الفصل 1 / 25

عيناك وطني

همسة في قلب الصحراء

بقلم مريم الحسن

كانت الشمس قد بدأت تنسحب خجلى خلف الأفق، تاركةً سماء الصحراء تتوشح بوشاحٍ من الألوان النارية، برتقالي، قرمزي، وأرجواني. نسيمٌ عليلٌ بدأ يعبث بخصلات شعرها الداكنة، وهي واقفةٌ على قمة تلٍ رملي، تتأمل امتداد الرمال الذهبية التي لا نهاية لها. لم تكن مجرد امرأةٍ تقف وتستمتع بمنظرٍ طبيعي خلاب، بل كانت أميرةً تبحث عن كنوزٍ أثمن من الذهب، كنوزٌ خلدتها القصص، وألهمت الأساطير.

كان اسمها "ليلى"، ورغم شبابها، إلا أن شجاعتها وذكاءها كانا يفوقان سنوات عمرها. قضت أيامها بين الكتب، تتعلم عن تاريخ قبيلتها العريق، وعن الحكايات التي تتناقلها الأجيال عن جدودها الذين عاشوا وعاشوا لهم في هذه الأرض الطيبة. لكن هذه المرة، لم تكن رحلتها بحثًا عن معرفةٍ فحسب، بل كانت بحثًا عن أثرٍ مفقود، عن قطعةٍ من تاريخ عائلتها، عن "خنجر الأجداد" كما أطلق عليه الأقدمون، قيل إنه يحمل في طياته أسرارًا وقوى استثنائية، وأنه دليلٌ على نسبٍ رفيعٍ وعهدٍ مقدس.

لم تكن ليلى وحدها في هذه المغامرة. كان معها "زيد"، ابن عمها، ورجلٌ عرفته منذ نعومة أظفارها. كان زيدٌ ذا بنيةٍ قوية، وعينين نافذتين، يتحدث قليلًا، لكن أفعاله كانت تسبق كلماته دائمًا. كان رفيق دربها المخلص، وسندها القوي، وإن كانت العلاقة بينهما تميل أحيانًا إلى الصداقة القوية، وأحيانًا أخرى إلى شيءٍ أعمق، شيءٌ لا تستطيع ليلى أن تسميه، لكنها تشعر به في خفقات قلبها عندما تتقاطع نظراتهما.

"هل أنتِ متأكدةٌ يا ليلى؟" سأل زيدٌ بصوته الرصين، وعيناه تجولان في الأفق الواسع، وكأنه يبحث عن أي دليلٍ قد يطمئن قلبه القلق. "لقد قطعنا مسافةً طويلة، والوقت يداهمنا."

ابتسمت ليلى ابتسامةً هادئة، واعتدلت في وقفتها. "كل المسافات في الصحراء تتحول إلى ذكرى يا زيد. وما نبحث عنه أثمن من أي مسافة. لقد أخبرتني جدتي عن هذه العلامة، عن صخرةٍ تشبه رأس صقرٍ ينظر إلى الشمال. ها هي، انظر!"

أشار زيدٌ نحو الجهة التي أشارت إليها ليلى. وبالفعل، بعد جهدٍ قليل، بدأت تتضح معالم صخرةٍ عملاقة، نحتتها يد الطبيعة لتشبه رأس صقرٍ ضخم، عيناه غائرتان، ومنقاره بارزٌ بقوة. كانت الصخرة تقف شامخةً كحارسٍ أبدي، تنظر بصرامةٍ نحو الشمال، حيث تقع سلسلةٌ من الجبال الوعرة.

"سبحان الخالق!" تنهد زيدٌ بإعجاب. "حقًا، إنها علامةٌ لا تخطئها عين. هل تعتقدين أن الكنز يقع في تلك الجبال؟"

"جدتي قالت إن الطريق يتطلب قلبًا شجاعًا وعقلًا راجحًا. وأن الصقر دليلٌ لمن يعرف كيف يتبع الإشارات." قالت ليلى، وبدأت تنزل من التل، وركبت ناقتها السوداء الأنيقة، التي كانت تنتظر بصبرٍ على بعد خطوات.

كانت ليلى لا تزال في أواخر العشرينيات من عمرها، لكنها كانت تحمل على عاتقها مسؤولياتٍ تفوق سنها. فقدت والديها في حادثٍ مفجعٍ قبل سنوات، وأصبحت هي المسؤولة عن إدارة ممتلكات العائلة، وعن رعايتها لشقيقها الصغير "يوسف"، الذي كان يمثل لها كل شيء. كانت تعلم أن استعادة "خنجر الأجداد" لن يعيد لها مجرد قطعةٍ أثرية، بل سيعيد لها جزءًا من هويتها، وسيمنحها القوة اللازمة لمواجهة التحديات التي قد تعترض طريقها.

كانت قافلةُ ليلى وزيدٍ صغيرةً، تتكون من بضعِ نياقٍ تحمل المؤن والماء، بالإضافة إلى رجلين من أهل الثقة، كانا يمثلان حمايةً إضافية. لكن ليلى لم تكن تخشى قلة العدد، فما تفتقر إليه في العدة، تعوضه في التصميم والعزيمة.

عندما وصلوا إلى سفح الجبال، كانت الشمس قد اختفت تمامًا، وبدأ الظلام يخيم على المكان. لكن القمر اكتمل، وبدا كقرصٍ فضيٍ ساطعٍ يصب نورًا هادئًا على الأرض. كان الجو باردًا، وبدأت ليلى تشعر ببعض التعب.

"علينا أن نجد مكانًا آمنًا للمبيت يا ليلى." قال زيدٌ وهو يقدم لها كوبًا من الماء. "الغد سيكون يومًا طويلًا."

"بالطبع." أجابت ليلى، وهي ترتشف الماء البارد. "لكن قبل ذلك، أريد أن أرى ما إذا كان هناك أي شيءٍ يمكن أن يدلنا على الطريق."

تسللت ليلى إلى الأمام، مصحوبةً بضوء القمر، وبدأت تتفحص جدران الجبل. كانت تبحث عن أي نقشٍ، أي رمز، أي شيءٍ يشبه ما قرأته في الكتب القديمة. وبعد دقائق من البحث، توقفت فجأةً.

"زيد! تعال!" نادت بصوتٍ خفيض، فيه نبرةٌ من الإثارة.

أسرع زيدٌ إليها، فوجدها تشير إلى نقشٍ باهتٍ، بالكاد يمكن رؤيته على الصخرة. كان النقش يمثل هلالًا تتوسطه نجمةٌ، وهو شعارٌ قديمٌ لقبيلتهم.

"هذا هو!" هتفت ليلى بفرح. "إنها بداية الطريق!"

ابتسم زيدٌ، وبدت على وجهه علامات الارتياح. "لطالما كنتِ أذكى مني في تتبع هذه الأمور يا ليلى. يبدو أن أجدادنا كانوا فنانين ماهرين في إخفاء أسرارهم."

"إنهم لم يخفوها يا زيد، بل تركوا لنا دلائل لمن لديه بصيرة." قالت ليلى، وبدأت تتأمل النقش بعمق. "غدًا، سنبدأ رحلتنا الحقيقية في قلب هذه الجبال."

بينما كانت ليلى تتأمل النقش، لم تنتبه إلى ظلٍ متحركٍ بعيد، على قمة جبلٍ آخر، يراقبها بصمت. كان هناك آخرون في هذه الصحراء، يبحثون عن نفس الشيء، ربما بقصدٍ مختلف. لكن ليلى، وعيناها اللتان تحملان بريق الأمل، كانت تركز على ما أمامها، على وعدٍ بالمجد، وعلى أثرٍ من الماضي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%