلاحقك؟ من؟" "لا أعرف. كنت أحمل شيئاً مهماً. شيئاً يجب أن أوصله." قال "أحمد" وهو يحاول الجلوس. "لا تتحرك!" قالت "ليلى" وهي تساعده على الاستلقاء. "أخبرني، ماذا كنت تحمل؟ ومن كان يلاحقك؟"
"كنت أحمل ملفات. ملفات تتعلق بشركة كبيرة في المدينة. يبدو أن هناك اختلاسات كبيرة. اكتشفتها بالصدفة، وحاولت جمع الأدلة. أردت أن أبلغ السلطات، لكن أحدهم اكتشف أمري." قال "أحمد" وعيناه تشتعلان بالغضب. "كان يريد أن يأخذ الملفات. حاول الاعتداء عليّ، فقاومته. ثم هربت في سيارتي. وبدأ بملاحقتي."
"هل هو سعيد؟" سألت "ليلى" بلهفة. "لا أعرف وجهه." قال "أحمد". "لكنني سمعت صوته. يبدو أنني لم أهرب منه بعيداً، فقد لحق بي. ربما هو من تسبب في الحادث."
بدأت الأمور تتضح لـ "ليلى". كانت كلمات "سعيد" خداعاً. كان يريد إبعاد "أحمد" عن الصورة، وتشويه سمعته، وإخفاء جريمته. هذا هو السبب الذي جعل "أحمد" يبدو متجنباً في الأيام الأخيرة، وهذا هو السبب الذي جعله يحمل تلك الملفات.
"الملفات!" هتفت "ليلى". "أين الملفات؟" "كانت في حقيبتي. ربما سقطت أثناء الحادث." قال "أحمد" بتأسف. "إنها مهمة جداً. بها أدلة قاطعة."
في تلك اللحظة، دخل "الحاج محمود" و"صالح" و"زينب" الغرفة. رأوا "أحمد" مستيقظاً. "الحمد لله على سلامتك يا بني." قال "الحاج محمود" وهو يحتضنه. "الحمد لله يا عمي. لقد كنت أحاول جمع أدلة ضد أشخاص يسرقون أموال الناس." قال "أحمد" وهو يشرح كل شيء لـ "الحاج محمود".
"لقد علمنا أن سعيد هو من كان يدبر الأمر." قالت "زينب" بغضب. "لقد ذهب إلى القرية أمس، وقال إنك متورط في مشاكل كثيرة، وإنه يحبك يا ليلى ويريد لك الأفضل." "ماذا؟" قال "أحمد" بانزعاج. "هذا الرجل! لقد حاول أن يأخذ الملفات مني. لقد خفت أن يتعرض أحد منكم للأذى، ولذلك لم أخبركم بكل شيء."
"لكن الملفات، يا أحمد؟" سأل "صالح". "هل فقدناها؟" "لا." قال "أحمد" بتصميم. "لم أفقدها. أعتقد أنها ما زالت في حقيبتي، أو ربما في السيارة. يجب أن نجدها."
بدأ "الحاج محمود" يفكر. "إذا كان سعيد متورطاً، فهذا يعني أن لديه دافعاً قوياً. وربما يحاول إخفاء أثره الآن. يجب أن نتصرف بسرعة." "سأذهب إلى مكان الحادث." قال "صالح". "وسأبحث في السيارة، وفي المنطقة المحيطة. ربما تكون الملفات قد سقطت هناك." "وأنا سأتصل بمحامي تثق به يا عمي." قال "الحاج محمود". "علينا أن نواجه سعيد بالأدلة."
"ليلى" نظرت إلى "أحمد"، ورأت فيه إصراراً وقوة. لقد أثبت أنه البطل الذي كانت تحلم به. لم يكن ما قالته "سعيد" إلا محاولة يائسة لتدميره. "أنا معك يا أحمد." قالت. "سنواجه هذا الأمر معاً."
ابتسم "أحمد" ابتسامة ضعيفة، لكنها كانت مليئة بالحب والامتنان. "شكراً لكِ يا ليلى. أعرف أنكِ لم تشكي بي أبداً." "لم أستطع." قالت. "قلبي كان يعرف أنك طيب."
خرج "صالح" مسرعاً، وبدأت خطة جديدة تتشكل. لم تعد "ليلى" تشعر بالخوف، بل بالإصرار. لقد كشفت الحقيقة، والآن حان وقت القتال. قتال من أجل الحق، ومن أجل الحب الذي لم يكن أبداً وهماً، بل كان وما زال مركب أمل يجوب بحر الحياة.