حب في زمن الحرب الجزء الثاني
غيمة الأمل ووشاح الترقب
بقلم فاطمة النجار
كانت شمس الصباح ترسل أشعتها الذهبية لتمسح وجوه النائمين، لكن النوم لم يزر جفون ليلى تلك الليلة. كانت قد قضت ساعاتٍ طويلةً تتأمل سقف خيمتها، وعقلها يتصارع مع ذكريات الماضي، وحاضرٍ غامضٍ رسمه وصول يوسف. لم يكن مجرد وصوله حدثاً عابراً، بل كان أشبه بزوبعةٍ قلبت هدوء حياتها المستقر، رغم كل ما فيه من اضطراب.
كانت تشعر بمزيجٍ من المشاعر: فرحةٌ دفينةٌ لرؤيته مرةً أخرى، قلقٌ من التداعيات المحتملة، وربما ... شيءٌ أعمق، شيءٌ كانت قد حاولت دفنه طويلاً. كان يوسف يمثل لها حلماً لم يكتمل، وفرصةً ضاعت، ووعداً غاب. الآن، وهو هنا، أمامها، تحمل المسؤولية، وترتدي زي الجيش، شعرت بأن العالم قد انقلب رأساً على عقب.
انتهت صلاة الفجر، والتف حولها عددٌ قليلٌ من نساء المخيم، ليؤدين صلاتهن معاً. كانت ليلى دائماً تسعى للحفاظ على هذه العادات الطيبة، فهي بالنسبة لها صلةٌ بالواقع، وطمأنينةٌ للروح.
"هل وصل ضيوفنا؟" سألتها "أمينة"، امرأةٌ مسنةٌ وجهها يروي قصةً طويلةً من الشقاء، لكن عينيها تحملان بريقاً من الحكمة.
"نعم، لقد وصلوا بالأمس." أجابت ليلى، وهي تربت على يد أمينة. "رجلٌ مهمٌ من القيادة، برفقة وفدٍ عسكري."
"أتمنى أن يجلبوا معهم الخير، وليس المزيد من البلاء." قالت أمينة، ثم نظرت إلى السماء. "فقد سئمنا البلاء."
"سنحتسب أجرنا عند الله." ردت ليلى، وهي تشعر بصدق كلمات أمينة.
بعد الإفطار، توجهت ليلى إلى المركز الطبي، لتفقد جرحاها. كان "خالد" ينتظرها، وعيناه تحملان نظرةً من القلق.
"ليلى، لقد طلب المقدم يوسف زيارة المركز الطبي مجدداً هذا الصباح." قال خالد، وهو يمسح جبينه. "وهو يحمل معه ... بعض المساعدات."
"مساعدات؟" كررت ليلى، متفاجئة.
"نعم. أدويةٌ، ومعداتٌ جديدة. يبدو أنه ليس مجرد زيارةٍ تفقدية." قال خالد، وعلامات الارتياح بدأت ترتسم على وجهه. "هذا سيحدث فرقاً كبيراً."
شعرت ليلى ببعض الارتياح أيضاً. ربما كان وصول يوسف يحمل بالفعل بعض الخير. ربما كانت الأيام القادمة تحمل بصيص أملٍ في هذا المكان الملبد بالغيوم.
عندما وصل يوسف، كان يرتدي زياً عسكرياً بسيطاً، وخلفه رجلان يحملان صناديقَ مليئةً بالأدوية والمستلزمات الطبية. لم يكن يحمل نفس الصرامة التي أظهرها بالأمس، بل كان يحمل ابتسامةً أكثر دفئاً، وعينيه تتفحصان المكان بتروٍ.
"صباح الخير." قال يوسف، ونبرته كانت أكثر هدوءاً. "أتمنى ألا أكون قد أزعجتكم مبكراً."
"صباح النور، سيادة المقدم. على العكس، أنت تحمل أخباراً سارة." أجابت ليلى، وهي تشير إلى الصناديق. "هذه المساعدات ستحدث فرقاً كبيراً."
"هذا أقل ما يمكن تقديمه." قال يوسف، ثم بدأ يفرغ الصناديق بنفسه، يساعده خالد.
كانت ليلى تراقب يوسف وهو يعمل، تشعر بمزيجٍ من الفخر والتساؤل. كيف تحول هذا الشاب الذي عرفته، هذا الطالب الذي كان يحلم بمستقبلٍ مبهم، إلى هذا الرجل القوي، المسؤول، الذي يحمل على عاتقه أعباءً كبيرة؟
"لقد أصبحتِ قائدةً للمركز الطبي." قال يوسف، وعيناه تلتقيان بعيني ليلى. "أتذكرين، حينما كنتِ تخافين من إعطاء الحقن؟"
ضحكت ليلى ضحكةً خفيفة، ارتسمت على وجهها. "كانت تلك الأيام مختلفة. كانت المسؤولية أخف."
"لكن رؤيتكِ الآن، وأنتِ تديرين كل هذا، وتتعاملين مع هذه الظروف الصعبة ... أشعر بالفخر بكِ." قال يوسف، وصوته كان صادقاً.
"الشكر لله، ثم للعمل الدؤوب." قالت ليلى، وشعرت بأن مشاعرها تجاهه بدأت تتغير. لم يعد مجرد رجلٍ من الماضي، بل أصبح شخصاً يحمل إنجازاتٍ، ويشعر بالمسؤولية.
"كيف حال عمك؟" سأل يوسف فجأة، وكأنه تذكر شيئاً مهماً. "أبو صالح. ما زال هنا؟"
"نعم، إنه بخير، الحمد لله. بالكاد يتحرك، لكن روحه قوية." أجابت ليلى، وهي تشعر بأن هذا السؤال ينم عن اهتمامٍ حقيقي.
"علينا زيارته." قال يوسف، وقد ارتسمت على وجهه نيةٌ صادقة.
وبالفعل، بعد إنهاء تفريغ المساعدات، توجه يوسف وخالد وليلى لزيارة عم ليلى، أبو صالح. كان الرجل العجوز جالساً أمام خيمته، يتأمل الشمس المشرقة. حينما رأى يوسف يقترب، ابتسم ابتسامةً واسعة.
"أهلاً بك يا بني! يا مرحبا!" قال أبو صالح، بصوتٍ قوي رغم ضعف جسده. "لقد سمعتُ بوصولك. أهلاً بك في بيتكم."
احتضن يوسف الرجل العجوز بحرارة، وشعر أبو صالح بالارتياح. "لقد كبرت يا بني، وأصبحت رجلاً. أتذكر عندما كنتَ طفلاً صغيراً، تأتي إلى هنا لتلعب مع ليلى؟"
"أذكر جيداً يا عمي. كانت أياماً جميلة." أجاب يوسف، وعيناه تلمعان بذكرياتٍ قديمة.
دار حديثٌ بين يوسف وأبو صالح، عن الأوضاع، وعن الأمل في المستقبل. كانت ليلى تقف جانباً، تستمع، وتشعر بأن هذا اللقاء يعيد ترميم جزءٍ مكسورٍ في حياتها. كان وصول يوسف، لا يبدو مجرد مهمةٍ عسكرية، بل أشبه بعودةٍ إلى الجذور، وإعادةٍ لروابطٍ قديمة.
"المنطقة تحتاج إلى دعمٍ أكبر." قال يوسف، وقد عاد إلى جديته. "نحن نعمل على خطةٍ طويلة الأمد لإعادة الإعمار. لكننا نحتاج إلى وقتٍ وجهد."
"الوقت والصبر هما رفيقا المؤمن." قال أبو صالح، بثقة. "وبإذن الله، ستعود الأمور إلى سابق عهدها، بل وأفضل."
عاد يوسف إلى مقر قيادته المؤقت، تاركاً ليلى تشعر بأن غيمةً من الأمل قد انتشرت فوق سماء مخيمهم، وأن وشاح الترقب لشيءٍ قادم، قد نسج نفسه حول قلوبهم. لم تكن تعرف ما الذي يحمله المستقبل، لكنها شعرت بأن وصول يوسف لم يكن مصادفةً. كان قدراً، يحمل في طياته معنىً أعمق.