حب في زمن الحرب الجزء الثاني
لقاء الأرواح واجتماع المصائر
بقلم فاطمة النجار
اجتمع الأفق المظلم بألوانه الداكنة، والسمفونية الصامتة للحرب التي تستعر في الأنحاء، لترسم لوحة استثنائية في ذلك المساء. في منزل عائلة السيد عبد الله، كانت الأجواء مشحونة بالترقب. لمياء، بعد لقائها بـ طارق، كانت تشعر بأن روحها قد تحررت من قيود الخوف، لكنها أصبحت أيضًا أكثر هشاشة.
جلست لمياء مع والدتها، أمينة، في الغرفة. كانت والدتها تراقبها بعينين تحملان مزيجًا من القلق والتفهم.
"لقد تحدثتِ مع طارق؟" سألت أمينة بهدوء.
أومأت لمياء برأسها. "نعم يا أمي. تحدثنا. و... لقد قررنا. سنكون معًا."
نظرت أمينة إليها، ورأت في عيني ابنتها إصرارًا لا يمكن كسره. "معًا؟ وهل هذا القرار سيؤثر على العائلة؟ على مسؤولياتك؟"
"أعلم يا أمي. إنه قرار صعب. ولكنه قرار القلب. طارق... لديه عمل مهم. عمل فيه مخاطر. وقد يحتاج إلى الابتعاد مجددًا."
اتسعت عينا أمينة. "الابتعاد؟ بعد كل هذا؟"
"نعم. ولكنه وعد بأنه سيفعل كل ما في وسعه للبقاء. وللبقاء بقربي. وأنا... أريد أن أكون بجانبه. أن أقدم له الدعم."
تنهدت أمينة. "يا لمياء، لا تفهميني خطأ. أنا أحب أن أراكِ سعيدة. ولكن، في هذه الأوقات... لا يوجد شيء اسمه 'البقاء بقرب أحدهم' بسهولة. الحرب تفرق. وتغير. وقد تجعل الوعود هشة."
"ولكننا سنحاول يا أمي. سنحاول أن نجعل وعدنا قويًا. وأن نكون أقوياء معًا." قالت لمياء، وكأنها تقنع نفسها أكثر مما تقنع والدتها. "طارق... لديه أعداء. ليس فقط في الحرب، بل في الخفاء أيضًا."
"أعداء؟" تكررت أمينة الكلمة بدهشة.
"نعم. ما يعمل عليه... يتطلب تضحيات كبيرة. وقد يضعه في مواقف خطرة."
جلست أمينة بجانب لمياء، وأمسكت بيدها. "يا ابنتي، أعلم أنكِ تحبين طارق. وأعلم أن طارق رجل جيد. ولكن، في هذه الحياة، لا تكفي النوايا الحسنة. هناك قوى أكبر، وأحداث أكبر، قد تتجاوز قدرتنا على التحكم."
"ولكن، يا أمي، إذا لم نحاول، كيف سنعرف؟ ألا يعطينا إيماننا الأمل؟"
"الإيمان يعطينا القوة للصبر، يا لمياء. ولكن، القوة تتطلب أيضًا حكمة. وحذرًا. خاصة عندما يتعلق الأمر بمن نحب."
في تلك الأثناء، كان السيد عبد الله وعمر يجلسان في غرفة المجلس، يتابعان تطورات عرض السيد جابر.
"يا أبي، السيد جابر أرسل لنا المسودة النهائية للعقد." قال عمر وهو يقلب الأوراق. "الشروط تبدو جيدة. بل، جيدة جدًا. لديهم قدرة استثمارية عالية، وهذا ما نحتاجه."
نظر عبد الله إلى العقد، وشعر بأن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. "جيدة جدًا، قلتم؟ السيد جابر ليس معروفًا بكرمه غير المشروط، عمر. ما الثمن الحقيقي لهذه 'الجودة'؟"
"لقد ناقشت معه بعض النقاط. ويبدو أنه يفضل التركيز على القطاعات التي تعود عليه بالربح الأسرع. ولكن، يمكننا أن نتجنب ذلك، بأن نحدد بدقة مجالات الاستثمار."
"وهل تثق بقدرتك على تحديد كل شيء؟" سأل عبد الله. "السيد جابر رجل ذكي، وله شبكة علاقات واسعة. قد تجد نفسك، وعائلتك، متورطين في أمور لم تخطر ببالك."
"يا أبي، نحن في وضع صعب. لا يمكننا أن ننتظر. هذا العرض هو فرصة ذهبية للخروج من الأزمة. ولإعادة بناء ما تدمر."
"إعادة بناء، أم إعادة بناء على أسس أخرى؟" تمتم عبد الله. "أخشى يا عمر أن هذه 'الفرصة الذهبية' قد تكون حبلًا مشنقة."
"لا يا أبي. إنه استثمار. استثمار لنا. ولديه أيضًا مصلحة في رؤيتنا ننجح."
"مصلحته... وهي أي شيء غير ما يظهر؟"
"نحن سنتعامل مع الأوراق. سنتعامل مع العقود. وسنحتفظ بالسيطرة بقدر الإمكان."
تنهد عبد الله. لقد رأى في عيني ابنه تصميمًا، ورغبة في إنقاذ العائلة. لكنه رأى أيضًا بعض الاستهتار بالواقع. "حسناً. سنراجع العقد بدقة. وسنتشاور مع بعض القانونيين. لا أريد أن نندم على قرار كهذا."
في صباح اليوم التالي، استيقظت لمياء مبكرًا. كانت تحمل في قلبها أملًا جديدًا، ولكن، أيضًا قلقًا عميقًا. كان طارق قد وعدها باللقاء مرة أخرى، لمناقشة تفاصيل ما سيحدث.
ذهبت لمياء إلى منزل طارق. كانت تعلم أنه يسكن في حي متواضع، لكنه كان بيتًا هادئًا، يحمل في جدرانه حكايات. وجدته ينتظرها في ساحة صغيرة، حيث أشجار التين والزيتون.
"طارق." قالت لمياء، وقد بدت سعيدة برؤيته.
"لمياء. تفضلي." قال طارق، وأشار إلى مقعد حجري صغير. "لقد فكرت كثيرًا في كلامك. وفي كلامي."
"وأنا أيضًا." قالت لمياء، وهي تجلس بجانبه. "ما الذي قررته؟"
"قررت أن هذا الحب، وهذا الارتباط، يستحق أن نحاول. ولكن، عليّ أن أكون صريحًا معكِ. ما أعمل عليه... قد يكون خطيرًا جدًا. هناك من يريدون إيقافي. ومنهم من لديهم سلطة كبيرة."
"من هم؟" سألت لمياء، وقد بدأت تشعر بالخوف.
"ليسوا مجرد أشخاص في الحكومة. هناك شبكات تعمل في الخفاء. تهتم بالمصالح، وبالسلطة. وما أعمل عليه... يهدد هذه المصالح."
"ولماذا أخبرتني كل هذا؟"
"لأنكِ ستبقين في قلبي. ولأنني لا أريد أن أدخل حياتكِ في خطر لا تعرفين أبعاده. أريد أن تدركي حجم التضحية التي قد تطلب منكِ."
"التضحية؟"
"نعم. قد نحتاج إلى الاختباء. قد نحتاج إلى التغيير. وقد نحتاج إلى السفر مرة أخرى، ولكن هذه المرة، ليس في رحلة بحث، بل في رحلة هروب."
تجمدت لمياء في مكانها. الهروب؟ السفر مرة أخرى؟
"ولكن... طارق. إذا كان الأمر خطيرًا إلى هذا الحد، لماذا لا تتوقف؟"
"لأن ما أعمل عليه... هو إنقاذ. إنقاذ للكثيرين. إنقاذ لمستقبل. ولا يمكنني التوقف. إنني مدين بذلك لمن أحب، ولمن يؤمنون بي."
"وماذا عني؟ ألا تدين لي بشيء؟" سألت لمياء، ودموعها بدأت تتساقط.
"أدين لكِ بحبي. ودينكِ أن أكون صادقًا معكِ. وأن أجعلكِ تشاركينني في هذه الرحلة، إذا اخترتِ ذلك."
نظرت لمياء إلى طارق. رأت فيه رجلًا يؤمن بقضيته، رجلًا لا يخشى المخاطر. رأت فيه حبًا لم تستطع تجاهله.
"أنا اختار أن أكون معك يا طارق." قالت لمياء، وصوتها كان مليئًا بالعاطفة. "أنا اختار أن أشاركك هذه الرحلة. مهما كانت. لأن حبي لك، إيماني بك، أقوى من أي خوف."
ابتسم طارق، وضمها إلى صدره. كان عناقًا مليئًا بالحب، وبالوعد، وبالاعتراف بأن الحياة التي اختاروها لن تكون سهلة. لقد كان لقاء الأرواح، واجتماع المصائر، في لحظة محورية.