حب في زمن الحرب الجزء الثاني
رسالة مشفرة وحوار شائك
بقلم فاطمة النجار
جلست نورا في المقهى الهادئ، تتأمل أوراق الشجر المتساقطة في حديقة صغيرة مجاورة. كان الجو خريفيًا، والسماء رمادية، كأنها تعكس اضطراب مشاعرها. بعد دقائق، وصل رجل طويل القامة، ذو ملامح حادة، وعينين تحملان عمقًا غامضًا. تعرفت عليه فورًا من وصف يوسف له: عمر، ابن عم يوسف.
"نورا؟" قال عمر بابتسامة مهذبة، وجلس مقابلها.
"تفضل." أجابت نورا، تحاول السيطرة على تزايد نبضات قلبها.
"أعتذر عن إزعاجكِ في هذا الوقت، لكنني شعرت بضرورة الحديث معكِ." بدأ عمر، وعيناه ترصدان تعابير وجهها. "أنا على علم بكل ما تمرّين به. يوسف شخص عزيز على عائلتنا، وأنا شخصيًا كنت أكن له احترامًا كبيرًا."
"شكرًا لك." قالت نورا، وشعرت بارتياح طفيف من صدق كلماته. "ما هي المستجدات التي ذكرتها؟"
نظر عمر حوله للتأكد من عدم وجود أحد قريب، ثم انحنى قليلاً وقال بصوت خفيض: "قبل فترة، قبل اختفاء يوسف بفترة وجيزة، كان يعمل على مشروع شخصي، مشروع سري للغاية. كان متحمسًا له جدًا، وكان يعتقد أنه سيغير الكثير."
"مشروع سري؟ لم يذكر لي شيئًا." قالت نورا بدهشة.
"هذا هو مربط الفرس. لقد اكتشف يوسف شيئًا خطيرًا، شيئًا متعلقًا ببعض الأنشطة غير القانونية. كان يحاول جمع الأدلة. لقد ترك لي رسالة مشفرة، قبل أن يختفي. كان يعلم أنني أهتم بالتشفير، وأنني أثق به."
فتحت نورا عينيها باتساع. "رسالة مشفرة؟ هل تمكنت من فك شفرتها؟"
"نعم. لقد استغرقت وقتًا وجهدًا كبيرين. وما وجدته جعلني قلقًا للغاية. لقد اكتشف يوسف شبكة معقدة من الفساد، تتعلق بصفقات تجارية مشبوهة، ورشاوى، وربما أكثر من ذلك. الأسماء التي ذكرتها الرسالة ليست مجرد أسماء عادية. إنها أسماء قوية، لها نفوذ كبير."
شعر جسد نورا يرتعش. "هل تعتقد أن هذا هو سبب اختفائه؟"
"هذا هو الاحتمال الأقوى. لقد خشي أن يتم اكتشاف أمره، فقرر الاختباء، أو ربما... ربما تم إسكاته." قال عمر بنبرة تحمل ثقلًا.
"لكن... لماذا لم تبلغ الشرطة؟" سألت نورا، والخوف يتملكها.
"تخيلي الموقف يا نورا. أسماء في الرسالة، هم أنفسهم من قد تكون لديهم القدرة على التلاعب بالشرطة، أو على إخفاء الأدلة. لو أبلغت الشرطة مباشرة، قد يتم التستر على الأمر، وقد نعرض أنفسنا للخطر دون جدوى. يوسف لم يكن يريد أن يفعل ذلك. لقد أراد أن يكون لديه دليل قاطع قبل أن يكشف الأمر."
"وماذا عن هذه الشبكة؟ هل يمكنك أن تخبرني عن الأسماء؟" سألت نورا، وقلبها يضرب بقوة.
"ليس الآن. ليس هنا. إنها معلومات خطيرة جدًا. لقد أخفيت النسخة الأصلية من الرسالة، ولدي نسخة منها. أريد أن أتأكد من أن لدينا خطة محكمة قبل أن نفعل أي شيء. يوسف كان ذكيًا جدًا، لكنه قد يكون وضع نفسه في موقف صعب جدًا."
"ولماذا جئت إليّ أنا بالذات؟" سألت نورا، تتأمل تعابير وجه عمر.
"لأنني أعلم كم كنتِ تحبينه، وكم كنتِ قريبة منه. ولأن يوسف كان يثق بكِ ثقة عمياء. في رسالته، ذكر اسمكِ كشخص يمكن الاعتماد عليه في حال حدث له مكروه. كان يقول إن حبكِ هو قوته، وإنكِ ستفهمين دائمًا ما يريده."
لمعت عينا نورا بالدموع. كانت تلك الكلمات، من يوسف، في وقت كهذا، تعني لها العالم. "إذًا، ما هي خطتك؟" سألت، وقد استعادت رباطة جأشها.
"لا تزال في طور التكوين. أحتاج إلى بعض الوقت لأفكر. لكن ما أريدكِ أن تعرفيه هو أن يوسف لم يذهب من تلقاء نفسه. هو لم يختفِ دون سبب. وأنقاذ حياته، وكشف الحقائق، أصبح مسؤوليتنا الآن."
"وأنا مستعدة لفعل أي شيء." قالت نورا بحزم. "لأجل يوسف."
"هذا ما توقعته منكِ. لقد أثبتتِ بالفعل معدنكِ الأصيل. هل لديكِ أي فكرة عن مكان يمكن أن يختبئ فيه؟ هل تحدث معكِ عن أي خطط طارئة؟"
فكرت نورا مليًا. "لقد تحدث مرة عن مكان سري، ملجأ قديم للعائلة في الجبال. لكنه لم يذكر تفاصيل. قال إنه مكان آمن، بعيد عن كل شيء."
"هذا قد يكون مفتاحًا. يجب أن نبحث في هذا الاتجاه. هل تعرفين أي تفاصيل عن هذا المكان؟"
"لا. لقد كان حديثًا عابرًا. لكنني سأحاول أن أسأل والدي، ربما يعرف شيئًا."
"هذا جيد. تذكري يا نورا، هذه القضية خطيرة للغاية. يجب أن نكون حذرين جدًا. أي خطأ قد يكلفنا حياتنا، وحياة يوسف."
بعد لقاء عمر، شعرت نورا بأن عالمها قد انقلب رأسًا على عقب. لم تعد القضية مجرد غياب، بل أصبحت جريمة، مؤامرة. كان عليها أن تتعامل مع هذا الأمر بحذر شديد، وأن تستفيد من المعلومات التي حصلت عليها، وأن تتذكر دائمًا حبها ليوسف، فهو الدافع الأقوى.
عند عودتها إلى منزل أبيها، شعرت ببعض الراحة في وجود أهلها، لكن الذهن كان مشغولًا. حاولت أن تتصرف بشكل طبيعي، لكن عينيها كانتا تبحثان عن إجابات في كل شيء. في تلك الليلة، لم تستطع النوم. كانت الرسالة المشفرة، والأسماء القوية، والخطر المحدق، تتصارع في أفكارها. أدركت أن حبها ليوسف سيقودها إلى رحلة لم تتوقعها أبدًا، رحلة قد تكون مليئة بالمخاطر، ولكنها رحلة نحو الحقيقة، نحو إنقاذ من تحب.