الفصل 12 / 25

عيناك وطني

لغةُ العيونِ وصدى الكلمات

بقلم مريم الحسن

في صباحٍ تملؤهُ أشعةُ الشمسِ الذهبيةِ التي تتسللُ من بينِ خيوطِ ستائرِ النافذةِ، استيقظتْ ليلى بقلبٍ خفيفٍ، تحملُ في جعبتِها عزيمةً جديدةً. بعدَ حديثِها معَ جدتِها، شعرتْ وكأنَّ غشاوةً قد زالتْ عن عينيها. لم تعدْ ترغبُ في التهربِ من الحقائقِ، بل أصبحتْ تسعى لفهمِها.

بعدَ صلاةِ الفجرِ، وتناولِ إفطارٍ خفيفٍ معَ جدتِها، جلستْ ليلى في غرفتِها، وهي تُمسكُ هاتفَها. ترددتْ للحظةٍ، ثم بدأتْ في كتابةِ رسالةٍ إلى "مالك". لم تكنْ رسالةَ عتابٍ، ولا طلبَ استجوابٍ، بل كانتْ دعوةً مفتوحةً للحوارِ.

"مرحباً مالك. أتمنى أنْ تكونَ بخير. أردتُ أنْ أقترحَ عليكَ لقاءً قريباً، عندما يسمحُ وقتُكَ. أودُّ أنْ أتحدثَ معكِ في بعضِ الأمورِ التي تشغلُ بالي، ليسَ بدافعِ الشكِّ، بل بدافعِ الرغبةِ في بناءِ علاقةٍ قويةٍ مبنيةٍ على الفهمِ المتبادلِ. أرجو أنْ تكونَ على استعدادٍ لفتحِ قلبِكَ قليلاً، كما طلبتُ منكَ من قبل."

بعدَ أنْ أرسلتِ الرسالةَ، شعرتْ براحةٍ مفاجئة. كأنَّها قد ألقتْ عبئاً كانَ يؤلمُها. قضتْ بقيةَ الصباحِ في مساعدةِ جدتِها في بعضِ الأعمالِ المنزلية، وفي قراءةِ كتابٍ دينيٍّ، تحاولُ أنْ تجعلَ قلبَها أقربَ إلى اللهِ، ليرزقَها التوفيقَ والسدادَ.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى وصلَها ردٌّ من "مالك". كانتْ الرسالةُ قصيرةً، ولكنَّها حملتْ نبرةَ جديةٍ لم تعهدها فيهِ.

"ليلى. وصلتْ رسالتُكِ. أقدرُ صدقَكِ ورغبتَكِ في الفهمِ. سأحاولُ أنْ أجدَ وقتاً مناسباً. هل يكونُ مساءَ الغدِ جيداً لكِ؟ في نفسِ المكانِ الذي اعتدنا اللقاءَ فيه؟"

شعرَتْ ليلى ببعضِ التوترِ، ولكنَّها لم تدعْهُ يسيطرُ عليها. "نعم، مساءُ الغدِ مناسبٌ جداً. سأكونُ بانتظارِكَ."

مرَّ اليومُ سريعاً، وفي كلِّ لحظةٍ كانتْ ليلى تتجهزُ نفسياً للحوارِ القادم. لم تكنْ مستعدةً لمواجهةِ "مالك" فحسب، بل كانتْ مستعدةً لاحتمالاتٍ متعددةٍ.

في مساءِ اليومِ التالي، ومعَ غروبِ الشمسِ الذي رسمَ لوحةً بديعةً من الألوانِ فوقَ الجبالِ، كانتْ ليلى قد وصلتْ إلى المكانِ المعتاد. كانَ المكانُ هادئاً، يفوحُ بعبقِ أزهارِ الياسمينِ التي كانتْ تتسلقُ جدرانَ المكانِ. جلستْ على مقعدٍ خشبيٍّ، تراقبُ الطريقَ، وقلبُها يخفقُ بسرعةٍ.

وصلَ "مالك" بعدَ فترةٍ وجيزةٍ. كانَ يرتدي ملابسَ بسيطةً، ولكنَّ حضورَهُ كانَ مهيباً. ابتسمَ لها ابتسامةً خفيفةً، ولكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ شيئاً من الجديةِ التي رأتها في رسالتِهِ.

"مساءُ الخيرِ يا ليلى." قالَ وهو يجلسُ بجوارِها. "مساءُ الخيرِ مالك." أجابتْ وهي تبتسمُ.

بدأَ الصمتُ يتسللُ بينهما، لكنَّهُ لم يكنْ صمتاً مريحاً كالعادة. كانَ صمتاً مليئاً بالترقبِ والأسئلةِ المعلقةِ.

"مالك،" بدأتْ ليلى بصوتٍ هادئٍ وثابت، "أردتُ أنْ أتحدثَ معكِ بصراحةٍ تامةٍ. أنا معجبةٌ بكَ جداً، وأرى فيكَ رجلاً صالحاً. ولكنَّني بحاجةٍ إلى أنْ أشعرَ بالاطمئنانِ التامِّ قبلَ أنْ أقدمَ على خطوةٍ مهمةٍ كهذهِ."

نظرَ "مالك" إليها، ثم قالَ بصوتٍ أعمقَ من المعتاد: "أعلمُ ذلكَ يا ليلى. وأعلمُ أنَّ لديَّ ما أخفيهِ. ولكنَّ الأمرَ ليسَ بهذهِ البساطةِ."

"ولكنْ، ما الذي يجعلُهُ غيرَ بسيطٍ؟" سألتْ ليلى، وعيناها لا تفارقانِ عينيهِ. "أنا لا أريدُ أنْ أتدخلَ في تفاصيلَ لا تعنيني، ولكنَّني أريدُ أنْ أعرفَ كيفَ تعيشُ حياتَكَ. كيفَ ترى مستقبلَكَ؟ ما هي الأشياءُ التي تهمُّكَ حقاً؟"

تنهدَ "مالك" بعمقٍ، ثم نظرَ إلى السماءِ المضاءةِ بالنجوم. "ليلى، حياتي كانتْ صعبةً في بعضِ جوانبِها. لم تكنْ سهلةً كحياةِ الكثيرين. لقد مررتُ بظروفٍ جعلتني أتعلمُ كيفَ أعتمدُ على نفسي، وكيفَ أحمي نفسي. وهذا جعلني أكونُ حذراً جداً فيمن أثقُ بهِ."

"وهل تعتقدُ أنني لستُ مؤهلةً لثقتِكَ؟" سألتْ ليلى، وقد شعرتْ بنبرةٍ من الحزنِ في صوتِها.

"لا، ليسَ هذا ما قصدتُهُ على الإطلاق." قالَ "مالك" بسرعةٍ. "بل العكسُ تماماً. إنَّ طيبتَكِ، وصدقَكِ، ورغبتَكِ في فهمي، هي ما جعلتني أقفُ هنا اليومَ، وأفكرُ في قولِ ما لم أقلْهُ لأحدٍ من قبل."

"فلتُخبرني إذن." قالتْ ليلى، وقد شعرتْ بأنَّ هذهِ اللحظةَ هي نقطةُ التحول.

"لقد نشأتُ في بيئةٍ مختلفةٍ عن بيئتِكِ، يا ليلى. بيئةٌ لم تعرفْ فيها معانيَ الاستقرارِ والراحةِ. لقد اضطررتُ للعملِ منذُ صغري، وأنْ أواجهَ الكثيرَ من التحدياتِ. هذا جعلني أتعلمُ كيفَ أبني نفسي بنفسي، وكيفَ أحققُ أهدافي دونَ مساعدةٍ. ولكنَّ هذا أيضاً جعلني أشكُّ في قدرتي على بناءِ علاقةٍ طبيعيةٍ، علاقةٍ مبنيةٍ على الحبِّ والثقةِ المتبادلةِ، لا على مجردِ المصالحِ أو الاعتمادِ."

"ولكنَّكَ الآنَ هنا. وتتحدثُ معي. وهذا يعني أنَّكَ تؤمنُ بإمكانيةِ ذلك." قالتْ ليلى، ونبرةُ الأملِ تزدادُ في صوتِها.

"نعم. وبسببِكِ." قالَ "مالك" وهو ينظرُ إليها بعمقٍ. "لقد رأيتُ فيكِ نقاءً وصدقاً قلَّما أجدهما في هذا الزمن. لقد رأيتُ فيكِ الطمأنينةَ التي كنتُ أبحثُ عنها. ولكنَّ هذهِ التجربةَ، وهذهِ الحذرَ الذي أشعرُ بهِ، يجعلُني أخافُ من أنْ أكونَ سبباً في تعاستِكِ. أخافُ أنْ أجلبَ لكِ متاعبَ لا تستحقينَها."

"كلُّ إنسانٍ لديهِ متاعبُ، مالك. المهمُّ هو كيفَ نتعاملُ معها، وكيفَ ندعمُ بعضنا البعضَ لتجاوزِها. أنا لا أريدُ رجلاً مثالياً، بل أريدُ رجلاً صادقاً، يحبُّ بصدقٍ، ويُقدرُ الحياةَ، ويُحاولُ أنْ يكونَ أفضلَ ما لديهِ. وأعتقدُ أنَّكَ كذلك."

ابتسمَ "مالك" ابتسامةً حقيقيةً هذهِ المرة، بدتْ وكأنَّها تضيءُ وجهَهُ. "ربما تكونينَ على حقٍّ يا ليلى. ربما يجبُ أنْ أحاولَ. أنْ أفتحَ قلبيَ لكِ."

"أنا أؤمنُ بكَ، مالك." قالتْ ليلى، ونبرةُ الثقةِ تملأُ صوتَها. "وأعتقدُ أنَّنا يمكنُ أنْ نبنيَ شيئاً جميلاً معاً، شيئاً يستحقُّ أنْ نُقاتلَ من أجلِهِ."

عادَ الصمتُ ليخيمَ بينهما، ولكنَّهُ هذهِ المرةَ كانَ صمتاً مريحاً، مليئاً بالأملِ والتفاهمِ. شعرَتْ ليلى بأنَّها قد خطتْ خطوةً كبيرةً. لم تكنْ قد عرفتْ كلَّ شيءٍ عن "مالك"، ولكنَّها قد رأتْ جانباً من قلبِهِ، جانباً جعلهُ يبدو لها أكثرَ نبلاً وأقربَ إلى الواقعِ.

قبلَ أنْ يغادرا، قالَ "مالك": "سأحاولُ أنْ أكونَ صادقاً معكِ قدرَ المستطاعِ، يا ليلى. وسأبذلُ قصارى جهدي لأكونَ الرجلَ الذي تستحقينَهُ."

"وأنا سأكونُ هنا، لأدعمَكَ." قالتْ ليلى، وابتسامةٌ مشرقةٌ تزينُ وجهَها.

غادرتْ ليلى ذلكَ المكانِ وقلبُها يرقصُ فرحاً. لقد كانَ لقاءً صعباً، ولكنهُ كانَ مثمراً. لقد أزاحتْ ليلى حجاباً من الغموضِ، واكتشفتْ وراءهُ قلباً يعاني، ولكنهُ لا يزالُ ينبضُ بالأملِ والحبِّ.

انتهى الفصلُ، تاركاً ليلى ومالكَ على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ من علاقتهما، مرحلةٍ تتطلبُ المزيدَ من الصدقِ، والثقةِ، والمواجهةِ، ولكنَّها تحملُ في طياتِها وعداً ببناءِ مستقبلٍ مشرقٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%