حب في زمن الحرب الجزء الثاني

رحيلٌ مُعلّقٌ وعهدٌ مُجدّد

بقلم فاطمة النجار

كانت السماء فوق دمشق تلفظ آخر أنفاس يومٍ آخر، وترسم لوحاتٍ من الذهب والبنفسج على سماءٍ امتلأت بغبار الحرب. في بيتِ آلِ الشامي، حيثُ تتجاورُ رائحةُ الياسمينِ العتيقِ معَ عبقِ البخورِ الشرقي، جلستْ زينبُ، وقلبُها بحرٌ هائجٌ بينَ الماضي والحاضر. لم يكن قرارُ سفرِ والدها للسعوديةِ لزيارةِ عمّها المريضِ بالأمرِ الهيّن. إنهُ انفصالٌ ولو كانَ مؤقتًا، عنْ وطنهِ، عنْ جذورهِ، وعنْ هند.

ارتدتْ زينبُ حجابَها القطنيَّ الناعم، ولونتْ شفتيها بلمسةِ أحمرِ شفاهٍ باهتة، كأنها تخشى أنْ تُظهرَ لنفسها مدى حزنها. وقفتْ أمامَ المرآة، تتأملُ وجهَها الشاحبَ قليلاً، وعينيها اللتينِ تحملانِ ثقلَ عالمٍ بأكمله. كانَ عليها أنْ تكونَ قوية. لأجلِ والدتها، لأجلِ أختها الصغرى سارة، ولأجلِ هند.

"هل أنتِ مستعدةٌ يا زينب؟" جاءَ صوتُ والدتها العذبِ منْ خلفِها، يحملُ في طياتهِ قلقًا مبطّنًا.

التفتتْ زينبُ، وابتسمتْ ابتسامةً وإنْ كانتْ مصطنعةً، لكنها تحملُ دفئًا حقيقيًا. "نعم يا أمي. كلُّ شيءٍ جاهز."

كانتْ الأمتعةُ قدْ جُمعتْ، والهدايا قدْ جهزتْ. كانَ الرحيلُ قدرًا لا مفرَّ منه. لكنْ، ما كانَ يُثقلُ كاهلَ زينبَ أكثرَ منْ مجردِ السفر، هوَ ذلكَ الشعورُ بالانفصالِ عنْ هند. لقاءُ الأمسِ كانَ قصيرًا، مليئًا بالكلماتِ غيرِ المنطوقة، والنظراتِ التي تتحدثُ بلغةٍ أعمق.

"أتذكرينَ ما قالهُ عمي سعيدٌ عنْ هند؟" سألتْ والدتها، وجلستْ بجانبها على طرفِ السرير. "قالَ إنها فتاةٌ طيبة، وأنَّ والدها رجلٌ صالح. وهذا خيرُ دليلٍ على حسنِ اختيارِك."

توردتْ وجنتا زينبَ قليلاً، وأومأتْ برأسها. "نعم يا أمي. هندٌ حقًا نعمَ الصديقة، ونعمَ الرفيقة." كانتْ كلمةُ "رفيقة" تخرجُ منها ببطءٍ، تحملُ معها ترقبًا وشوقًا لمستقبلٍ تتشاركُ فيهِ حياتها معَ هند.

لم يكنْ حبُّ زينبَ لهندٍ حبًا عابرًا. لقدْ نما وتجذّرَ في قلبها كشجرةِ زيتونٍ عتيقة، تحملُ أوراقَها خضراءَ في كلِّ الفصول. كانَ حبًا قائمًا على الاحترامِ المتبادل، والإعجابِ بالجوهرِ الأصيل، والالتزامِ بالقيمِ الإسلاميةِ السامية. لم يكنْ مجردَ افتتانٍ ظاهري، بلْ كانَ توافقًا روحيًا قلَّما تجدهُ في هذا الزمان.

في ذلكَ المساء، لم تستطعْ زينبُ النومَ. كانتْ تتذكرُ كلَّ تفاصيلِ لقائها الأخيرِ معَ هند. جلسا في حديقةِ منزلِهم، تحتَ ضوءِ القمرِ الفضي، والشمسُ قدْ غابتْ تاركةً وراءها سكونًا جميلًا. تحدثا عنْ أحلامهما، عنْ مخاوفهما، وعنْ مستقبلهما.

"لا تقلقي يا زينب،" قالتْ هندٌ حينها، وكانتْ عيناها تلمعانِ في الظلام. "سأكونُ بانتظاركِ. وكلُّ ما وعدتُكِ بهِ، سيبقى عهدًا بيننا. حتى وإنْ طالَ السفر، فالقلوبُ لا تعرفُ المسافات."

شعرتْ زينبُ بمدى صدقِ هندٍ في كلماتها. لقدْ استوطنتْ روحَها، ونسجتْ حولَها خيوطَ الأمانِ والدفء. كانتْ هندٌ بمثابةِ الواحةِ التي تلجأُ إليها بعدَ عناءِ يومٍ طويلٍ منْ قسوةِ الحربِ وتبعاتها.

"ولكنْ، ماذا لوْ طالَ الغياب؟" تساءلتْ زينبُ بصوتٍ مختنقٍ. "ماذا لوْ تعثرتْ الظروف؟"

أمسكتْ هندٌ بيديها برفقٍ، وضمتهما إلى صدرها. "ثقي باللهِ يا زينب، وثقي بقلوبنا. الحبُّ الذي يجمعنا، حبٌّ طاهرٌ، مبارك. لنْ يستطيعَ شيءٌ أنْ يفرّقنا."

وقفتْ زينبُ الآنَ على شرفةِ غرفتها، تستنشقُ هواءَ الليلِ البارد. تذكرتْ عبارةَ هندٍ: "القلوبُ لا تعرفُ المسافات." كمْ كانتْ هذهِ العبارةُ كبلسمٍ على جراحِ قلبها.

"ماذا تفعلينَ هنا يا حبيبتي؟" جاءَ صوتُ والدها الهادئ.

التفتتْ زينبُ، ورأتْ والدها يقفُ عندَ الباب، يحملُ في يديهِ كوبينِ منَ الشاي. ابتسمتْ لهُ، وأخذتْ منهُ كوبًا. "كنتُ أتأملُ السماءَ يا أبي. وأفكرُ في هند."

جلسَ والدها بجانبها، ووضعَ ذراعهُ حولَ كتفها. "هندٌ فتاةٌ رائعة، وأنا سعيدٌ جدًا بأنها في حياتكِ. ثقي بها، وثقي بنفسكِ. الأيامُ الجميلةُ قادمةٌ بإذنِ الله."

"آملُ ذلكَ يا أبي. لكنْ، هلْ تظنُّ أنَّ السفرَ سيغيرُ شيئًا؟" سألتْ زينبُ، وعيناها تبحثانِ عنْ إجابةٍ في عيني والدها.

"السفرُ يكشفُ المعادنَ يا ابنتي،" أجابَ والدها بحكمة. "ولكنْ، الحبُّ الصادقُ لا يخشى الغياب. بالعكس، قدْ يزدادُ قوةً وشوقًا. لقدْ رأيتُ كمْ تحبينَ هندًا، ورأيتُ كيفَ تنظرُ إليكِ. هذهِ نظرةُ وفاءٍ وحبٍّ عميق. لا تقلقي."

احتضنتْ زينبُ والدها بقوة. كلماتهُ كانتْ خيرَ سندٍ لها في هذهِ اللحظاتِ العصيبة. لقدْ منحها شعورًا بالأمانِ والطمأنينة.

في الصباحِ الباكر، معَ بزوغِ خيوطِ الشمسِ الأولى، وصلَ الوفدُ الذي سيرافقُ والدها إلى المطار. وبينما كانتْ زينبُ تتناولُ إفطارها، وصلتها رسالةٌ نصيةٌ قصيرةٌ منْ هند.

"صباحُ الخيرِ يا نورَ عيني. أدركُ أنَّ قلبكِ مثقلٌ بالسفر، لكنْ تذكري دائمًا أنَّ قلبي معكِ، وأنَّ حبنا أقوى منْ أيِّ مسافة. سأكونُ في انتظارِ عودتكِ بفارغِ الصبر. أحبكِ."

ابتسمتْ زينبُ ابتسامةً صادقةً هذهِ المرة، ودمعةٌ صغيرةٌ لامعةٌ على رمشها. كتبتْ ردًا سريعًا: "صباحُ النورِ يا روحي. كلماتكِ بلسمٌ على جرحي. شكرًا لأنكِ في حياتي. أحبكِ أكثر."

نظرتْ إلى صورةِ هندٍ التي تضعها كخلفيةٍ لهاتفها. وجهٌ مليءٌ بالحبِ والأمل. لقدْ منحها هذا اللقاءُ الأخير، وهذهِ الرسالة، قوةً إضافيةً لتجاوزِ هذهِ المرحلة.

عندما همّتْ بالخروجِ منَ المنزل، التقتْ بعيني والدتها. "أتمنى لكِ رحلةً موفقةً يا ابنتي. أدعو اللهَ أنْ يحفظكِ ويحميكِ."

"آمين يا أمي. أدعو لي أنْ أعودَ قريبًا، وأنا بصحبةِ هند." قالتْ زينبُ، وكانَ صوتُها يحملُ أملًا جديدًا.

نظرتْ إليها والدتها بدهشةٍ خفيفة، ثم ابتسمتْ ابتسامةً عريضة. "إنْ شاءَ الله. كلُّ شيءٍ ممكنٌ بإذنِ الله."

هذا الشعورُ بالثقةِ في المستقبل، وهذا الأملُ المعقودُ على حبٍّ نقي، كانَ هوَ الدافعَ الأكبرَ لزينبَ لتكونَ قويةً، ولتتجاوزَ هذهِ الأيامَ العصيبة. كانَ رحيلُ والدها مجردَ مرحلةٍ عابرة، وأنَّ ما ينتظرها معَ هندٍ هوَ أجملُ وأبقى.

*

في منزلِ آلِ الهاشم، كانَ اليومُ مختلفًا. كانتْ هندٌ تشعرُ بخفةٍ غريبةٍ في روحها، وبحماسٍ لمْ تشعرْ بهِ منذُ زمن. لقدْ تلقتْ رسالةَ زينب، وشعرتْ بأنَّ قلبها قدْ استقرَّ في مكانه.

"ما الذي يسعدكِ هكذا يا ابنتي؟" سألَ والدها، وهوَ يراقبها وهيَ تبتسمُ للهاتف.

"لا شيءٌ مميزٌ يا أبي، مجردُ رسالةٍ منْ صديقتي." أجابتْ هندٌ، وهيَ تغضُّ طرفها قليلاً.

"صديقتكِ زينب؟" سألَ والدها بنبرةٍ تحملُ فضولًا لطيفًا. "أرى أنَّ صداقتكما تزدادُ قوةً يومًا بعدَ يوم."

"نعم يا أبي. زينبٌ أختٌ وصديقةٌ وحبيبة. إنها نعمةٌ منَ الله." قالتْ هندٌ بصدقٍ، وكانتْ عيناها تلمعانِ بحبٍّ خالص.

"الحمدُ لله. هذا يسعدني كثيرًا. فالصداقةُ كنزٌ ثمين، خاصةً في هذهِ الأوقات." قالَ والدها، ثم أضافَ بنبرةٍ أكثرَ جدية: "وبالمناسبة، هلْ تحدثتِ معَ عمكِ سعيدٍ بخصوصِ ما تحدثنا فيه؟"

شعرتْ هندٌ بالتوترِ قليلاً. كانَ والدها قدْ تحدثَ معها قبلَ بضعةِ أيامٍ عنْ إمكانيةِ خطبتها منْ شابٍّ منْ عائلةٍ كريمة، تُدعى عائلتهُ عائلةُ النجار. سمعتْ عنهم الكثير، وعنْ أخلاقهم ودينهم. لكنْ، قلبها قدْ أصبحَ ملكًا لزينب.

"لمْ أتحدثْ معه بعدُ يا أبي. كنتُ أنتظرُ الوقتَ المناسب." أجابتْ هندٌ، وشعرتْ بأنَّ الردَ باتَ صعبًا.

"الوقتُ المناسبُ هوَ الآنَ يا ابنتي. لا تجعلي الأمورَ تتعقد. هذهِ فرصةٌ قدْ لا تتكرر." قالَ والدها، وكانَ يمسكُ بيديها. "أعلمُ أنَّكِ متعلقةٌ بزينب، لكنْ حياتنا مليئةٌ بالتحديات، ويجبُ أنْ نؤمنَ مستقبلنا. وأنا واثقٌ أنَّكِ ستجدينَ السعادةَ معَ أيِّ رجلٍ يخافُ اللهَ فيكِ."

نظرتْ هندٌ إلى والدها، ورأتْ في عينيهِ حنانَ الأبِ ورغبتَهُ في سعادتها. لكنْ، كيفَ لها أنْ تشرحَ لهُ أنَّ قلبها قدْ اختارَ طريقهُ بالفعل؟ كيفَ لها أنْ تشرحَ لهُ أنَّ الحبَّ الذي يجمعها بزينبَ ليسَ مجردَ صداقة، بلْ هوَ ارتباطٌ روحيٌّ عميقٌ مبنيٌّ على أسسٍ متينة؟

"يا أبي، أنا أحترمُ رأيكَ تمامًا، وأثقُ بحكمتك. لكنْ، قلبي... قلبي ليسَ جاهزًا بعد." قالتْ هندٌ، وعيناها بدأتْ تلمعُ بالدموع.

تفهمَ والدها خوفَها، وقررَ أنْ يتركَ لها بعضَ الوقت. "لا بأس يا ابنتي. خذي وقتكِ. لكنْ، لا تنسي أنَّ هناكَ عيونًا تراقبُ سعادتكِ، وأنَّ هناكَ مستقبلًا ينتظركِ."

بعدَ أنْ غادرَ والدها، بقيتْ هندٌ جالسةً في غرفتها، تشعرُ بثقلٍ جديدٍ على قلبها. هلْ سيكونُ حبها لزينبَ سببًا في تعقيدِ الأمور؟ هلْ ستجدُ طريقةً لتجمعَ بينَ رغباتِ والدها وبينَ حبها الصادق؟

نظرتْ إلى صورةِ زينب، وشعرتْ بالقوة. "سنجدُ حلًا يا زينب. لا تقلقي. حبنا أقوى منْ كلِّ شيء."

كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ لنْ يكونَ سهلًا. لكنْ، في سبيلِ زينب، كانتْ مستعدةً لمواجهةِ أيِّ صعوبة. كانَ رحيلُ والد زينبَ مجردَ بدايةٍ لفصلٍ جديدٍ في قصةِ حبهما، فصلٌ مليءٌ بالتشويقِ والتحديات، ولكنهُ مشرقٌ بالأملِ والوعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%