حب في زمن الحرب الجزء الثاني
همسات القدر ورياح التغيير
بقلم فاطمة النجار
وقفت لمياء أمام مرآة الغرفة، تحدق في انعكاس وجهها الشاحب. كانت خيوط القلق تنسج شبكة دقيقة حول عينيها، ورغم ذلك، كان هناك بريق من التصميم يرفض الانطفاء. في الداخل، كانت تشعر بالتمزق بين واجبها تجاه عائلتها وحبها الذي لم تعد تستطع إنكاره. الأيام الأخيرة كانت كعاصفة هوجاء، اقتلعت جذور الطمأنينة وزرعت في مكانها ألف سؤال وجواب.
منذ أن وطئت قدماها أرض الوطن، بعد رحلة شاقة ومعقدة، اختلطت مشاعر الفرح بمرارة الواقع. الحرب لم تكن مجرد عناوين أخبار وقصف بعيد؛ لقد تركت ندوبًا عميقة على الوجوه، وفي القلوب. وفوق كل ذلك، كان هناك لقاء "طارق". كلمة "لقاء" تبدو ضئيلة أمام تلك العاصفة التي اجتاحت كيانها. لم يكن لقاءً عاديًا، بل كان استعادة لجزء مفقود، وصحوة لروح كانت في سبات عميق.
طارق، الرجل الذي رسمته الأيام في مخيلتها صورة مثالية، كان أمامه. حضوره المهيب، وصوته الذي يحمل دفء الأرض وخشونة التاريخ، ونظراته التي تخترق الحجب كلها، جعلت قلب لمياء يدق كطبل حرب. لم يكن هناك وقت للمداعبة، ولا مجال للتساؤلات التقليدية. الحرب قد غيرت كل شيء، وأصبح الحب، إن وُجد، رفاهية لا يستطيعون تحملها.
"لمياء؟ هل أنتِ جاهزة؟" صوت والدتها، أمينة، قطع أفكارها. دخلت أمينة الغرفة، وعيناها تبحثان عن ابنتها. كانت تحمل في يدها طبقًا صغيرًا من التمر.
ابتسمت لمياء ابتسامة باهتة. "تقريبًا يا أمي. قلبي فقط ما زال يرفض الاستقرار."
اقتربت أمينة ووضعت يدها على كتف لمياء. "أعلم يا ابنتي. هذه الأيام ثقيلة على الجميع. لكننا صبورات، والله معنا." ثم رفعت رأسها ونظرت إلى لمياء بعمق. "ماذا يدور في بالك؟ أرى القلق في عينيكِ أكثر من المعتاد."
ترددت لمياء. كيف تبدأ؟ كيف تشرح لوالدتها أن قلبها قد اختار، وأن هذا الاختيار يأتي في زمن لا يحتمل فيه أي خيارات فردية؟ "أمي، الأمر يتعلق بـ... طارق."
انقبض وجه أمينة قليلاً. كانت تعرف قصة طارق، وتعرف أن هناك قصة لمياء لم تخبرها إياها بعد. "ماذا عنه؟ هل حدث شيء؟"
"نعم يا أمي. رأيته. تحدثنا. وكل ما كنت أظنه في الماضي... لم يكن إلا ظلاً. الحقيقة أقوى بكثير." انحنت لمياء، وشعرت بثقل العالم كله على كتفيها. "طارق... هو الرجل الذي أحبه، والذي أشعر أني وجدته أخيرًا."
شعرت أمينة بحرارة اليد التي وضعتها على كتف ابنتها. تألمت لألمها، لكنها حاولت أن تمنحها بعض الطمأنينة. "يا لمياء، الحب شيء عظيم، ولكنه لا يأتي دائمًا في زمنه المناسب. نحن في وسط أزمة. العائلة تحتاج إلى استقرار، وليس إلى المزيد من التعقيدات."
"ولكن يا أمي، ألا تعتقدين أن الحب يمكن أن يكون هو الاستقرار نفسه؟ ألا يمكن أن يكون مصدر قوة في هذه الأوقات؟" لمعت عينا لمياء بعناد.
"قوة؟ وهل القوة تأتي على حساب العقل والواجب؟" ردت أمينة بصوت فيه شيء من الحزم. "ابنتكِ، أمك، أختك... كلنا نعتمد عليكِ. وأنا كذلك. والدي... لقد ترك لنا مسؤوليات كبيرة. لا يمكن أن ندع مشاعر عابرة، مهما كانت قوية، تشتت انتباهنا عن الأهم."
"ليست مشاعر عابرة يا أمي! لقد كنت أنتظره طوال هذه السنوات، دون أن أدري. والآن بعد أن وجدته، كيف أقول له وداعًا مرة أخرى؟" رفعت لمياء صوتها قليلاً، ثم استدركت بخجل. "أنا أتحدث عن طارق، الرجل الذي كان وعدًا من أبي. هو ليس غريبًا عنا."
صمتت أمينة. تذكرت وعد زوجها الراحل. لقد أراد لابنته سعيدًا، وبدا لها طارق خيارًا مناسبًا. لكن الأيام التي مرت، والحرب، والأحداث المتلاحقة، جعلت الأمور أكثر تعقيدًا. "أعلم يا لمياء. لكن الظروف تغيرت. لم يعد الأمر مجرد اختيارين. هناك الكثير من الأيدي التي تتدخل."
"وهل هذا يمنعني من أن أكون صريحة؟ أن أقول لطارق ما أشعر به؟"
"الصراحة في وقت الحرب قد تكون سيفًا ذا حدين يا ابنتي. قد تجلب لكِ السعادة، وقد تجلب لكِ الندم." تنهدت أمينة. "حسناً. افعلي ما ترينه صائبًا. لكن كوني مستعدة لكل العواقب. وأعلمي أنني هنا، وسأدعمكِ مهما كان القرار. لكن... رجاءً، فكري مليًا. لا تدعي العاطفة تغلب على الحكمة."
خرجت أمينة، وتركت لمياء وحدها مع صدى كلماتها. العواقب. الكلمة رنت في أذنيها كجرس إنذار. كانت تعلم أن القرار الذي ستتخذه لن يؤثر عليها وحدها. كان له أن يلقي بظلاله على عائلتها كلها.
لم تكن الوحيدة التي تشعر بالضغط. في غرفة أخرى من المنزل، كان عمر، شقيق لمياء، يجلس إلى جانب والده. كان الحديث جديًا، وبدت على وجهيهما علامات القلق.
"يا أبي، لم يعد بإمكاننا الاستمرار هكذا." قال عمر بصدق. "الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. الناس لا يملكون المال لشراء الضروريات. ونحن، كأصحاب تجارة، نرى الخسائر تتراكم."
نظر إليه والده، عبد الله، بعينين تحملان ثقل سنوات الحرب. كان رجلاً صلبًا، لكن هذه الأيام قد أرهقته. "أعلم يا بني. لقد بذلنا قصارى جهدنا. لكننا لسنا سحرة. الحرب تعبث بنا."
"ولكن، يا أبي، هناك حل. إذا وافقنا على عرض السيد جابر... صدقني، سيكون ذلك بمثابة طوق النجاة لنا."
عقد عبد الله حاجبيه. عرض جابر. كان عرضًا مغريًا، يمنحهم رأس مال كبيرًا، ويمول مشاريعهم. لكنه كان يأتي بثمن. ثمن يتعلق بالتحالف، وبالولاء. وكان جابر نفسه رجلًا له سمعته، رجلًا لا يثق فيه الكثيرون.
"عرض جابر..." تمتم عبد الله. "إنه رجل انتهازي، عمر. لا نضمن نواياه. وماذا لو استغل حاجتنا لفرض شروطه؟"
"يا أبي، في هذه الأوقات، لا يمكننا أن نكون انتقائيين. إنها فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وللحفاظ على سمعة العائلة. إن لم نفعل شيئًا، سنخسر كل شيء."
"وهل تعتقد أن مجرد المال سيحل كل المشاكل؟" سأل عبد الله بلهجة فيها شيء من التعب. "هناك مصالح أخرى، هناك سمعة. لا أريد أن أرى عائلتنا متورطة في أمور لا تليق بنا."
"ولكننا متورطون بالفعل يا أبي! في فقر، وفي حيرة. عرض جابر يمنحنا القوة، يمنحنا القدرة على تجاوز هذه الأزمة." حاول عمر أن يقنع والده. "وهو يعلم مدى حاجتنا. لذلك، سيمنحنا شروطًا جيدة. على الأقل، على المدى القصير."
نظر عبد الله إلى ابنه. رأى فيه طموحًا، ورأى فيه خوفًا. كان يخشى أن يندفع عمر في طريق قد يندمون عليه. "حسناً. سأفكر في الأمر. لكنني لن أوافق عليه إلا إذا تأكدت من أننا لن نخسر أكثر مما نكسب."
نهض عمر، وشعر ببعض الراحة. على الأقل، لم يرفض والده الفكرة تمامًا. كان يعلم أن جابر لا يقدم الخير لوجه الله. لكنه كان يعلم أيضًا أن جابر رجل لديه نفوذ، ولديه قدرة على توفير الحلول.
في تلك الليلة، لم تستطع لمياء النوم. كانت تقلب رأسها من وسادة إلى أخرى، وعيناها مفتوحتان في الظلام. ذكريات طارق تتدفق في عقلها كشلال. ضحكاته، كلماته، نظراته... كل شيء كان يصرخ باسمه. كيف يمكن أن تتخلى عنه؟ كيف يمكن أن تختار حياة خالية من هذا الشعور العميق الذي وجدته؟
لكن والدتها كانت على حق. كانت هناك مسؤوليات. كانت هناك عائلة. هل حبها لطارق سيصبح سببًا في تدمير كل شيء؟ أم أنه سيكون القوة التي تحتاجها لمواجهة كل هذه التحديات؟
لم يكن لديها إجابة. كل ما كان لديها هو قلب يعتصر ألمًا، وعقل يفيض بالأسئلة. كانت تعرف أن الصباح سيحمل معه قرارات. قرارات قد تغير حياتها، وحياة من تحب، إلى الأبد. وأشارت رياح التغيير، التي كانت قد بدأت تهب بضعف، بأنها ستشتد قريباً.