حب الأبطال الجزء الثالث
صدى السنين في بيت الورد
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات المساء العليلة تحمل معها عبق الورد المتفتح في حديقة "بيت الورد". بيتٌ ذو سياجٍ أبيض، تتسلق عليه أغصان الياسمين المتشابكة، وتتزين نوافذه بزخارفٍ تراثيةٍ دقيقة. كانت "سارة"، أرملة السيد خالد، تجلس على إحدى المقاعد الخشبية في الحديقة، ويديها تحتضنان كوبًا من الشاي الساخن، بينما عيناها تتأملان أفقًا بعيدًا، كأنها تبحث عن أثرٍ لزمنٍ مضى.
اليوم كان يومًا مميزًا. يومٌ حمل معه بشائر الخير، وبشائر الذكريات. لقد عاد زوجها، خالد، بعد غيابٍ طويل، غيابٌ ترك فراغًا لا يمكن لأحدٍ أن يملأه. عاد الرجل الذي أحبته، الرجل الذي كانت تنتظره كل يوم.
"أمّي، هل أنتِ بخير؟" سأل صوتٌ شابٌ رقيق. التفتت سارة نحو ابنها، عمر، الذي كان يقف على بعد خطواتٍ منها، يحمل صينيةً عليها بعض البسكويت. كان عمر شابًا هادئًا، يحمل في عينيه بريق والده، وفي روحه حنان أمه.
ابتسمت سارة ابتسامةً خفيفة. "بخير يا بني. مجرد تفكيرٍ في الماضي." اقترب عمر وجلس بجوارها. "الماضي جميل، لكن الحاضر أجمل، أليس كذلك؟" "الحاضر أجمل بوجودك، يا عمري. وبوجود والدك." قالت سارة، وهي تضع يدها على يد ابنها.
تنهد عمر. "لقد كان غياب والدي صعبًا علينا جميعًا. لكنني سعيدٌ جدًا بعودته. أتمنى أن يعوضنا عن كل تلك السنوات." "سيُعوضنا الله، يا بني. وعد الله حق. لقد انتظرنا كثيرًا، والآن جاءت لحظة الفرج." قالت سارة، وعيناها تلألأت بالدموع.
كانت قصة اختفاء خالد مليئةً بالألغاز. سافر في رحلةٍ عملٍ ولم يعد. لم يكن هناك أي أثرٍ له، ولا أي دليلٍ على ما حدث. تساءلت سارة كثيرًا، وبكت كثيرًا، لكنها لم تفقد الأمل أبدًا. كانت تؤمن بأن زوجها حيٌ، وأن الله سيرده إليها.
"هل سيتحدث معك عن سبب غيابه؟" سأل عمر بفضول. "لا أعرف يا بني. قال لي إنه مر بظروفٍ صعبة، وأنه كان بحاجةٍ للوقت. لم يذكر تفاصيل. لكنني أثق به." قالت سارة.
كان عمر يشعر بأن هناك شيئًا لم يُقال. كان والده، خالد، يبدو متعبًا، بل منهكًا. وكان يحمل في عينيه نظرةً تحمل همومًا ثقيلة. لم يكن مجرد رجلٍ عاد من سفرٍ، بل كان رجلًا كأنه هرب من شيءٍ ما.
"أتمنى أن يكون بخير. أتمنى أن لا يكون لديه أعداء." قال عمر، وشعوره بالقلق يتزايد. "لا تقلق يا بني. والدك رجلٌ قويٌ وحكيم. لقد تجاوز كل الصعاب. والآن، يجب أن نهتم بمستقبلنا." قالت سارة، محاولةً بث الطمأنينة في قلب ابنها.
فجأة، سمعوا صوت جرس الباب. تبادل عمر وسارة نظراتٍ متعجبة. من قد يأتي في هذا الوقت المتأخر؟
نهض عمر ليفتح الباب، بينما وقفت سارة خلفه، قلبها يخفق بقوة. وقف على الباب رجلٌ لا تعرفه سارة. كان يبدو غريبًا، لكنه حمل في عينيه نظرةً مألوفة.
"مساء الخير." قال الرجل بصوتٍ هادئ. "هل لي بمعرفة هل السيدة سارة، أرملة السيد خالد، موجودة؟" "أنا هي." قالت سارة، وقد ارتسمت علامات الاستفهام على وجهها. "أنا أحمد. ابن الحاجة فاطمة. أتيت لأتحدث معكِ في أمرٍ مهم." قال الرجل.
تذكرت سارة فورًا اسم "فاطمة". كانت فاطمة امرأةً طيبة، عملت لديها لسنوات. كانت قريبةً منها جدًا. لكنها لم ترَ ابنها أحمد من قبل.
"أحمد؟ أهلاً وسهلاً بك. تفضل بالدخول." قالت سارة، وقد اختفى بعض القلق وحل محله الفضول.
دخل أحمد، ومعه الحاج أبو علي الذي كان يرافقه. "مساء الخير يا سارة. لقد جئت لأتحدث معكِ باسم أحمد. هو لديه أمرٌ يخص والدتك، ولدينا أمرٌ يخص السيد خالد." قال الحاج أبو علي.
نظرت سارة إلى أحمد بانتباه. "أمرٌ يخص والدتي؟ وماذا تعرفون عنها؟" "نعرف أنها كانت امرأةً طيبةً وصالحة. ولدينا مستنداتٌ هامةٌ تخصها، تخص حقًا كان يجب أن يعود إليها." قال أحمد، وهو يضع مظروفًا على الطاولة.
فتحت سارة المظروف، وبدأت تقرأ. كانت هناك أوراقٌ غريبة، أسماءٌ لم تعرفها، ومبالغٌ ماليةٌ كبيرة. "ما هذا؟" سألت، وعيناها لا تصدق. "هذا حقٌ لكِ، ولعائلة والدتك. حقٌ كان يجب أن يُرد لكم قبل سنوات. لم يكن والدك، خالد، يعرف كل شيء. لكننا اكتشفنا ذلك الآن." قال أحمد.
"لكن... كيف؟ ومن أين لكم هذه المعلومات؟" سألت سارة. "قصةٌ طويلةٌ ومعقدة، يا سارة. تتعلق بأسرارٍ قديمة، وبأشخاصٍ قد لا تتذكرهم." قال الحاج أبو علي.
ثم التفت أحمد إلى سارة. "ولدينا أيضًا أمرٌ يخص زوجك. لقد عاد السيد خالد، ولكن عودته ليست كما تبدو. هناك من يحاول إخفاء الحقيقة وراء اختفائه."
شهقت سارة. "ماذا تقول؟ هل تقصد أن اختفاء زوجي لم يكن حادثًا؟" "لا، لم يكن حادثًا. وكان هناك من يخطط لذلك. ونحن نعتقد أن هذا الشخص لا يزال موجودًا، ويحاول الآن تعطيل عودة السيد خالد بشكلٍ كامل." قال أحمد.
"لكن من؟ ومن هذا الشخص؟" سألت سارة، وقد بدأ الخوف يتملكها. "هذا ما نحاول معرفته. لكننا نعتقد أن الأمر مرتبطٌ بشخصٍ له نفوذ، وشخصٍ يعرف الكثير عن السيد خالد." قال أحمد.
"هل لديكم أدلة؟" سألت سارة. "لدينا بعض الأدلة. وبعض الشهادات. لكننا نحتاج إلى مساعدتك. نحتاج إلى أن تخبرينا عن أي شيءٍ قد يكون غريبًا في تصرفات السيد خالد قبل سفره." قال أحمد.
فكرت سارة. "قبل سفره؟ كان يبدو قلقًا بعض الشيء. كان يتلقى اتصالاتٍ غامضة. لكنه لم يخبرني شيئًا. كان يقول إنها أمورٌ تخص العمل." "اتصالاتٌ غامضة؟ هل تتذكرين أي تفاصيل؟ أرقام؟ أسماء؟" سأل أحمد بلهفة.
"لا أتذكر الأسماء. ربما بعض الأرقام، لكنني لا أضمن صحتها. فقد مضت سنواتٌ طويلة." قالت سارة.
"كل معلومةٍ مهمة، يا سارة. كل معلومةٍ قد تقودنا إلى الحقيقة." قال أحمد.
فجأة، دخل عمر إلى غرفة الجلوس. كان قد سمع جزءًا من الحديث. "أمّي، ما الذي يحدث؟ هل أنتم تتحدثون عن والدي؟" سأل عمر. "نعم يا بني. هناك من يريد أن يساعدنا في كشف حقيقة اختفاء والدك." قالت سارة.
نظر عمر إلى أحمد والحاج أبو علي. "هل أنتم من يساعد والدي؟" "نحن نحاول، يا بني. لكننا نحتاج إلى تعاون الجميع." قال الحاج أبو علي.
"أنا مستعدٌ للمساعدة بأي شكلٍ ممكن. والدي هو كل شيءٍ بالنسبة لي." قال عمر بصدق.
ابتسم أحمد. "شكرًا لك يا عمر. سنكون فريقًا واحدًا. فريقٌ يسعى للحق والعدل."
نظرت سارة إلى أحمد، ثم إلى الحاج أبو علي، ثم إلى ابنها عمر. شعرت بأن هناك نورًا يتسلل إلى ظلام سنوات الغياب. شعرت بأن هناك من يحاول مساعدتها، ليس فقط لاستعادة زوجها، بل لاستعادة الحقوق المنسية.
لكنها لم تكن تعلم أن هذه البداية ستفتح عليها أبوابًا لم تكن تتخيلها، أبوابًا تحمل في طياتها أسرارًا عميقة، وأشخاصًا لا تعرفهم، وصراعاتٍ لم تكن مستعدةً لها.