حب في زمن الحرب الجزء الثاني

وشوشة الغبار وهمس النار

بقلم فاطمة النجار

كان الغبار هو الرفيق الأبدي، يتسلل عبر مسام الثياب، يختنق به الهواء، ويلتهم كل لون إلا لون الرمل المترب. في ذلك المساء، حيث امتدت سماء الصحراء بلونٍ يجمع بين الدماء المستنزفة والشفق المتلاشي، وقفت "ليلى" عند حافة الخيمة، وقلبها يخفق بإيقاعٍ محموم، ليس خوفاً من هدير الرصاص البعيد الذي اعتاد أذناها على صدقه، بل من حقيقةٍ قادمة، تحمل في طياتها وجهاً لم ترَ منه سوى بقايا ذكرى.

كانت يداها، اللتان اعتادتا مداواة جراح الأجساد، ترتجفان قليلاً وهي تمسك بقارورةٍ صغيرة من الماء، ترش منها قطراتٍ قليلة على وجهها الشاحب، الذي غلفه لون التراب. كانت في أواخر العشرينيات، لكن عينيها تحملان عمق السنين، عمق ما رأته وما فقدته. لم تكن مجرد طبيبة في منطقةٍ نائيةٍ تعصف بها الحرب، بل كانت روحاً تحاول جاهدةً أن تبث الحياة في جسدٍ منهك.

"ليلى" .. اسمٌ لطالما ارتبط بالأمل في تلك البقاع المنكوبة. اسمها نفسه كان يحمل شيئاً من الهدوء والسكينة، لكن واقعها كان صاخباً، مليئاً بالضجيج، وصرخات الألم، وصوت الفقد. قبل ثلاث سنوات، عندما اشتعلت الحرب، فقدت عائلتها في هجومٍ غادر. لم يبقَ لها سوى عمها العجوز، الذي كان يمثل بالنسبة لها شجرةَ الأجداد الراسخة، رغم ضعف أغصانها.

كان صوت عمها، "أبو صالح"، يخترق هدير الريح، يناديها باسمها بنبرةٍ تحمل قلقاً مكتوماً: "ليلى! هل انتهيتِ من تفقد الجرحى؟ الليلة يبدو الصمت مقلقاً أكثر من الضجيج."

استدارت ليلى، ورسمت على شفتيها ابتسامةً باهتة، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله قوياً: "كله تحت السيطرة يا عمي. فقط بعض الإصابات الطفيفة. الناس منهكون، يحتاجون للراحة."

وصلت إليه، وكانت يداها تلامسان ذراعه المرتعشة، وهو يرتكز على عصاه. كان وجهه خريطةً للتعب، ورغم ذلك، كانت عيناه تحملان بريقاً لا ينطفئ، بريق الإيمان والصبر.

"الصمت مخيف يا ابنتي. وكأن الأرض تلتقط أنفاسها قبل عاصفةٍ جديدة." قال أبو صالح، ثم استنشق نفساً عميقاً، محاولاً أن يطرد ذلك الشعور بالضيق الذي كان يعتري صدره. "أتذكرين يا ليلى، حينما كنتِ صغيرة، وكنا نجلس هنا في الليل، وحديثكِ لا ينتهي عن أحلامكِ بمستقبلٍ مشرق، وببيتٍ صغيرٍ مليءٍ بضحكات الأطفال؟"

تنهدت ليلى، وسندت رأسها على كتفه. "أذكر يا عمي. كانت تلك الأيام تبدو بعيدةً جداً عن هذا الواقع. لكنني ما زلت أحلم. الأحلام هي التي تبقي الروح حيةً حينما يخفت نور الأمل."

فجأة، انقطع حديثهما بصوتٍ عالٍ، صوت بابٍ يُفتح بعنفٍ، أعقبه صوت خطواتٍ سريعةٍ تقترب. كان "خالد"، ابن عمها، الذي يعمل معها في المركز الطبي. كان دائماً مصدر قلقها، بشجاعته المتهورة، وحماسه الذي لا يعرف الحدود.

"ليلى! عمي!" صاح خالد وهو يدخل الخيمة، يلهث. كان وجهه مغطىً بالعرق، وعيناه تلمعان بتوترٍ غريب. "وصلتني أخبارٌ من حرس الحدود. قافلةٌ قادمةٌ من المدينة. فيها ... فيها أناسٌ مهمون."

شعر قلب ليلى بتسارعٍ إضافي. "أناسٌ مهمون؟ من تقصد؟"

"لا أعرف التفاصيل الدقيقة. لكن هناك إشارةٌ خاصة. ويبدو أنهم قادمون إلينا. ربما للزيارة، أو ... أو ربما لشيءٍ آخر." قال خالد، وعينيه تلتقيان بعيني ليلى، تحملان سؤالاً مبطناً، وجواباً صعباً.

توقفت ليلى للحظة، تنظر إلى الصحراء الممتدة، كأنها تبحث فيها عن إجابات. "أناسٌ مهمون؟ في هذا الوقت؟"

"نعم. وهذا ليس كل شيء." أضاف خالد، ونبرته تعمقت. "يقال إن من بينهم ... يقال إن من بينهم شخصٌ كان له علاقةٌ قديمةٌ بـ..."

لم يكمل خالد كلمته، لكن ليلى أدركت. أدركت أن الهمس الذي كانت تسمعه في ليالي السكون، عن شخصٍ اختفى، عن ماضٍ دفين، بدأ يتجسد أمامها. شخصٌ من الماضي، كان وما زال يمثل جزءاً من قصةٍ لم تنتهِ.

"من؟" سألت ليلى بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع.

"يقال إنه ... 'يوسف'."

صدم الاسم ليلى. يوسف. الرجل الذي ترك فراغاً عميقاً في قلبها، الرجل الذي لم تستطع نسيانه، رغم كل سنوات البعد والفقد. الرجل الذي كانت تعتبره حلماً طفولياً، وواقعاً لم تتحقق فرصة عيشه.

"يوسف؟" كررت ليلى، وصوتها يكاد يختنق. "هل أنت متأكد؟"

"هذه هي المعلومة المتوفرة. لكنهم سيصلون قريباً. ربما قبل الغروب." قال خالد، ولا يزال القلق بادياً على وجهه.

نظر أبو صالح إلى ليلى، ورأى في عينيها عاصفةً عاتية. "الحمد لله على كل حال. مهما كان، سنستقبل ضيوفنا بما يرضي الله."

لكن ليلى لم تكن تسمع. كانت قد استعادت شريط الذكريات، صورتها وهي طفلةٌ تلعب مع يوسف في ساحة بيتهم الكبير، صورته وهو يكبرها بسنواتٍ قليلة، وصوته وهو يعدها بأنه سيعود. عادت الأيام التي كانت فيها أحلامها مليئةً باسمه، قبل أن تختطفها الحرب وتبعثرها في دروب الشتات.

"علينا الاستعداد." قالت ليلى أخيراً، بصوتٍ استعاد قوته، لكنه كان يحمل ثقلاً جديداً. "علينا تجهيز المكان. وتوفير كل ما يحتاجونه."

لم تكن تعرف لماذا يوسف بالذات، ولماذا في هذا التوقيت بالذات. لكنها أدركت أن لقاءً قادماً، قد يغير مجرى حياتها، قد يعيد فتح جروحٍ قديمة، أو قد يشعل شعلةً جديدة.

وقفت ليلى، تنظر إلى الأفق، حيث كانت الشمس تشرع في رحلتها نحو المغيب، تاركةً وراءها وعداً بالظلام، وربما ... بلقاءٍ لم يكن في حسبانها. الغبار ما زال يتصاعد، ووشوشة الصحراء تحمل معها أصداء الماضي، وأشواق المستقبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%