حب الأبطال الجزء الثالث
وهم الحب
بقلم ليلى الأحمد
استقبل يوسف خبر ليلى كصاعقةٍ ضربت سماء حياته الهادئة، وإن كانت هادئةً بالمعنى النسبي، فقد كانت تعصف بها أمواجٌ خفيةٌ من الحنين والصراع. انقبض قلبه، وتشتت تركيزه تماماً. صورٌ مختلطةٌ لابتسامة ليلى، ودموعها، وخوفها، بدأت تتناوب في ذهنه. كانت كلماتها الأخيرة، "لا أستطيع أن أخبر طارق بهذا"، ترن في أذنيه كصدىً مؤلم. لقد أدرك يوسف حينها أن ما كان يشعر به تجاه ليلى لم يكن مجرد حبٍ صامتٍ أو إعجابٍ سطحي، بل كان عميقاً، عميقاً جداً، لدرجة أنه كان مستعداً للتضحية بكل شيءٍ من أجل راحتها.
عاد إلى مكتبه، وجلس على كرسيه، لكنه لم يعد يرى شاشة الحاسوب. كانت الصور التي تظهر أمامه هي صورٌ مشتركةٌ له مع ليلى، صورٌ قديمةٌ، ربما من أيام الجامعة، ذكرياتٌ تبدو الآن وكأنها تنتمي إلى حياةٍ أخرى. كيف يمكن أن يملك أحدهم هذه الصور؟ ومن هو هذا الشخص الذي يهدد ليلى، ويهدد استقرار حياتها الزوجية؟
"هل الأمر يتعلق بي؟" سأل نفسه بصوتٍ خفيض. "هل هناك من يحاول إيذائي عن طريق ليلى؟"
شعر بوخزةٍ من الخوف. حياته لم تكن بسيطةً كما كان يظن. كان لديه أعداءٌ محتملون في عالم الأعمال، لكن أن تصل الأمور إلى هذا الحد، وأن يتم استهداف ليلى، كان شيئاً لم يكن يتوقعه أبداً.
"يجب أن أجد طريقةً لأساعدها دون أن أجعل الأمور أسوأ." قال يوسف لنفسه. لقد كان يعلم أن علاقة ليلى بزوجها طارق معقدة. كان طارق رجلاً ذا سلطةٍ ونفوذ، لكنه كان أيضاً غيوراً، ومتملكاً. لو عرف أن هناك صوراً لليلى مع رجلٍ آخر، حتى لو كانت ذكرياتٍ قديمة، قد ينفجر غضباً.
قرر يوسف أن يجمع المعلومات بهدوء. لم يكن لديه أدنى فكرةٍ عن هوية المبتز، أو عن كيفية وصوله إلى هذه الصور. بدأ بالبحث عن أي رسائلٍ أو روابط قد تكون ليلى قد تلقتها. اتصل بها مرةً أخرى، محاولاً أن يبدو هادئاً قدر الإمكان.
"ليلى، هل يمكنكِ إرسال لي رابط فحص الصور، وأي تفاصيل أخرى لديكِ؟ سأحاول أن أرى إن كان بإمكاني تتبع مصدرها."
"يوسف... أنت متأكد؟ لا أريد أن أورطك في مشكلة."
"لا تقلقي. أنا أفعل هذا من أجلك. نحن أصدقاء، أليس كذلك؟"
بعد ترددٍ قصير، أرسلت ليلى المعلومات. كان الرابط إلى موقعٍ مشبوه، ومليء بالإعلانات الخبيثة. بينما كان يوسف يتصفح الموقع، شعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. كان من الواضح أن هذا الموقع يستخدم كواجهةٍ لعمليات الاحتيال.
لكن ما لفت انتباهه هو تعليقٌ غريبٌ كتبه أحد المستخدمين تحت إحدى الصفحات. كان التعليق يتحدث عن "استعادة الحقوق المسلوبة" و"العدالة التي تأتي متأخرة". بدا التعليق مشفراً، لكن يوسف شعر بأنه قد يحمل مفتاحاً.
"من الذي قد يستعيد حقوقه؟" سأل نفسه. هل كان الأمر متعلقاً بصفقةٍ فاشلة، أو بخلافٍ قديمٍ له علاقةٌ بالجامعة؟
عاد يوسف بذاكرته إلى الوراء، إلى أيام الجامعة. كانت تلك الأيام مليئةً بالأحلام، والطموحات، والمنافسات. هل كان هناك أحدٌ شعر بأن له حقاً ضائعاً؟
ثم تذكر. تذكر زميلاً له، يدعى سامر، كان منافساً قوياً له في بعض المشاريع، وكان دائماً يشعر بالغيرة من نجاح يوسف. سامر كان قد اختفى من حياته فجأةً بعد تخرجه، ولم يسمع عنه شيئاً منذ ذلك الحين. هل يمكن أن يكون سامر وراء هذه الحادثة؟
كانت فكرةً مرعبة، لكنها لم تكن مستبعدة. سامر كان يعرف ليلى جيداً، وكان قد أبدى إعجابه بها في بعض المناسبات. قد يكون لديه دافعٌ للانتقام، أو لأخذ ما يعتقد أنه يستحقه.
بدأ يوسف يشعر ببعض الوضوح. لقد بدأ الإدمان يتبدد تدريجياً، ليحل محله شعورٌ بالمسؤولية، وبالرغبة في الحماية. لم يعد الأمر يتعلق بالهروب إلى عالمٍ وهمي، بل أصبح متعلقاً بمواجهة واقعٍ خطير.
في تلك الأثناء، كان طارق في مكتبه، يراجع بعض التقارير. كان يشعر بضيقٍ في صدره، لا يعرف سببه. منذ فترةٍ، كان يشعر بأن هناك شيئاً ما يتغير في ليلى. كانت تبدو متوترةً، ومنعزلةً.
"هل هناك ما تخفيه عني؟" سأل نفسه. لم يكن هذا السؤال غريباً بالنسبة له. دائماً ما كان يشعر بأن ليلى تخفي عنه جزءاً من شخصيتها، جزءاً لم يكشفه له أبداً.
تذكر الأيام التي بدأت فيها علاقته بليلى. كان معجباً بجمالها، بذكائها، بشخصيتها القوية. لكن بعد الزواج، بدأت الأمور تتغير. شعر بأن ليلى بدأت تبتعد عنه، وأن هناك أسراراً بدأت تتراكم بينهما.
"ربما أكون أنا السبب." فكر طارق. "ربما أكون قد ضغطت عليها كثيراً، أو لم أعطها المساحة التي تحتاجها."
قرر طارق أن يغير أسلوبه. أراد أن يستعيد دفء العلاقة بينهما، وأن يبني جسراً من الثقة.
بينما كان يفكر في ذلك، دخل عليه مساعده. "سيدي، هناك مكالمةٌ عاجلة من قسم الأمن."
شعر طارق بقلقٍ مفاجئ. "ما الأمر؟"
"هناك بلاغٌ عن اختراقٍ لأنظمة الشركة، وسرقة بعض الملفات الحساسة."
شعر طارق بأن قلبه يهبط. اختراق؟ ملفات حساسة؟ هل يمكن أن يكون الأمر متعلقاً بعمل يوسف؟ كان يوسف هو المسؤول عن العديد من المشاريع الهامة.
"أريد كل التفاصيل. من المسؤول؟ كيف حدث هذا؟"
وبينما كان طارق غارقاً في تفاصيل الاختراق، كان يوسف يتصل بسامر. كان عليه أن يتأكد من شكوكه.
"ألو، سامر؟ هل أتذكرني؟ أنا يوسف."
بعد صمتٍ قصير، سمع يوسف صوتاً بارداً: "يوسف؟ ما الذي تريده؟"
"كنت أتصل لأطمئن عليك. لم أسمع عنك منذ فترة."
"أنا بخير. والآن، ماذا تريد حقاً؟"
"سمعت أنك مررت ببعض المشاكل مؤخراً. وأردت أن أرى إن كان بإمكاني المساعدة."
ضحك سامر بسخرية. "المساعدة؟ منك أنت؟"
"نعم. إذا كنت أنت وراء هذه الصور، فأرجوك، توقف. ليلى لا تستحق كل هذا."
ساد الصمت مرةً أخرى، لكنه كان هذه المرة أكثر كثافة. ثم قال سامر بصوتٍ يكاد يكون همساً: "إذن، لقد عرفت. جيد. لكنك مخطئ، يا يوسف. الأمر ليس مجرد صور. الأمر يتعلق بالعدالة."
"أي عدالة تتحدث عنها؟" سأل يوسف، وشعر بأن حلقه قد جف.
"عدالةٌ تأخذ ما لها. سأخبرك كل شيءٍ في الوقت المناسب. لكن تذكر، أنت أيضاً لديك ما تخفيه."
أنهى سامر المكالمة، تاركاً يوسف في حالةٍ من الذهول. لقد تأكدت شكوكه. سامر هو المبتز. لكن ما الذي كان يقصده بـ "أنت أيضاً لديك ما تخفيه"؟
شعر يوسف بأن شبكةً من الأسرار والمؤامرات بدأت تتشابك حوله. لقد كان يظن أنه يهرب من واقعٍ أليم، لكنه وجد نفسه وسط معركةٍ قاسية، معركةٌ قد تكشف أسراره، وتدمر حياته، وحياة من يحب.