حب في زمن الحرب الجزء الثاني

بوادرُ الأملِ ورسائلُ الأمل

بقلم فاطمة النجار

عادتْ زينبُ إلى دمشقَ حاملةً معها ثقلَ رحيلِ والدها، ولكنهُ كانَ ممزوجًا بشيءٍ منَ الأملِ الجديد. كانتْ الزياراتُ القصيرةُ لوالدها في السعوديةِ قدْ أثرتْ فيها، وجعلتها أكثرَ وعيًا بالمسؤوليةِ تجاهَ أسرتها. لكنْ، لمْ يكنْ لقاؤها بهندٍ بعدَ عودتها بالأمرِ الهيّن. كانَ قلبُها يخفقُ بسرعة، وتتداخلُ مشاعرُ الشوقِ معَ القلقِ الذي سببتْهُ رسائلُ هندٍ الأخيرة.

"أهلاً بعودتكِ يا ابنتي. هلْ ارتحتِ في رحلتكِ؟" سألتْ أمُ زينبَ وهيَ تحتضنُها بحنان.

"الحمدُ لله يا أمي. لقدْ رأيتُ والدي، وأطمأننتُ عليه. لكنْ، اشتقتُ إليكمْ جميعًا. وإلى دمشق." أجابتْ زينبُ، وكانَ صوتُها يحملُ مسحةً منَ الإرهاق.

في اليومِ التالي، بعدَ ترتيبِ أمورِها، لمْ تترددْ زينبُ في الاتصالِ بهند. كانتْ تتوقُ إلى سماعِ صوتها، إلى الشعورِ بأنها ما زالتْ قريبةً منها.

"زينبُ؟ حبيبتي؟" جاءَ صوتُ هندٍ كأنشودةٍ عذبة، تحملُ كلَّ معاني الفرحِ والراحة.

"هندٌ! صوتكِ! كمْ اشتقتُ إليكِ!" قالتْ زينبُ، وشعرتْ بأنَّ ثقلَ الدنيا قدْ زالَ عنْ كاهلها.

"وأنا أكثرُ يا نورَ عيني. كيفَ حالكِ؟ كيفَ السفر؟" سألتْ هندٌ، وكانتْ كلماتها تنسابُ كجدولٍ رقراق.

"كلُّ شيءٍ على ما يرام. لقدْ رأيتُ والدي، وأطمأننتُ عليه. لكنْ، كيفَ حالكِ أنتِ؟ هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سألتْ زينبُ، وكلمةُ "كلُّ شيءٍ على ما يرام" بدتْ مشكوكًا فيها.

ترددتْ هندٌ قليلاً. "الأمورُ... تسيرُ ببطءٍ يا زينب. والدي لا يزالُ يضغطُ بخصوصِ الزواج. لكنْ، لا تقلقي. أنا أدركُ أنَّ حبنا طاهرٌ، وأنَّ اللهَ معنا."

شعرتْ زينبُ بالارتياحِ لهذهِ الكلمات. كانَ حديثُ هندٍ يعكسُ قوةً وإيمانًا لمْ تعهدهُ فيها منْ قبل.

"هندٌ، أتعرفينَ؟ عندما كنتُ هناك، كنتُ أرددُ دائمًا: 'حبنا أقوى منْ كلِّ شيء'. كنتُ أؤمنُ بذلكَ، وأؤمنُ بأننا سنجدُ طريقنا." قالتْ زينبُ، وكانَ صوتُها يمتلئُ بالأمل.

"وأنا كذلكَ يا زينب. كنتُ أدعو اللهَ أنْ يجمعنا، وأنْ يُيسرَ لنا أمورنا. لقدْ تحدثتُ معَ والدي مرةً أخرى، وبدأتُ أجدُ معه بعضَ التفاهم. لقدْ ذكرتُ لهُ أنَّ زينبَ فتاةٌ ذاتُ أخلاقٍ عالية، وأنَّ أسرتها كريمةٌ، وأنَّ صداقتنا عميقةٌ جدًا."

"وماذا قالَ؟" سألتْ زينبُ بلهفة.

"قالَ إنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى وقتٍ للنظر. لكنْ، يبدو أنَّ هناكَ شعاعَ أمل." قالتْ هندٌ، وكانَ صوتُها يحملُ نبرةَ تفاؤل.

"هذا رائعٌ يا هند! أنتِ رائعة! أنا فخورةٌ جدًا بكِ." قالتْ زينبُ، وشعرتْ بفرحةٍ تغمرُ قلبها.

"ولكنْ، هناكَ شيءٌ آخر." قالتْ هندٌ، وبدأتْ نبرتها تتغيرُ قليلاً. "عمي سعيد، والدُ زينب، عندما كانَ هنا، تحدثَ معَ والدي عنْ أمرٍ ما."

"ما هوَ؟" سألتْ زينبُ بقلق.

"قالَ إنَّ والدهُ، جدكِ، كانَ قدْ وعدَ عمكَ سعيدًا قبلَ سنواتٍ طويلةٍ بأنْ يزوجَ أحدَ أحفادهِ منْ أحدِ أحفادِ عمهِ. يبدو أنَّ هناكَ عائلةً تربطكم بها صلةٌ بعيدة، وقدْ أُبرمَ هذا الوعدُ قديمًا. ووالدي، احترامًا لهذا الوعدِ، وعدَ بأنْ يتممَ هذا الأمرَ إذا سنحتِ الفرصة."

شعرتْ زينبُ بالصدمة. لمْ تسمعْ بهذا الأمرِ منْ قبل. "وعدٌ قديم؟ ولماذا لمْ يخبرني والدي؟"

"لا أعرفُ التفاصيلَ بالضبط. لكنْ، يبدو أنَّ هذا الأمرَ كانَ غائبًا عنْ ذاكرتكم. وعمي سعيدٌ استذكرهُ الآنَ، ويريدُ أنْ يتممَ هذا الوعد. يبدو أنَّ هناكَ فتاةً في عائلةِ قريبٍ لكم، وهيَ في مثلِ سنكِ."

"وهذا يعني؟" سألتْ زينبُ، وقلبُها بدأَ يخفقُ بقوة.

"هذا يعني يا زينب، أنَّ الطريقَ الذي كنا نظنُّهُ سهلًا، قدْ يصبحُ أكثرَ تعقيدًا. ولكنْ، هذا لا يعني أنَّ الأمورَ مستحيلة. سنقاومُ معًا." قالتْ هندٌ، وحاولتْ أنْ تكونَ قويةً.

"ولكنْ، ما هوَ هذا الوعدُ بالضبط؟ ومنْ هيَ هذهِ الفتاة؟" سألتْ زينبُ، وشعرتْ بأنَّ هناكَ جدارًا جديدًا قدْ ارتفعَ أمامَها.

"سأحاولُ أنْ أعرفَ المزيدَ منَ التفاصيل. وسأخبركَ فورًا. لا تقلقي يا حبيبتي. سنواجهُ هذا معًا. حبنا أقوى منْ أيِّ وعدٍ قديم." قالتْ هندٌ، وحاولتْ أنْ تطمئنَ زينب.

بعدَ انتهاءِ المكالمة، شعرتْ زينبُ بالدوار. كانتْ تتوقعُ صعوباتٍ منْ والدِ هند، ومنْ عاداتِ المجتمع، لكنْ لمْ تتوقعْ أنْ يأتيَ التحديُ منْ داخلِ أسرتها، ومنْ وعدٍ قديمٍ يبدو غريبًا وغيرَ واقعي.

"ماذا جرى يا ابنتي؟" سألتْ أمُ زينبَ، وقدْ رأتْ قلقًا واضحًا على وجهِ ابنتها.

"لا شيءٌ يا أمي. مجردُ بعضُ المستجداتِ بخصوصِ سفرِ والدي." كذبتْ زينبُ، ولمْ تكنْ مستعدةً لمشاركةِ هذا الخبرِ المعقد.

في تلكَ الليلة، لمْ تستطعْ زينبُ النوم. كانتْ تفكرُ في هذا الوعدِ القديم، وفي هذهِ الفتاةِ المجهولة. هلْ كانتْ هذهِ نهايةُ حلمها؟ هلْ سيُبنى مستقبلها على أساسِ وعدٍ قديمٍ ومجرد؟

في الوقتِ نفسه، كانتْ هندٌ تبحثُ عنْ معلومات. تحدثتْ معَ والدها، ومعَ عمها سعيد. اكتشفتْ أنَّ الوعدَ كانَ بينَ جدِ زينبَ وجدِها، وأنَّ الهدفَ كانَ لتقويةِ الروابطِ بينَ العائلتينِ اللتينِ تربطهما صلةُ قرابةٍ بعيدة. والفتاةُ المذكورةُ هيَ ابنةُ عمٍّ لوالدِ والدِ زينب.

"لكنْ، هذهِ الوعودُ القديمةُ ليستْ ملزمةً يا والدي. خاصةً وأنَّ العائلتينِ لمْ تتواصلا منذُ زمن." قالتْ هندٌ لوالدها.

"صحيحٌ يا ابنتي. لكنْ، عمكِ سعيدٌ رجلٌ طيبٌ ويحبُّ إتمامَ الأمورِ التي وعدَ بها. وهوَ يعتقدُ أنَّ هذا الزواجَ سيُسعدُ ابنتَهُ زينبَ ويُحققُ لها الاستقرار." قالَ والدُ هند.

"لكنْ، زينبُ تحبُّ شخصًا آخر. وأنا أحبُّ زينب. كيفَ يمكنُ لزواجٍ مبنيٍّ على وعدٍ قديمٍ أنْ يجلبَ السعادة؟" قالتْ هندٌ بأسى.

"هذا ما يجبُ أنْ تفهميهِ يا ابنتي. يجبُ أنْ تضعي حبكِ في إطارِ الواقع. وقدْ يكونُ هذا الزواجُ هوَ الطريقُ الشرعيُّ والوحيدُ لتكوني معَ زينبَ في المستقبل." قالَ والدُ هند، وكانتْ كلماته تحملُ مفاجأةً كبرى.

"ماذا تقصدُ يا أبي؟" سألتْ هندٌ، وهيَ تشعرُ بأنَّ عقلها قدْ توقفَ عنْ العمل.

"أقصدُ أنَّ عمكِ سعيدًا، ورغبةً منهُ في إتمامِ هذا الوعد، عرضَ على والدي أنْ يتزوجَ عمكَ سعيدٌ منْ زينبَ، لكيْ يفيَ بوعدهِ، وأنْ تتزوجي أنتِ منْ زينبَ. بمعنى آخر، أنْ يتمَ الزواجُ بينَكم على أساسٍ شرعيٍّ، وأنْ يتمَّ هذا الأمرُ بطريقةٍ لا تتعارضُ معَ الوعدِ القديم."

شعرتْ هندٌ بأنَّ الأرضَ قدْ دارتْ بها. هلْ كانَ هذا حلًا؟ هلْ يمكنُ لهذا الأمرِ أنْ يحدث؟

"ولكنْ، هلْ هذا ممكنٌ شرعيًا؟" سألتْ هندٌ، وهيَ لا تزالُ مصدومة.

"بلى. إذا وافقَ الجميع. وقدْ تحدثتُ معَ عمكَ سعيد، وهوَ يبدو مستعدًا. وبدورهِ، سيحدثُ والدَ زينبَ. لكنْ، الأمرُ يعتمدُ على موافقةِ زينبَ." قالَ والدُ هند، وكانَ وجههُ يحملُ مزيجًا منَ الترقبِ والأمل.

"أنا... أنا لا أعرفُ ماذا أقول. هذا... هذا كثيرٌ جدًا." قالتْ هندٌ، وهيَ تشعرُ بأنَّ الأحداثَ تتسارعُ بشكلٍ يفوقُ قدرتها على الاستيعاب.

"لا تتعجلي في الإجابة. فكري جيدًا. هذهِ فرصةٌ ذهبيةٌ لنكونَ معَ منْ نحب، وأنْ نُرضيَ أهالينا. فكري في زينبَ. فكري في سعادتها وسعادتكِ." قالَ والدُ هند، وتركها في دوامةِ أفكارها.

كانتْ زينبُ قدْ تلقتْ رسالةً منْ هندٍ تصفُ ما سمعتهُ منْ والدها. كانتْ كلماتها تتطايرُ أمامَ عينيها، لمْ تستطعْ أنْ تستوعبَ ما تقرأ. زواجٌ؟ زواجٌ شرعيٌّ؟ وكيفَ؟

"هندٌ، هلْ أنتِ متأكدةٌ مما تسمعين؟ هلْ هذا ممكنٌ حقًا؟" كتبتْ زينبُ، وقلبُها يخفقُ بقوة.

"نعم يا زينب. والدُ هندٍ يقولُ إنَّ هذا هوَ الحل. لكنْ، الأمرُ يعتمدُ على موافقتكِ. فكري جيدًا. هذهِ فرصةٌ قدْ لا تتكرر."

جلستْ زينبُ في غرفتها، والشمسُ

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%