حب في زمن الحرب الجزء الثاني
ظلال الماضي وأمل المستقبل
بقلم فاطمة النجار
كانت أشعة الشمس الذهبية تنسل عبر نافذة غرفة نورا، لتداعب وجهها النائم برفق. استيقظت على صوت زقزقة العصافير، وهمسات الحياة الهادئة التي امتلأت بها بيت أبيها. استقامت جالسة، تأملت الفراغ الذي تركه غياب يوسف، ذلك الغياب الذي أصبح جزءًا من كيانها. لا تزال الأيام تمر ثقيلة، رغم محاولاتها الدؤوبة لتجاوز مرارة الفراق. كانت الذاكرة، تلك الرفيقة المتقلبة، تارةً ترسم ابتسامة رقيقة على شفتيها حين تتذكر كلمة طيبة أو نظرة حانية من يوسف، وتارةً أخرى تغرقها في بحر من الحنين الموجع.
جلست إلى طاولة الطعام، حيث اجتمعت الأسرة حول مائدة الإفطار. والدها، الحاج أحمد، يقرأ القرآن بصوت خاشع، ووالدتها، السيدة فاطمة، توزع الطعام بلمسات حنونة. كان أشقاؤها، محمود ورقية، يتحدثون عن مشاغلهم اليومية. شعرت نورا بالدفء يغمرها، وبالامتنان لهذه النعمة العظيمة: الأمان، الأهل، والحب الذي يحيط بها. لكن في أعماق قلبها، كان هناك صدى آخر، لحن حب لم تكتمل سيمفونيته بعد.
بعد الإفطار، طلبت منها والدتها أن تساعدها في ترتيب بعض أمتعة جدتها العتيقة. كان صندوق خشبي مزخرف، يخبئ بين ثناياه ذكريات حقبة مضت. وبينما كانت نورا تخرج بعض الأوشحة الحريرية المطرزة، سقطت ورقة قديمة من بين طياتها. رفعتها، لتجد رسالة بخط يد أنيق، لم تعرفه. كانت الرسالة موجهة إلى جدتها، وتحمل تاريخًا قديمًا. بدأت تقرأ بصوت خافت: "يا فلذة روحي، يا من أنار دجى حياتي، أكتب إليكِ من أرض الغربة، حاملًا شوقًا يمزق القلب، وأملًا بلقاء قريب يعيد إلينا السكينة. أعلم أن الطريق شاق، وأن الظروف قاسية، لكن حبنا هو درعنا، وإيماننا هو بوصلتنا. تذكري دائمًا أن قلبي معكِ، في كل خطوة، في كل همسة ريح. لا تستسلمي، فغدًا أجمل. حبيبكِ المخلص."
توقفت نورا عن القراءة، وتملكتها الدهشة. من يكون هذا الحبيب المخلص؟ ولماذا لم تسمع والدتها أو جدتها عن هذا الحب القديم؟ اقتربت منها والدتها، وقالت بفضول: "ما هذا يا ابنتي؟ رسالة قديمة؟"
أجابت نورا بتردد: "نعم يا أمي. إنها من شخص مجهول إلى جدتي. يبدو أنها قصة حب لم أعرف عنها شيئًا."
نظرت السيدة فاطمة إلى الرسالة، ثم قالت بتأثر: "جدتكِ كانت فتاة رائعة، وعاشت قصة حب جميلة. لكن الظروف حالت دون اكتمالها. كانت تحب رجلًا تزوجته لاحقًا، وهو والد جدكِ، الذي رحل عن الدنيا مبكرًا."
شعرت نورا بوخزة في قلبها. هل كانت جدتها تعيش مع ذكرى حب قديم، بينما كانت تعيش قصة حب أخرى؟ أم أن هذه الرسالة هي قصة حب أخرى منفصلة؟ بدأت الأفكار تتزاحم في رأسها. هذه الرسالة فتحت بابًا لم تكن تتوقعه، بابًا نحو ماضٍ لم تكن تعرف عنه شيئًا، وماضٍ قد يؤثر على حاضرها.
في المساء، قررت نورا أن تزور دار جدتها التي انتقلت منها مؤخرًا. كانت الدار لا تزال تحتفظ بروحها، بعبق الذكريات. تجولت بين الغرف، وشعرت بوجود جدتها يحوم حولها. في مكتبة جدتها، وجدت دفتر مذكرات جلدية قديمة. فتحته بحذر، لتجد صفحة تحمل نفس الخط الذي قرأت به الرسالة. كانت مذكرات جدتها، تتحدث فيها عن رجل يدعى "عمر"، كان حب حياتها الأول، قبل أن تلتقي بجدها. كان عمر، كما وصفته في مذكراتها، شابًا طموحًا، مثقفًا، ذو روح نبيلة. كانا يلتقيان سرًا، يتبادلان الأحلام والأشعار. لكن والد جدتها، الذي كان يعمل في بلد أجنبي، عاد ليأخذها معه، ويفصلها عن عمر. تقول الجدة في مذكراتها: "لم أعد أرى وجه عمر إلا في أحلامي. قلبي انكسر، لكن روحي لم تنسه. حتى حين تزوجت بشخص آخر، كان هناك فراغ لا يملأه أحد."
شعرت نورا بتعاطف عميق مع جدتها. لقد عاشت قصة حب لم تكتمل، مثلها تقريبًا. هل كان هذا قدرهن؟ هل كانت الرومانسية في عائلتهن تحمل دومًا طابع الفراق؟
في تلك اللحظة، رن هاتفها. كان رقمًا غير مسجل. رفعت، لتسمع صوتًا مألوفًا، ولكنه غريب في نفس الوقت: "مساء الخير، نورا. هل تعرفينني؟"
ترددت قليلًا، ثم قالت: "من أنت؟"
ابتسم المتحدث، وقال: "أنا عمر. ابن عم يوسف. هل تذكرينني؟"
تجمدت نورا في مكانها. عمر، ابن عم يوسف. لقد سمعت عنه من يوسف، لكنها لم تقابله قط. كانت تلك زيارة خاطفة لعائلته لم يتسن لها فيها اللقاء. "نعم، أتذكرك." قالت بصوت بالكاد مسموع.
"سمعت عن ما حدث ليوسف، وعن ظروفكِ. أردت أن أتواصل معكِ. أنا موجود في المدينة الآن، ولدي بعض المستجدات التي قد تهمكِ."
شعر قلب نورا بدقات متسارعة. مستجدات؟ عن يوسف؟ هل كان هناك أمل؟ "ما هي المستجدات؟" سألت بلهفة.
"ربما يكون من الأفضل أن نتحدث وجهًا لوجه. هل لديكِ وقت غدًا؟"
بعد تفكير قصير، وافقت. كان هناك شيء في صوت عمر يوحي بالجدية، وربما بالأمل. ختمت يومها بشعور غريب، مزيج من حزن الماضي، وقلق الحاضر، وبصيص أمل من مستقبل لا تراه بوضوح. كان عليها أن تفهم لماذا جاء عمر، وما هي تلك المستجدات التي قد تغير مجرى حياتها، وحياة يوسف.