حب الأبطال الجزء الثالث

ومضة الماضي في سوق العطارين

بقلم ليلى الأحمد

تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر النافذة العالية، لتوقظ سوق العطارين من سكون الليل. كانت الألوان تتنافس على لوحةٍ بديعة؛ أحمرُ الفلفل الحار، أخضرُ النعناع المجفف، أصفرُ الكركم، وأبيضُ الملح الصخري. عبقٌ لاذعٌ ومنعشٌ يمتزج في الهواء، يلفّ الأجساد بوشاحٍ من الأصالة والتاريخ.

كان أحمد، شابٌ في مقتبل العمر، يعمل بجدٍ في دكانه الصغير، دكانٌ توارثه عن أبيه عن جده. لم يكن مجرد محلٍ لبيع الأعشاب والتوابل، بل كان معبدًا للروائح والألوان، حيث يلتقي البشر لتبادل همومهم وأفراحهم، ولشراء ما يعينهم على الحياة.

اليوم، كان أحمد يشعر بقلقٍ غريب. لم يكن قلقًا من قلة الزبائن، فالرزق بيد الله، بل كان قلقًا من خبرٍ وصله بالأمس. خبرٌ عن عودة غائبٍ طال انتظاره، خبرٌ عن رجلٍ يحمل في طياته قصصًا ماضية، قصصًا تلامس حياة أحمد بشكلٍ مباشر.

"يا أحمد، هل سمعت بالخبر؟" صاح الحاج "أبو علي"، وهو رجلٌ طاعنٌ في السن، يمتلك دكانًا مجاورًا لأحمد، اشتهر بحكمته وطيبته. ابتسم أحمد وهو يضع في كيسٍ صغيرٍ بعض الهيل المطحون. "خبرٌ عن عودة السيد 'خالد'؟ نعم، سمعت. مباركٌ لهم." "مباركٌ لنا جميعًا، يا بني. عودته تعني الكثير. ربما تعني نهايةٌ لبعض الهموم، وبدايةٌ لأملٍ جديد." قال الحاج أبو علي، وهو يتكئ على عصاه.

كان السيد خالد رجلًا ذا مكانةٍ مرموقة في المدينة. كان تاجرًا ناجحًا، وبانيًا للمستقبل، وكان قد اختفى فجأةً قبل سنواتٍ طويلة، تاركًا وراءه زوجةً وابنًا وحيدًا، هما "سارة" وابنها "عمر". اختفى السيد خالد في ظروفٍ غامضة، لم تفك طلاسمها الأيام، وظل غيابه شبحًا يلقي بظلاله على حياة أسرته.

كان أحمد يعرف عائلة السيد خالد جيدًا. كانت والدته، "فاطمة"، تعمل كخادمةٍ في منزلهم قبل أن تتزوج من أبيه. وكانت تربطها بـ "سارة"، زوجة السيد خالد، علاقةٌ وثيقة، كأنهما أختان. كان أحمد يتذكر بوضوحٍ كم كانت والدته تبكي حزنًا على غياب السيد خالد، وكم كانت تحزن على حال "سارة" وابنها "عمر".

"أتمنى حقًا أن يعود كل شيءٍ إلى طبيعته، يا حاج. افتقدنا روح العائلة التي كانت تجمعنا." قال أحمد، وعيناه تحملان شيئًا من الحنين. "وهل تدرك يا أحمد، أن عودة السيد خالد قد تعني شيئًا أكثر من مجرد لم شمل عائلي؟" قال الحاج أبو علي، وهو يرمق أحمد بنظرةٍ تحمل سرًا.

عبس أحمد. "ماذا تقصد يا حاج؟" "قصدت أن بعض الأقدار قد تتشابك من جديد. وأن بعض النفوس قد تجد الطريق إلى بعضها البعض." أجاب الحاج أبو علي، وهو يبتسم ابتسامةً غامضة.

لم يفهم أحمد كلام الحاج أبو علي تمامًا، لكنه شعر بأن هناك شيئًا أعمق مما يبدو. كان يعلم أن قصة اختفاء السيد خالد لم تكن مجرد حادثٍ عارض. كانت هناك أسرارٌ دفنت في أعماق الماضي، أسرارٌ قد تنكشف الآن مع عودة الرجل.

وفجأة، توقف رجلٌ غريب أمام دكان أحمد. كان الرجل يرتدي ثيابًا أنيقة، لكن وجهه كان يحمل علامات الإرهاق والتعب. كان ينظر حوله بعينين زائغتين، وكأنه يبحث عن شيءٍ مفقود.

"هل أنت أحمد؟ ابن فاطمة؟" سأل الرجل بصوتٍ أجش. أومأ أحمد برأسه. "نعم، أنا هو. بمن تشرفت؟" "أنا 'جمال'. صديقٌ قديمٌ لوالدك. ووالدتك." قال الرجل، وعيناه اتجهت نحو الحاج أبو علي، بنظرةٍ فيها شيءٌ من التحدي.

شعر أحمد بوخزةٍ من الفضول. لم يسمع قط عن صديقٍ لوالديه اسمه "جمال". والدته، فاطمة، كانت امرأةً بسيطة، لم يكن لها سوى دائرةٍ ضيقة من المعارف.

"لم أسمع عنك من قبل." قال أحمد بصراحة. ضحك جمال ضحكةً قصيرة، خالية من المرح. "ربما لأنني كنت بعيدًا. بعيدًا جدًا. لكنني عدت الآن. وعدت لأستعيد ما لي."

ازداد قلق أحمد. "ما لك؟" "هذا سرٌ بيني وبين الماضي. لكن دعنا نتحدث يا أحمد. لدي لك شيئًا مهمًا." قال جمال، وهو يقترب أكثر.

نظر الحاج أبو علي إلى أحمد بحذر، ثم التفت إلى جمال. "من الواضح أن لك مصالح خاصة، يا سيد جمال. أحمد مشغولٌ بعمله، كما ترى." "أنا لست مشغولًا، يا حاج. تفضل يا سيد جمال." قال أحمد، محاولًا إظهار هدوءٍ لا يشعر به.

"شكرًا لك." قال جمال. ثم وضع يده في جيبه، وأخرج مظروفًا سميكًا. "هذا من أجلك. وربما من أجل والدتك. إنه شيءٌ قد يغير حياتكما."

فتح أحمد المظروف بحذر. كان بداخله نقودٌ كثيرة، ومستنداتٌ لا يفهمها. كانت هناك رسالةٌ بخطٍ غريب، ورسمٌ تخطيطيٌ لمكانٍ ما.

"ما هذا؟" سأل أحمد، وعيناه لا تصدق ما يرى. "هذا دليلٌ. دليلٌ على حق. حقٌ كان لآلِ محمد، وهم عائلتك." قال جمال. "عائلتي؟ ليس لدينا أي حقوقٍ معلقة." قال أحمد، وهو يشعر بالارتباك.

"كل شيءٍ له بدايةٌ ونهاية، يا أحمد. وبعض البدايات تكون في غياهب الماضي. لقد كان والدك رجلًا كريمًا، لكنه لم يكتشف كل الحقائق. ووالدتك... آه، فاطمة. كم كانت صالحة." قال جمال، وبدت في صوته نبرةٌ حزنٍ غامضة.

"ماذا تعرف عن أمي؟" سأل أحمد، وقد ارتفعت نبرته. "أعرف كل شيء. لقد عرفتها قبل أن تعرف والدك. بل ربما قبل أن تعرف هي نفسها ماذا تريد." قال جمال، وابتسامته أصبحت أكثر غرابة.

شعر أحمد بأن هناك شيئًا مريبًا في كلام جمال. بدا وكأن الرجل يعرف أسرارًا، أسرارًا شخصية جدًا. "لقد سألتك بماذا تشرفت، ولم تجب." قال أحمد بحدة. "اسمي جمال. جمال الدين. وأنا هنا لأعيد الحق إلى أصحابه. ولأستعيد ما كان لي." قال جمال، وعيناه تبرقان.

"وما الذي كان لك؟" سأل الحاج أبو علي، وقد تزايد اهتمامه. "كل شيءٍ بدأ في قصرٍ عظيم، قصرٍ يتوارث حكاياته الأجيال. قصرٌ يقف شامخًا حتى اليوم." قال جمال، ناظرًا إلى أحمد. "قصر؟ أي قصر؟" سأل أحمد. "قصر الحكماء."

ارتعش جسد أحمد. قصر الحكماء! لم يكن يعرف عنه سوى أنه قصرٌ قديمٌ جدًا، تابع لعائلةٍ عريقة. لكنه لم يكن يتخيل أن يكون له علاقةٌ بعائلته. "قصر الحكماء؟ هذا مستحيل. هذا قصرٌ لأسرةٍ مرموقة." قال أحمد.

"والآن، هل تدرك يا أحمد، لماذا جئت إليك؟" قال جمال، وهو يضع يده على كتف أحمد. "لقد عدت لأستعيد ما لي. ولن أدع أحدًا يقف في طريقي. وخاصةً أولئك الذين يظنون أنهم أصحاب الحق."

انسحب الحاج أبو علي خطوةً إلى الوراء، وهو يراقب المشهد بعينين مفتوحتين. كان يعلم أن عودة السيد خالد لم تكن سوى البداية، وأن هناك قصصًا أعمق تتكشف في هذا السوق الهادئ، قصصًا قد تغير مسار حياة الكثيرين.

نظر أحمد إلى المظروف في يده، ثم إلى جمال. شعر بأن عالمه قد انقلب رأسًا على عقب. هل كان هذا كله حقيقيًا؟ هل حقًا أن هناك ماضيًا غامضًا يربطه بقصر الحكماء؟

"سنلتقي مرةً أخرى، يا أحمد. عندما تكون مستعدًا لفهم الحقيقة كاملة." قال جمال، وهو يتجه نحو الخارج، تاركًا أحمد غارقًا في حيرةٍ عميقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%