حب الأبطال الجزء الثالث

قيود الشهوة

بقلم ليلى الأحمد

كان الليل قد ألقى بظلاله على مدينة الرياض، مخترقاً نافذة غرفة يوسف بخفوت، ليلامس وجهه النائم ببرودة خفيفة. لم يكن نومه هانئاً، بل كان أشبه بسلسلة من الأحلام المتقطعة، تتداخل فيها صورٌ مشوشةٌ لوجه ليلى، وابتسامتها التي تشتعل كشعلةٍ في عتمة روحه، وصوتها الذي يعزف لحناً لا يفهمه إلا قلبه. استيقظ مفزوعاً، وعرقٌ باردٌ يتصبب من جبينه. مد يده إلى الطاولة المجاورة لسريره، حيث يعيش رفيقه الصامت، ذلك العطر الذي بات يمثل له أكثر من مجرد رائحة.

لقد أصبح الأمر عادةً، بل إدماناً. في غيابه عن ليلى، أو في أي لحظةٍ شعر فيها بالوحشة تنهش روحه، كان يلجأ إلى هذا العطر. عبقٌ لازوردي، خفيفٌ في الظاهر، لكنه يحمل في طياته سحراً لا يقاوم، قوةً خفيةً تأخذه بعيداً عن واقعه. لم يكن يعلم متى بدأ هذا التعلق، لكنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من طقوسه اليومية، بل الليلية. كان يخشى أن يكتشف أحدهم هذا السر، أن يدرك مدى هشاشته وضعفه أمام هذه الرائحة التي تربطه بليلى، لكن بطريقةٍ غريبةٍ ومشوهة.

نهض يوسف من سريره، ودخل إلى الحمام. أغلق الباب خلفه، وتوجه نحو المرآة. نظر إلى انعكاسه، فرأى شاباً في مقتبل العمر، تحيط بعينيه هالاتٌ سوداءُ من قلة النوم، وعلى وجهه أثرُ حزنٍ عميقٍ لم يستطع الوقت محوه. لقد تغير يوسف كثيراً منذ لقائه الأول بليلى. كان شاباً طموحاً، مفعماً بالحياة، لديه أحلامٌ كبيرةٌ يخطط لتحقيقها. لكن بعد أن أدرك استحالة حلمه بحب ليلى، وبسبب الارتباط المعقد بينها وبين طارق، شعر بأن شيئاً ما قد انطفأ في داخله.

فتح علبة العطر، وأخذ رشةً خفيفةً على معصميه. أغمض عينيه، واستنشق بعمق. عادت صور ليلى تتراقص أمام عينيه، لكن هذه المرة كانت أقل إيلاماً. بدا الأمر وكأن العطر يشكل جسراً خفياً بينه وبينها، جسراً يمر عبره الأمل، والألم، والحنين. تذكر لقاءهما الأول في مكتبة الجامعة، كيف تعثرت كلماته أمام حسنها، وكيف استقر قلبها المتيم في مكانه، وكيف بدأت حكايتهما، حكايةً لم تكتمل فصولها بعد.

لكن هذا الإدمان، هل كان فقط للعطر؟ أم كان إدماناً لشعورٍ معينٍ يستحضره هذا العطر؟ شعورٌ بالحب، بالاهتمام، بالانتماء. هل كان يوسف، في غيابه عن أي تفاعلٍ حقيقيٍ مع ليلى، يغذي هذه الرغبة في داخله، من خلال استدعاء ذكراها بطرقٍ غير مباشرة؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأسه كدائرةٍ مغلقة، تزيد من حيرته وقلقه.

في صباح اليوم التالي، ذهب يوسف إلى العمل. كان يعمل في شركةٍ ناشئةٍ للتكنولوجيا، وكان دوره مهماً في تطوير أحد المشاريع. كان ذكياً، مجتهداً، ومخلصاً لعمله. لكن منذ فترةٍ، بدأت إنتاجيته تتراجع. كان يجد صعوبةً في التركيز، وكان يتغيب عن بعض الاجتماعات الهامة. زملاؤه لاحظوا هذا التغيير، وبدأوا يتحدثون فيما بينهم.

"هل لاحظتم كيف أصبح يوسف؟" سألت سارة، زميلته في القسم، صديقتها فاطمة. "لم يعد هو نفسه. يبدو شارد الذهن دائماً."

أجابت فاطمة، وهي تنظر إلى يوسف الذي كان جالساً على مكتبه، يحدق في شاشة الحاسوب دون أن يرى شيئاً: "نعم، لاحظت ذلك. لقد فقد بريقه. أتمنى أن يكون بخير. ربما لديه مشكلةٌ شخصية."

في خضم انشغاله بأفكاره، لم ينتبه يوسف إلى أن طارق، رئيسه المباشر، يقف أمامه.

"يوسف، هل أنت معي؟" قال طارق بصوتٍ حاد.

انتفض يوسف، وعاد إلى الواقع. "آه، نعم، يا سيدي. تفضل."

نظر طارق إليه بتمعن. كان يعلم أن يوسف شابٌ موهوب، وأن تراجعه هذا ليس من طبيعته. "يوسف، لقد لاحظت أن أداءك ليس كما كان. هل هناك ما يقلقك؟ هل تحتاج إلى أي مساعدة؟"

تردد يوسف للحظة. هل يجب أن يخبر طارق عن حبه لليلى؟ عن الصراع الداخلي الذي يعيشه؟ لكنه تذكر أن طارق هو زوج ليلى. كان ذلك مستحيلاً.

"لا، يا سيدي. لا شيء. أنا بخير." أجاب يوسف، محاولاً أن يبدو واثقاً.

لكن طارق لم يقتنع. كان يرى في عين يوسف شيئاً أكبر من مجرد إرهاق. "يوسف، الصراحة مفتاح الحل. إذا كنت تواجه مشكلةً، يمكننا إيجاد حلٍ لها. شركتنا تهتم بموظفيها."

في تلك اللحظة، شعر يوسف برغبةٍ ملحةٍ في البوح. لكنه كبحها. كان يعلم أن ما يشعر به هو ضعف، وليس قوة. كان عليه أن يتجاوز هذه الحالة، وأن يستعيد زمام أمره.

"شكراً لك، يا سيدي. حقاً. أنا فقط أحتاج إلى بعض الوقت لأعيد ترتيب أفكاري." قال يوسف، وهو يحاول أن يبتسم.

غادر طارق مكتب يوسف، وهو لا يزال يشعر بالقلق. كان يشك أن الأمر قد يتعلق بشيءٍ أعمق.

بينما كان يوسف منهمكاً في محاولة استعادة تركيزه، رن هاتفه. رأى اسم ليلى يضيء على الشاشة. تجمد قلبه. هل كانت تتصل به؟ لماذا؟

أجاب متردداً: "ألو؟"

"يوسف؟ هل تسمعني؟" كان صوت ليلى قلقاً.

"نعم، أسمعك. هل كل شيء على ما يرام؟"

"أنا... أنا في مشكلة. احتاج لمساعدتك."

شعر يوسف بأن دمه قد تجمد في عروقه. "ماذا حدث؟"

"لقد... لقد تعرضت لابتزاز. شخصٌ لديه صورٌ لنا... لنا سوياً. يطلب مني مبلغاً كبيراً من المال، وإلا سينشرها."

صدم يوسف. صورٌ لهما؟ متى؟ ولماذا؟ كان يشعر بالدوار. "صورٌ لنا؟ متى التقطت؟"

"لا أعرف! ربما عندما كنا في الجامعة، في إحدى الرحلات. لا أتذكر أي شيءٍ كهذا." كان صوتها يرتجف.

"اهدئي يا ليلى. أرجوكِ اهدئي. سنتجاوز هذا معاً. أخبريني بكل التفاصيل. من هو هذا الشخص؟ كيف يتواصل معك؟"

بدأت ليلى تحكي، وكلماتها تخرج متقطعة، مليئة بالخوف والارتباك. كان يوسف يستمع باهتمامٍ بالغ، لكن عقله كان يدور بسرعةٍ البرق. من يمكن أن يكون وراء هذا؟ ومن يملك هذه الصور؟

"لقد أرسل لي رابطاً لفحص الصور. يقول إن لديه المزيد. وهذا المبلغ... لا أملك هذا المبلغ. وطارق... لا أستطيع أن أخبر طارق بهذا. سيصاب بالجنون."

ازدادت حيرة يوسف. كانت ليلى تخفي أمراً عن زوجها. وكان هذا الأمر متعلقاً به. شعر بالذنب، وبالغضب.

"لا تقلقي يا ليلى. سأساعدك. سأجد حلاً." قال يوسف، محاولاً أن يطمئنها، لكن صوته كان يحمل نبرةً من القلق العميق.

أغلقت ليلى الخط، تاركةً يوسف في دوامةٍ من المشاعر. كان يعلم أن هذا هو الوقت المناسب. الوقت الذي يجب أن يتدخل فيه. الوقت الذي يجب أن يحمي فيه ليلى، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة ماضيه، وماضيهما المشترك. لكن كيف؟ ومن هو هذا المبتز؟

في تلك اللحظة، وبينما كان عقله يعمل بأقصى طاقته، استنشق يوسف عبق العطر الأزرق الذي كان لا يزال على معصمه. لم يعد الأمر يتعلق بالراحة، بل أصبح مرتبطاً بالأمل، بالخطر، وبمصير ليلى. لقد دخل إلى معركةٍ جديدة، معركةٌ أكبر بكثير من مجرد صراعٍ داخلي. معركةٌ قد تكشف أسراراً مدفونة، وتضع حداً لإدمانه، أو تزيد من ورطته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%