حب في زمن الحرب الجزء الثاني
محاولة يائسة وتصاعد الشكوك
بقلم فاطمة النجار
عادت نورا إلى منزل أبيها، وقد امتلأت روحها بمزيج من القلق والتصميم. كلمتا "فساد" و"قوة" اللتان ذكرهما عمر، كانتا كالشفرة التي فتحت بابًا لم تفهم أبعاده بعد. جلست في غرفتها، حاولت أن تتذكر أي شيء قاله يوسف عن "مشروع سري" أو "أدلة". لم تجد سوى ذكريات عابرة عن شغفه بعمله، وحلمه ببناء مستقبل أفضل.
في صباح اليوم التالي، ذهبت لمقابلة والدتها، السيدة فاطمة، وهي منهمكة في ترتيب حديقة المنزل. بدأت نورا الحديث بتردد: "أمي، هل تتذكرين أن جدتي كانت لديها قصة حب قديمة قبل زواجها من جدي؟"
نظرت إليها والدتها بتعجب: "نعم يا ابنتي، ولكن ما علاقة هذا الآن؟"
"تذكرين تلك الرسالة التي وجدتها؟ يبدو أن جدتي كانت تحب رجلًا يدعى عمر، قبل أن تسافر. هل تعرفين شيئًا عنه؟"
ابتسمت السيدة فاطمة بحزن: "آه، عمر. كان شابًا طيبًا، وسيئ الحظ. كان يحب جدتكِ كثيرًا، لكن الظروف فرقت بينهما. والد جدتكِ كان يريدها أن تتزوج من رجل ذي مكانة، ولذلك أخذها معه إلى الخارج. جدتكِ لم تنساه أبدًا، لكنها لم تكن تستطيع فعل شيء. وعندما عادت، كان عمر قد سافر بعيدًا، ولم تعد تعرف عنه شيئًا. لاحقًا، تعرفت على جدكِ، وهو رجل صالح، وأحبته، وبنت معه حياة كريمة. لكن ذكرى عمر بقيت في قلبها كوردة ذابلة."
"وهل كان والد جدتي يعرف بـ عمر؟" سألت نورا، وقد بدأت تتكون لديها فرضية.
"بالتأكيد. كان يعرف. ولكنه لم يكن موافقًا عليه. كان عمر فقيرًا، ولم يكن لديه ما يقدمه لجدتكِ في نظر والدها."
شعرت نورا أن الأحداث تتشابك. جدتها، وحبها الأول، وعمر، وشبكة الفساد. هل كان هناك علاقة؟ هل كان عمر الذي تتحدث عنه والدتها هو نفسه عمر ابن عم يوسف؟ لكن هذا يبدو مستحيلاً. هذا عمر يبدو شابًا، بينما عمر جدتها كان رجلًا من الماضي.
قررت نورا أن تستغل فرصة وجودها في بيت أبيها لتحدث مع والدها. الحاج أحمد، كان رجلًا حكيمًا، له خبرة واسعة في الحياة. وجدته جالسًا في مصلاه، بعد صلاة الفجر، يرتل آيات من الذكر الحكيم.
"يا أبي، هل يمكن أن أتحدث معك في أمر هام؟" قالت نورا، وقد جلست بجانبه.
"تفضلي يا ابنتي. ما يشغل بالكِ؟" سأل الحاج أحمد، وهو ينظر إليها بعينين مليئتين بالحنان.
"أتذكر يوسف، ابن عمك؟"
"نعم، شاب طيب. سمعت أنه اختفى."
"بالفعل. اختفى. وأنا أحاول أن أعرف ما حدث له. قبل اختفائه، كان يعمل على مشروع سري. يبدو أنه اكتشف شيئًا خطيرًا."
"خطيرًا؟ ماذا تقصدين؟"
"لست متأكدة تمامًا. لكن هناك شخصًا قابلته، وهو ابن عم يوسف، ويدعى عمر. يقول إن يوسف ترك له رسالة مشفرة، تتحدث عن شبكة فساد."
نظر الحاج أحمد إلى نورا بتفكير عميق. "عمر، ابن عم يوسف. يبدو أن هذا الشاب يعرف شيئًا. وماذا عنكِ؟ هل لديكِ أي فكرة عن هذا المكان السري الذي تحدث عنه يوسف؟"
"نعم يا أبي. ذكر مرة ملجأ قديم للعائلة في الجبال. هل تعرف عنه شيئًا؟"
تنهد الحاج أحمد. "نعم، أعرف. كان جدي، والد أبي، يمتلك بيتًا قديمًا في منطقة نائية بالجبال. كان يستخدمه كملجأ في أوقات الخطر، أو للمراجعة والتفكير. البيت مهجور منذ سنوات طويلة. لم يذهب إليه أحد منذ زمن بعيد. لكنه في مكان صعب الوصول إليه، وقد يكون خطيرًا."
"هل يمكنك أن تصف لي هذا المكان؟" سألت نورا بلهفة.
"نعم. يقع في منطقة تسمى "وادي الظلال"، بالقرب من قرية صغيرة اسمها "الزيتون". الطريق إليه وعر، ويحتاج إلى سيارة دفع رباعي، وربما مرشد."
شعرت نورا بأن هذه هي فرصتها. يجب أن تذهب إلى هذا المكان. ربما يكون يوسف هناك، أو ربما ترك هناك أدلة أخرى. "أبي، أريد أن أذهب إلى هناك. أرجوك."
نظر الحاج أحمد إليها بحزم. "ابنتي، هذا المكان خطر. أنتِ فتاة، ولستِ معتادة على مثل هذه الأماكن. بالإضافة إلى أننا لا نعرف ما الذي يبحث عنه يوسف، ومن قد يكونون أعداؤه."
"ولكن يا أبي، إذا كان يوسف هناك، أو ترك هناك شيئًا قد يساعدنا في العثور عليه، ألن يكون هذا واجبنا؟ نحن لا نعرف ما إذا كان حيًا أم ميتًا. أنا مستعدة لأي مخاطر."
تنهد الحاج أحمد مرة أخرى. لقد رأى في عيني ابنته الإصرار والعزيمة. "حسنًا. لن أترككِ تذهبين وحدكِ. سأذهب معكِ. وسنتحدث مع بعض الأشخاص الموثوقين لمساعدتنا في الوصول إلى هناك."
شعر قلب نورا بالراحة. وجود والدها بجانبها سيمنحها القوة والشجاعة.
في هذه الأثناء، كان عمر، ابن عم يوسف، يعيش حالة من التوتر المتصاعد. حاول التواصل مع بعض الأشخاص الذين قد يكون لديهم معلومات عن يوسف، لكن محاولاته باءت بالفشل. كانت أصوات هواتفه ترن، ولا أحد يجيب. شعر بأن هناك شيئًا مريبًا يحدث. لقد أدرك أن الأشخاص الذين يصفهم يوسف في رسالته ليسوا مجرد مجرمين عاديين، بل هم خطرون جدًا.
بدأ عمر يراجع كل كلمة في رسالة يوسف المشفرة. كان يوسف يذكر أسماءً لا يعرفها، ولكنه يصفهم بـ "صقور الظلام" و"أصحاب الأيادي الملوثة". كان يوسف يحاول جمع أدلة على صفقة كبيرة تتعلق بتهريب آثار قديمة، وربما أسلحة. وكان الاسم المتكرر في الرسالة هو "البروفيسور". لم يعرف عمر من هو "البروفيسور".
قرر عمر أن يأخذ خطوة جريئة. لقد تذكر أن لدى يوسف صديقًا قديمًا، شخص كان يثق به بشدة، وكان يعمل في مجال الأمن. اتصل به، وبعد شرح الموقف، وافق الصديق على مساعدته.
"عمر، ما تصفه خطير للغاية. إن لم تكن لديك الأدلة الكافية، فإن أي حركة خاطئة قد تكشفنا. يجب أن نكون أكثر حذرًا." قال الصديق، الذي يدعى "خالد".
"أعلم يا خالد. لكن يوسف في خطر. وقد يكون في مكان ما ينتظر المساعدة. لقد أخبرت نورا، وهي مستعدة للمساعدة."
"نورا؟ ابنة عم يوسف؟" سأل خالد بتعجب.
"لا، خطيبة يوسف. أو... كانت خطيبته. لقد وقعت بينهما مشاعر قوية جدًا."
"آه. هذا يفسر إصرارها. حسنًا، علينا أن نكون حذرين. هل لديك أي فكرة أين يمكن أن يكون يوسف؟"
"لدينا بصيص أمل. لقد ذكرت نورا بيتًا قديمًا للعائلة في الجبال."
"هذا قد يكون جيدًا. سأحاول جمع بعض المعلومات عن هذا المكان. ولكن تذكر، أي حركة خاطئة قد تعني الموت."
في نهاية اليوم، شعرت نورا بأنها دخلت دوامة من الشكوك والمخاطر. لم تعد القضية مجرد البحث عن يوسف، بل أصبحت مواجهة شبكة فساد قوية، قد تكون وراء اختفائه. كان عليها أن تستعد لرحلة قد تكون أصعب مما تتخيل، رحلة إلى المجهول، بحثًا عن حبيبها، وبحثًا عن الحقيقة.