حب في زمن الحرب الجزء الثاني
موازين القوى وتعاويذ القلب
بقلم فاطمة النجار
كانت الشمس قد بلغت منتصف السماء، تنشر دفئها المتواري تحت غيوم كثيفة تلوح بالبشرى، أو ربما بالسوء. اجتمع أفراد عائلة السيد عبد الله، حول مائدة الطعام المتواضعة. كان الصمت يخيم على المكان، صمت مثقل بالهموم والترقب. كل وجه كان يحمل بصمة معركة داخلية، ووجوههم مجتمعة تشكل لوحة درامية تعكس حالة وطن.
لمياء، في جلستها، كانت تشعر بأن عينيها تلتقيان بعيني طارق في كل لحظة، رغم أنه لم يكن حاضرًا. كان طيفه يطوف حولها، يهمس لها بكلمات لم تُقال بعد، ويذكرها بوعود لم تُكتب. تحدثت مع جدتها، السيدة فاطمة، بعد صلاة الفجر.
"يا جدتي، قلبي لا يهدأ. عقلي في وادٍ، وقلبي في وادٍ آخر." قالت لمياء وهي تضع رأسها على حجر جدتها.
ابتسمت السيدة فاطمة بحنان، وشعرت بصدق ابنتها. "يا حبيبتي، القلب حين يحب، لا يسأل عن الزمن. ولكنه في زمن الحرب، يجب أن يسمع للعقل أكثر."
"ولكن يا جدتي، طارق... إنه ليس مجرد حب. إنه... القدر. ألم يكن وعدًا من أبي؟ ألا يشكل جزءًا من ماضينا الذي يبدو أنه يريد العودة؟"
"القدر يا لمياء، هو ما نصنعه نحن بأفعالنا، وبحسن اختيارنا. أما الوعود، فإنها حين تتداخل مع قسوة الأقدار، قد تصبح حملاً ثقيلاً." هزت السيدة فاطمة رأسها ببطء. "أتفهم مشاعركِ. طارق رجل كريم، وشجاع. ولكن، هل ترين أن حياته، وحياة عائلته، تسمح له بالارتباط بكِ في هذا الوقت؟ الحرب تترك آثارًا عميقة على الجميع، وتغير الأولويات. وأنتم، بعد كل ما حدث، تحتاجون إلى الهدوء والسكينة."
"وهل السكينة تأتي بإنكار ما نشعر به؟" سألت لمياء بعينين دامعتين.
"السكينة تأتي بالصبر، وبالثقة بأن الله لديه الأفضل لنا. أحياناً، ما نظنه خسارة، يكون بابًا لخير أكبر. وأحياناً، ما نظنه لقاءً، يكون اختبارًا للصبر والإيمان."
استقامت لمياء، وشعرت ببعض الراحة من حديث جدتها، لكنها لم تتخل عن تصميمها. كانت تعلم أن عليها أن تواجه طارق. أن تتحدث معه بصدق، وأن تسمع منه.
في تلك الأثناء، كان السيد عبد الله في مكتبه، يراجع أوراقًا مالية بالية. وصله اتصال هاتفي. كان المتصل هو السيد جابر.
"السيد عبد الله، كيف حالك؟" جاء صوت جابر، هادئًا، ولكنه يحمل في طياته سعيًا لا يخفى.
"الحمد لله، سيد جابر. تفضل." رد عبد الله، وقد استشعر نبرة معينة في صوت جابر.
"أتيتك اليوم لأؤكد لك عروضي. إنها فرصة لا تعوض. أرى أن عملكم يعاني، وأنا أرغب في مد يد العون. مقابل هذه المساعدة، نحتاج فقط إلى ثقتكم، وبعض التنازلات البسيطة في الاتفاقيات التجارية المستقبلية."
"التنازلات البسيطة قد تكون في الواقع عقودًا ثقيلة، سيد جابر." رد عبد الله بحذر. "لا أحب أن أتورط في التزامات قد تضرني على المدى الطويل."
ضحك جابر ضحكة قصيرة. "المدى الطويل بعيد المنال في زمن الحرب يا سيدي. ما يهمنا هو البقاء على قيد الحياة اليوم. وما أقدمه لك هو فرصة للبقاء. وإلا، فإنكم ستغرقون. وأنا لا أرغب في رؤية هذا."
"وما الذي يضمن لي أنك لا تسعى إلى استغلال حاجتي؟" سأل عبد الله مباشرة.
"ثقتي بك، يا سيدي. وسمعتكم الطيبة. أنا أرغب في شراكة، لا في ابتزاز. ولكن، عليّ أن أكون صريحًا. لديّ أطراف أخرى تطلب خدماتي، وقد أضطر لتقديم عروضي لهم قريبًا." كان تهديدًا مبطنًا.
كان عبد الله يشعر بأن الوقت يداهمه. كان لديه فواتير مستحقة، ورواتب متأخرة. لم يكن يملك الرفاهية لرفض عرض كهذا. "حسناً، سيد جابر. سأطلب من ابني عمر مراجعة التفاصيل معكم. ولكن، أرجو أن تتفهموا أنني لن أوقع على أي شيء لا يبدو عادلاً."
"بالتأكيد، بالتأكيد. العدل أساس التعاملات." رد جابر، وابتسامة خفية تشق طريقه إلى صوته. "أتمنى لكم الخير."
انتهى الاتصال. شعر عبد الله بثقل جديد يضاف إلى أعبائه. كان هذا القرار مصيريًا. هل سيمنحهم جابر فرصة للنجاة، أم سيقودهم إلى دوامة لم يستطيعوا الخروج منها؟
في فترة الظهيرة، كان طارق يجلس في مقهى مهجور، ينتظر. كان المكان يبدو كأنه شاهد على أيام أفضل، قبل أن تلقي الحرب بظلالها. كان يرتشف قهوته ببطء، وعيناه تتأملان الطريق، يبحث عن وجه لمياء. كان قلبه قلقًا، لكنه يحمل أملًا.
وصلت لمياء. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكنها كانت تبدو كالأميرات. قابلته بنظراتها، وفجأة، شعر كأن كل الأرقام والمسؤوليات تختفي.
"لمياء..." قال طارق، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه. "انتظرتك."
"وأنا انتظرت هذه اللحظة." ردت لمياء، وجلست مقابله. "طارق، هناك الكثير مما يجب أن نتحدث عنه."
"أعلم." قال طارق. "لقد فكرت كثيرًا. في كل ما حدث. في كل ما أصبحت عليه."
"وكيف أصبحت؟" سألت لمياء بصوت خافت، وكأنها تخشى الإجابة.
"أصبحت أقوى، وأكثر حكمة. ولكن، لم أنسَ أبدًا... لم أنسَ وعدي. ولا... لم أنسَكِ." نظر إليها مباشرة. "لقد كنتِ وما زلتِ في قلبي. ولكن، الحرب... الحرب قد غيرت كل شيء. والدي، عائلتي... نحن نمر بأوقات عصيبة."
"وأنا أيضًا يا طارق. عائلتي. مسؤولياتي." قالت لمياء، وشعرت بأن العالم يضيق حولهما. "ولكن، هل هذا يعني أننا يجب أن نستسلم؟ أن نتخلى عن ما نشعر به؟"
"لا أستطيع أن أقول لكِ ذلك." تنهد طارق. "لكنني أستطيع أن أقول لكِ أنني لا أملك الكثير لأقدمه لكِ الآن. ما أملك هو قلبي، وولائي، وعزيمتي. ولكن، المستقبل... غامض."
"وأنا لا أريد الكثير. أريد فقط أن أكون معك. أن أتقاسم معك ما لديك. سواء كان قليلًا أو كثيرًا." قالت لمياء، وكلماتها تحمل صدقًا عميقًا. "حتى لو كان مجرد بصيص أمل في هذا الظلام."
ابتسم طارق ابتسامة حقيقية هذه المرة. "لمياء، أنتِ أملي. ولكن، هل تعلمين ما هي المخاطر؟ عائلتي، أنا... قد نكون في مرمى الخطر. ما أعمل عليه الآن، لا يرضي الكثيرين."
"وما الذي تعمل عليه؟" سألت لمياء باهتمام.
"أعمل على... إعادة بناء شيء ما. شيء فقدناه. شيء يحتاج إلى عودة. إنه عمل شاق، ويتطلب تضحيات. وقد يتطلب الابتعاد مرة أخرى."
صدمت لمياء. الابتعاد مرة أخرى؟ كيف يمكن أن تتحمل ذلك؟
"ولكن، إذا كنتِ مستعدة... إذا كنتِ مستعدة للمخاطرة معي... إذا كنتِ تؤمنين بنا... فسوف نبني هذا الشيء معًا. خطوة بخطوة."
نظرت لمياء إلى طارق. رأت في عينيه تصميمًا، وحبًا، وخوفًا. رأت فيه رجلًا يعيش في صراع دائم، ولكنه يحمل في قلبه نورًا.
"أنا مستعدة يا طارق." قالت لمياء، وصوتها قوي وحازم. "أنا مستعدة لأن أكون معك. لأن أؤمن بنا. وأن أبني معك، مهما كانت التضحيات."
تبادل الاثنان نظرات طويلة، نظرات تحمل كل معاني الوعود، والأحلام، والمخاوف. كانا يقفان على حافة منحدر، ولكن، كان لديهما بعضهما البعض. كانا يعلمان أن موازين القوى قد بدأت تتغير، وأن قلبيهما قد تعاهدا على تحدي الأقدار.