حب الأبطال الجزء الثالث
الظلال تشتد والنزال يبدأ
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بأشعتها الساطعة على أزقة القرية القديمة. ضجيج خافت للأطفال يلعبون، وصوت المؤذن يدعو إلى صلاة الظهر، تتمازج مع رائحة الخبز الطازج المنبعثة من الأفران. لكن في منزل "الحاج محمود"، كان الجو مشحوناً بالتوتر.
"صالح" عاد من مكان الحادث، ووجهه عابس. "لم أجد شيئاً في السيارة. كانت فارغة. وحتى الحقيبة التي تحدث عنها أحمد، لم أجد لها أثراً. يبدو أن أحدهم سبقني." "هذا يعني أن سعيد قد حصل على الملفات." قال "الحاج محمود" وهو يفرك ذقنه. "وهذا يعزز شكوكنا. لديه الآن الأدلة التي قد تستخدم ضده."
"أحمد" كان لا يزال في المستشفى، لكنه كان يتواصل معهم هاتفياً. "لقد تذكرت شيئاً." قال بصوت أقوى. "عندما كنت أحاول تفادي السيارة التي كانت تلاحقني، صدمت حاجزاً خشبياً على جانب الطريق. أعتقد أن الحقيبة قد سقطت في تلك اللحظة، ربما بين الأشجار. لكنني لم أتمكن من التوقف."
"سأعود إلى هناك." قال "صالح" بحزم. "سأبحث في كل شبر." "لا، صالح." قال "الحاج محمود". "الأمر خطير. سعيد قد يكون لديه رجال يراقبون المكان. سنذهب معاً. سنأخذ معك بعض الرجال الأقوياء من القرية."
وفي تلك الأثناء، كانت "ليلى" تجلس مع والدتها، "فاطمة"، التي كانت تبدو قلقة للغاية. "يا بنيتي، هل أنتِ متأكدة من أن أحمد لم يفعل شيئاً خاطئاً؟" سألت "فاطمة" بتردد. "أنا أثق بكِ، لكن ما قاله سعيد كان مقنعاً." "أمي، لقد رأيت أحمد بعيني. لقد كان يخاطر بحياته من أجل كشف هؤلاء السارقين. وسعيد هو من كان يحاول تدميره. لقد رأيت الخبث في عينيه." قالت "ليلى" بحزم.
"فاطمة" احتضنت ابنتها. "إذا كان الأمر كذلك، فالله معكِ. لكن كوني حذرة. سعيد رجل قوي، وله نفوذ." "أعلم يا أمي." قالت "ليلى". "لكن الحق سينتصر."
بعد الظهيرة، اجتمع "الحاج محمود" و"صالح" و"ثلاثة من أقوياء القرية" في ساحة المنزل. كانوا مسلحين بالعصي والفؤوس، وقلوبهم مليئة بالعزيمة. انطلقوا نحو الطريق الريفي الذي شهد الحادث.
كان الطريق بالكاد يتسع لسيارة واحدة، تحيط به أشجار الصبار وأشجار الزيتون البري. وصلوا إلى المكان الذي أشار إليه "أحمد". كانت هناك آثار صدمة على الحاجز الخشبي. بدأوا بالبحث الدقيق، يتفحصون كل شجيرة، كل حجر.
مرت ساعات. الشمس بدأت تميل نحو الغرب، والظلال بدأت تتطاول. الشعور بالإحباط بدأ يتسلل إلى نفوسهم. "هل نبحث في اتجاه آخر؟" سأل أحد الرجال. "ليس لدينا وقت." قال "الحاج محمود". "علينا أن نجده قبل أن يختفي تماماً."
وفجأة، صاح "صالح": "هنا! أعتقد أنني رأيت شيئاً." اقتربوا جميعاً. كان هناك كومة من الأوراق المتناثرة تحت شجيرة كثيفة، مغطاة بالغبار والأعشاب. بدأت "ليلى" التي كانت قد أصرت على المجيء معهم، تتفحص الأوراق. كانت هناك مستندات، وسجلات، وتقارير مالية.
"هذه هي!" هتفت "ليلى". "هذه هي الملفات!" كانت الأوراق متناثرة، وبعضها ممزق، لكن الأهم كان ما زال قابلاً للقراءة. بدأت "ليلى" تجمعها بعناية، ووضعتها في حقيبة قماشية أحضرتها معها.
"الحمد لله." قال "الحاج محمود". "لقد وجدناها. الآن، علينا أن نواجه سعيد." "لكن كيف؟" سأل "صالح". "قد يكون لديه رجال أكثر منا." "سأذهب إلى مخفر الشرطة في المدينة." قال "الحاج محمود". "سأقدم لهم هذه الملفات، وأطلب منهم التحقيق مع سعيد. لا يمكننا أن نواجه الشر بالشر."
"لكنهم قد لا يصدقوننا." قال أحد الرجال. "سعيد معروف بقوته وعلاقاته." "سنقدم الأدلة." قال "الحاج محمود" بعزم. "والقانون سينصفنا إن شاء الله."
بينما كانوا عائدين إلى القرية، رأوا سيارة فارهة تسير بسرعة جنونية في الاتجاه المعاكس. كانت سيارة "سعيد". لم يتوقف، بل مر بجانبهم وكأنه لم يرهم. "لقد عاد." قال "صالح". "ربما كان يبحث عن الملفات أيضاً."
عادت "ليلى" إلى المنزل، تشعر ببعض الراحة، لكنها تعلم أن المعركة لم تنته بعد. كانت الملفات في يدها، وهي دليل قاطع على فساد "سعيد". لكن "سعيد" لم يكن شخصاً سهلاً، وكان لديه طرق ملتوية.
في المساء، اجتمع "الحاج محمود" مع "ليلى" و"أحمد" (الذي سمح له بالخروج من المستشفى مؤقتاً بعد أن تدهورت حالته الصحية نتيجة للقلق، ولكنه كان ضعيفاً). "لقد قدمت الملفات للشرطة." قال "الحاج محمود". "الآن، علينا الانتظار."
"لكن ماذا لو حاول سعيد تدمير الأدلة، أو تلفيق تهمة ضدنا؟" سأل "أحمد" بقلق. "لا تقلق يا بني." قال "الحاج محمود". "لقد قمت بتصوير بعض الصفحات الهامة من الملفات قبل تسليمها، وصورتها أيضاً لوالدتك. لدينا نسخة احتياطية."
كانت "زينب" قد سمعت عن اكتشاف الملفات. ذهبت إلى منزل "سعيد" بدعوى الزيارة. "أهلاً يا زينب." قال "سعيد" بابتسامته الباردة. "كيف حال الجميع؟" "بخير، الحمد لله." قالت "زينب". "سمعت أنكم وجدتم شيئاً مهماً في مكان الحادث." "لا شيء ذي قيمة." قال "سعيد" بلامبالاة. "فقط بعض الأوراق القديمة." "ولكن الحاج محمود قدمها للشرطة." قالت "زينب" لتختبر رد فعله. تجمد "سعيد" للحظة، ثم قال: "الحاج محمود رجل عاطفي. دائماً ما يبالغ في الأمور."
شعرت "زينب" بالارتياح. كان "سعيد" يظن أن الملفات لا قيمة لها. ربما كانت خطة "الحاج محمود" فعالة.
لكن بينما كان الليل ينزل على القرية، وبدا أن سكوناً عميقاً قد خيم على المكان، كانت هناك عيون تراقب، وأيادٍ خفية تتحرك. "سعيد" لم يكن ليخسر بسهولة. لقد بدأ النزال الحقيقي، والظلال تشتد، والرياح تهمس بتحذيرات غامضة.