الفصل 11 / 25

عيناك وطني

همساتٌ في قلب الليل

بقلم مريم الحسن

كانت نسماتُ الليلِ الباردةِ تلفحُ وجهَ ليلى، وهي تقفُ على شرفةِ منزلِ جدتِها المطلةِ على بساتينِ الزيتونِ الممتدةِ إلى ما لا نهاية. تركتْ عينيها تجولانِ في الظلامِ المخملي، تستكشفانِ خيوطَ النجومِ المتلألئةِ في سماءٍ صافيةٍ، خاليةٍ من أي غيومٍ تسترُ جمالَها. تنهدتْ بعمق، تشعرُ بثقلِ الأفكارِ التي تجمعتْ في صدرِها كعقدٍ من اللآلئِ الثمينةِ، تتزينُ بها لياليها، لكنها في الوقتِ ذاتهِ تضغطُ على أحلامِها.

منذُ لقائِها الأخيرِ بـ "مالك"، والكلماتُ تترددُ في ذاكرتِها كصدىً جميلٍ، لكنها تحملُ في طياتِها أسئلةً عميقةً لم تجدْ لها جواباً بعد. كانَ اهتمامُهُ الظاهرُ بها، وعنايتُهُ المفرطةُ بتفاصيلِ حياتِها، كفيلينِ بجعلِ قلبِها يرقصُ فرحاً. إلا أنَّ طبيعتَهُ الغامضةَ، وسجلَّهُ المهنيَّ المجهولَ عن كثيرين، كانا يخلقانِ سحابةً رماديةً تخيمُ على سماءِ سعادتِها. هل كانَ حبّاً حقيقياً، أم مجردَ افتتانٍ عابرٍ؟ وهل يمكنُ لامرأةٍ مثلهَا، تسعى لبناءِ مستقبلٍ هادئٍ ومستقرٍ، أن تثقَ برجلٍ يبدو وكأنَّ ماضيهُ مكتوبٌ بأحرفٍ من ضباب؟

"ليلى؟ ما الذي يفعلُهُ قلبُكِ مستيقظاً إلى هذا الوقت؟"

دفعَها صوتُ جدتِها الحنونِ إلى واقعِها. استدارتْ ليلى، وابتسامةٌ باهتةٌ ارتسمتْ على شفتيها. "لا شيء يا جدتي، مجردُ أفكارٍ تتطايرُ كفراشاتِ الليل."

اقتربتْ الجدةُ، ووضعتْ يدها الدافئةَ على كتفِ ليلى. "الأفكارُ الجميلةُ لا تزعجُ النومَ، بل تزينُهُ. أما تلكَ التي تثقلُ الروحَ، فلها حلٌّ. ما الذي يشغلُ بالكِ يا ابنتي؟"

تلاقتْ عينا الجدةِ الحكيمتينِ بعيني ليلى، فرأتْ فيهما شيئاً من الارتباكِ والحيرة. عرفتْ الجدةُ أنَّ الأمرَ يتعلقُ بـ "مالك". لقد لاحظتْ التغييرَ الذي طرأَ على ليلى منذُ أنْ عرفتهُ، كيفَ ازدادتْ ابتسامتُها بريقاً، وكيفَ بدأتْ عيناها تتألقانِ بلمعانٍ لم تعهدهُ من قبل.

"إنهُ... مالكٌ يا جدتي." بدأتْ ليلى بصوتٍ مرتجفٍ قليلاً. "هو رجلٌ طيبٌ، ولطيفٌ، ويُظهرُ لي الكثيرَ من الاهتمام. لكنني... لا أعرفُ عنه الكثيرَ. هو محاطٌ بالغموضِ، ولا يتحدثُ كثيراً عن ماضيهِ أو عملِهِ."

أومأتْ الجدةُ ببطء، تفهمُ مخاوفَ حفيدتِها. "الغموضُ قد يكونُ جذاباً في البدايةِ، ولكنهُ قد يكونُ مصدراً للقلقِ على المدى الطويل. الثقةُ تبنى على الصدقِ والشفافيةِ، يا ليلى. هل تحدثتِ معهُ عن هذهِ المخاوف؟"

"حاولتُ. ولكنَّهُ يبتسمُ ويغيرُ الموضوعَ. يقولُ إنَّ المستقبلَ هو ما يهم، وأنَّ الماضي لا يعود."

"وهذا صحيحٌ إلى حدٍ ما،" قالتْ الجدةُ وهي تجلسُ على كرسيٍّ قريب. "ولكنَّ الماضيَ هو الذي يشكلُ الشخصَ، ويُعطي معناهُ للحاضرِ والمستقبل. لا يمكنُ لأحدٍ أنْ ينكرَ جذورَهُ. ولكنَّ المهمَّ هو كيفَ نتعاملُ مع هذهِ الجذورِ. هل هي مصدرُ قوةٍ أم ضعف؟"

سادَ صمتٌ طويلٌ، تكسرُهُ فقط أصواتُ الحشراتِ الليليةِ وهمساتُ الرياحِ بينَ أغصانِ الزيتون. نظرتْ ليلى إلى السماءِ، تتمنى لو كانتْ النجومُ تحملُ لها دليلاً، أو أنَّ القمرَ يهمسُ لها بكلماتٍ تطمئنُ قلبَها.

"مالكٌ قالَ لي إنَّهُ يريدُ أنْ يتقدمَ لخطبتي رسمياً قريباً." همستْ ليلى، وقد شعرتْ بأنَّ هذهِ الكلماتِ تحملُ ثقلاً هائلاً.

اتسعتْ عينا الجدةِ قليلاً، ثم ابتسمتْ ابتسامةً دافئة. "هذهِ أخبارٌ سارةٌ، يا ابنتي. هل أنتِ مستعدةٌ لهذهِ الخطوة؟"

"لا أدري يا جدتي. أنا معجبةٌ بهِ، وأشعرُ بارتياحٍ كبيرٍ في حضرتهِ. ولكنَّ هذهِ الأسئلةَ تمنعُني منْ الشعورِ بالاطمئنانِ التام. أخشى أنْ أمنحَ قلبيَ كاملاً، ثم أكتشفَ أنَّ هناكَ شيئاً كبيراً يغيبُ عني."

"الاختبارُ الحقيقيُّ للحبِّ، ليسَ في الأيامِ السعيدةِ والأوقاتِ الهادئةِ، بل في لحظاتِ الشكِّ والخوفِ، وكيفَ نتجاوزُها معاً. الثقةُ ليستْ شيئاً يُمنحُ مرةً واحدةً، بل يُكتسبُ معَ الوقتِ، بالصدقِ والأفعالِ. تحدثي معهُ مرةً أخرى، يا ليلى. وبأسلوبٍ مختلف. لا تسأليهِ عن ماضيهِ كأنكِ تحققينَ معهُ، بل كأنكِ تحاولينَ فهمَ كيفَ صنعَ شخصيتهُ الحالية. اسأليهِ عن رؤيتهِ للحياةِ، عن قيمهِ، عن أحلامهِ التي لا تتعلقُ بالعملِ فقط. فالحياةُ أكبرُ من مجردِ وظيفةٍ أو مال."

شعرتْ ليلى بأنَّ كلماتِ جدتِها تحملُ نوراً. لم تكنْ مجردَ نصائحَ، بل كانتْ مفاتيحَ لفهمٍ أعمق. لقد رأتْ في عيني جدتِها حكمةَ السنينِ، وحباً لا حدودَ لهُ.

"ربما يكونُ لديكِ حقٌّ يا جدتي. ربما يجبُ أنْ أبحثَ عن الصورةِ الكاملةِ، لا عن جزءٍ واحدٍ منها."

"تماماً. الرجلُ الصادقُ، والذي يحبُّ بصدقٍ، لن يخشى أنْ يفتحَ قلبَهُ لمنْ يحبُّ. والذينَ لديهم شيءٌ ليخفوهُ، هم الذينَ يبنونَ جدراناً حولَ أنفسهم."

وقفتْ ليلى، ومررتْ يدها على سياجِ الشرفةِ، تشعرُ ببرودةِ المعدنِ. "سأحاولُ التحدثَ معهُ مرةً أخرى. ولكنْ... ماذا لو لم يفتحْ قلبَهُ؟ ماذا لو استمرَّ في إخفاءِ ما يخفيه؟"

"حينها، يا ابنتي، ستعرفينَ أنَّ هذا الرجلَ ليسَ هو الرجلَ المناسبَ لكِ. وأنَّ حبَّكِ لنفسكِ، وصونِ قلبكِ، هو الأهم. ولا تظني أنَّ هذا فشلٌ. بل هو نجاحٌ في اختيارِ السعادةِ الحقيقيةِ، وبناءِ مستقبلٍ على أساسٍ متينٍ من الوعيِ والصدقِ."

عادتْ ليلى إلى غرفتِها، وشعورٌ جديدٌ بالثباتِ يغمرُها. لم تختفِ الأسئلةُ تماماً، ولكنَّها لم تعدْ تبدو كوحوشٍ تخيفُها. لقد أصبحتْ بوصلةً تقودُها نحو فهمٍ أعمق. نظرتْ إلى صورةٍ صغيرةٍ لـ "مالك" كانتْ قد احتفظتْ بها في هاتفِها. ابتسمتْ، وشعرتْ بأنَّ الأيامَ القادمةَ ستحملُ معها إجاباتٍ، سواءٌ كانتْ مريحةً أم لا. ولكنَّها كانتْ مستعدةً لمواجهةِ الحقيقةِ، مهما كانَ الثمن.

فالقمرُ في السماءِ، رغمَ سكونِهِ، يحملُ قصصاً لا تُعدُّ ولا تُحصى، ولمعانُ النجومِ يروي أسرارَ الكونِ. وليلى، في قلبِها، كانتْ تبحثُ عن قصةِ حبٍ تتناغمُ معَ هذهِ الأسرارِ، وتُضيءُ حياتَها كنجومِ السماءِ.

انتهى الفصلُ، تاركاً ليلى على عتبةِ قرارٍ مصيريٍّ، وعلى موعدٍ معَ "مالك" قد يغيرُ مسارَ حياتِها، إما إلى السعادةِ الغامرةِ، أو إلى رحلةِ بحثٍ جديدةٍ عن الذاتِ والحبِّ الصادقِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%