حب في زمن الحرب الجزء الثاني
ظل الذكريات وصوت الحنين
بقلم فاطمة النجار
ارتدت ليلى عباءتها السوداء، التي بالكاد كانت تخفي تحتها أثر التراب والغبار الذي التصق بثيابها طوال اليوم. كانت خطواتها سريعة، متوجهةً نحو مدخل المخيم، حيث كانت السيارات العسكرية المتهالكة قد بدأت تتجمع، تنبئ بوصول القافلة المنتظرة. لم يكن وصول شخصياتٍ عسكريةٍ أو مسؤولين أمراً غريباً في هذه المنطقة، فقد اعتادوا على مرورهم، وعلى ما يصاحب ذلك من إجراءاتٍ أمنيةٍ مشددة، وتغييراتٍ مؤقتةٍ في نمط الحياة الهادئ نسبياً. لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفاً. كان هناك توترٌ غريبٌ يلف المكان، لا يفسره سوى اسمٌ واحدٍ تردد في أرجاء المركز الطبي: يوسف.
كانت الشمس قد غاصت في الأفق، تاركةً السماء بلونٍ قرمزيٍ عميق، يتماهى مع لون القلوب المتوجسة. وصلت ليلى إلى حيث يقف خالد، وكان يقف بجانبه عددٌ من الجنود، يراقبون اقتراب السيارات بحذر. لم يكن الظلام قد استولى بالكامل على المنطقة، ولا يزال بإمكانها رؤية ملامح الرجال الذين كانوا يتحركون ببطء، وهم ينزلون من السيارات، مرتديين زياً عسكرياً موحداً.
"هل هم وحدهم؟" سألت ليلى بصوتٍ خفيض، تمنع نفسها من الإفصاح عن لهفتها الممزوجة بالرهبة.
أومأ خالد برأسه. "نعم. يبدو أنهم في مهمةٍ خاصة. لا يرتدون شاراتٍ تعريفية واضحة، لكنني رأيت بعض الوجوه المألوفة من القيادة العليا."
ثم توقفت سيارةٌ واحدةٌ عن المسير، كانت تبدو أكثر فخامةً من بقية السيارات. فتح بابها ببطء، ونزل منها رجلٌ طويل القامة، يرتدي زياً عسكرياً داكن اللون. لم تستطع ليلى رؤية وجهه بوضوحٍ في البداية، بسبب ظلال الليل المتزايدة، لكن قوام الرجل، وطريقة مشيته، أثارت في نفسها شعوراً غريباً، مزيجاً من الارتياح وعدم التصديق.
"إنه هو." همست ليلى، وكأنها تحدث نفسها. "بالفعل، إنه هو."
اقترب الرجل، وها قد وضحت ملامحه. شعرٌ أسودٌ كثيف، يتماهى مع لون بشرته الأسمر، وعينان واسعتان، لا تزال تحملان نفس البريق الذي عرفته. كانت ابتسامةٌ خفيفةٌ ترتسم على شفتيه، ابتسامةٌ كانت يوماً ما شمسها المشرقة.
"يوسف." نطق الاسم مرةً أخرى، هذه المرة بصوتٍ أعلى قليلاً، وبحركةٍ لا إراديةٍ من يدها، وكأنها تمد يدها لتلمس ذلك الوجه الذي استحضرته من غياهب الزمن.
توقف يوسف للحظة، وكأنه شعر بشيءٍ ما، ثم التفت ببطءٍ نحو مصدر الصوت. اتسعت عيناه قليلاً حينما رأى ليلى واقفةً أمامه. كانت الدهشة باديةً على وجهه، ممزوجةً بنوعٍ من الاستغراب.
"ليلى؟" قال يوسف، وصوته يحمل نفس العمق الذي افتقدته، لكنه كان يحمل أيضاً نبرةً لم تعد تحمل نفس الدفء الذي عرفته. "هل أنتِ هنا؟"
اقترب يوسف منها، ووقف أمامها بمسافةٍ قصيرة، تاركاً فراغاً صامتاً بينهما، فراغاً امتلأت به سنواتٌ من البعد، وأحداثٌ عصفت بمساراتهما. كانت ليلى تنظر إليه، عقلها يتسابق لتفسير هذا اللقاء المفاجئ. لم تكن مستعدةً لهذا. لم تكن تعرف كيف تتصرف.
"نعم، أنا هنا." أجابت ليلى، محاولةً أن تبدو هادئةً، لكن قلبها كان يضرب بقوةٍ كأنه يريد أن يخرج من صدرها. "في أي خدمةٍ يا سيادة المقدم؟"
لم يعجبها التغيير في لهجته، فقد كان يخاطبها باللقب العسكري، وهو ما لم يكن يحدث أبداً في الماضي. كان ذلك بمثابة جدارٍ شفافٍ أقيم بينهما، جدارٌ من السلطة والمسؤولية.
"ليلى، لا تضعي هذه المسافة." قال يوسف، وعينيه تبحثان في عينيها عن شيءٍ مفقود. "ما زلتِ ليلى، أليس كذلك؟"
"لقد تغيرت الأزمان يا يوسف. وتغيرت معها الأشياء." أجابت ليلى، وشعرت بمرارةٍ تتسرب إلى صوتها. "هذه منطقة حرب. والكل هنا له دوره."
تنهد يوسف، وتلاشى أثر الابتسامة عن وجهه. "أعرف ذلك. لهذا السبب أنا هنا. لكنني لم أتوقع أن أراكِ بهذه الحال."
"بأي حالٍ تقصد؟" سألت ليلى، وقد بدأت الغضب يختلط بحزنها. "هل كنت تتوقع أنني سأتوقف عن العمل؟ أنني سأبقى مختبئةً خلف الأنقاض؟"
"لا، بالطبع لا. كنت أعرف أنكِ قوية. لكن رؤيتكِ هنا، بهذا المكان ... تشعرني بالارتياح، وببعض الندم." قال يوسف، ونظرته تابت عليه.
"ندم؟ على ماذا؟" سألت ليلى، تشعر بأن هذا اللقاء يفتح أبواباً كانت تتمنى لو بقيت مغلقة.
"على كل شيءٍ حدث. وعلى كل شيءٍ لم يحدث." أجاب يوسف، ونبرته تحمل أسفاً صادقاً.
في تلك اللحظة، اقترب خالد، وكأنه شعر بالتوتر الذي يخيم على المكان. "سيادة المقدم، هل تفضلون الانتقال إلى مقر القيادة؟ لقد جهزنا لكم بعض الوجبات الخفيفة."
نظر يوسف إلى خالد، ثم عاد بنظره إلى ليلى. "بالطبع. يجب أن نناقش أمور المهمة." ثم التفت إلى ليلى مجدداً. "هل تسمحين لي بزيارة المركز الطبي؟ أرغب في رؤيته."
أومأت ليلى برأسها، وكان قلبها يتخبط. "بالتأكيد. تفضل."
وبينما كانوا يسيرون باتجاه المركز الطبي، كان صمتٌ ثقيلٌ يخيم على ليلى. كانت تتذكر كل شيء. تتذكر كيف بدأت علاقتهما، كيف كانت أحلامهما متشابكة، وكيف تفرقت بهما السبل. لم تكن الحرب وحدها السبب، بل كانت هناك أسبابٌ أخرى، أسبابٌ تتعلق بالظروف، وبالمسؤوليات، وبالخوف.
عندما دخل يوسف إلى المركز الطبي، استقبلته وجوهٌ شاحبة، ومرضى أنهكهم الألم. كانت الأضواء الخافتة تلقي بظلالٍ غريبة على المكان. كان يوسف ينظر حوله، وكأنما يبحث عن شيءٍ مألوف، عن شيءٍ يذكره بأيامٍ مضت.
"المكان يبدو أفضل مما كنت أتوقع." قال يوسف، وهو يشير إلى المعدات الطبية المحدودة. "لقد فعلتِ الكثير بهذه الإمكانيات القليلة."
"هذا واجبي." ردت ليلى، وشعرت بارتياحٍ بسيطٍ لمدحه. "نحن نبذل قصارى جهدنا."
ثم توقف يوسف أمام طاولةٍ عليها بعض الأدوات الجراحية. "أتذكرين كيف كنتِ تساعدينني حينما كنتُ أتدرب على الإسعافات الأولية؟ كنتِ دائماً تسألين عن كل تفصيل."
ابتسمت ليلى ابتسامةً خافتة. "كنتُ مهتمةً بمعرفة كل شيءٍ عن طب الجراحة. حينها، كنتُ أحلم بأن أكون بجانبك، في كل خطوةٍ تخطوها."
"واليوم، أجدكِ هنا، تجرين هذه العمليات، وتقومين بهذا الدور العظيم." قال يوسف، وعيناه تحملان تقديراً عميقاً. "لقد كنتِ دائماً الأقوى."
"القوة تأتي من الحاجة، يا يوسف. حينما لا تجد من يحميك، تصبح أنتَ حامياً لنفسك ولغيرك." قالت ليلى، وشعرت بأن كلمات يوسف تلمس أوتاراً حساسةً بداخلها.
كان الحديث بينهما ينساب ببطء، يتخلله صمتٌ طويل، وصمتٌ آخر أكثر طولاً. كل كلمةٍ تحمل وزناً، وكل نظرةٍ تحمل معاني. كانت ليلى تشعر بأنها تقف على حافة بركانٍ خامل، لا تعلم متى سينفجر.
"متى ستغادرون؟" سألت ليلى فجأة، وقد شعرت بأنها لا تستطيع تحمل هذا القرب الممزوج بالبعد أكثر من ذلك.
"لا أعرف متى تنتهي مهمتنا." أجاب يوسف، وبدا عليه بعض التردد. "ربما بضعة أيام. ربما أكثر."
"حسناً." قالت ليلى، وشعرت بأن هذا الجواب لا يريحها. "سأكون هنا، إذا احتجتم لأي شيء."
"أعلم ذلك." قال يوسف، ونظر إليها بتمعن. "أعلم أنكِ لن تتخلي عن واجبكِ أبداً."
غادر يوسف المركز الطبي، تاركاً وراءه ليلى واقفةً وسط المكان، وقلبها يخفق كطائرٍ محبوس. كانت تعرف أن هذا اللقاء لم يكن مجرد لقاءٍ عابر. كان بدايةً لشيءٍ ما. شيءٌ قد يعيد ترتيب حياتها، أو قد يعيدها إلى الوراء. ظلال الذكريات كانت تتراقص حولها، وصوت الحنين يهمس في أذنيها.