عيناك وطني
نسائمُ الخطبةِ ورياحُ التغيير
بقلم مريم الحسن
في مساءٍ تلألأتْ فيهِ نجومُ السماءِ كحباتِ المطرِ الماسيةِ، جلسَ "مالك" أمامَ والدِ ليلى، وقد استجمعَ كلَّ شجاعتِهِ، وكلَّ ما يملِكُ من صدقٍ وعزيمةٍ. كانَ والدُ ليلى، السيدُ "أحمد"، رجلاً وقوراً، طيبَ القلبِ، ولكنَّ عينيهِ كانتْ تحملانِ بريقَ الحكمةِ والصرامةِ التي لا تخلو من العدلِ.
"يا سيدي،" بدأَ "مالك" بصوتٍ ثابتٍ، وقد غمرتْهُ هالةٌ من الاحترامِ والتواضعِ، "أنا هنا اليومَ لطلبِ يدِ ابنتِكَ الغاليةِ، ليلى. أعرفُ أنَّني قد لا أكونُ الرجلَ المثاليَّ الذي تتخيلُهُ لابنتِك. لقد مررتُ ببعضِ التجاربِ التي علمتني الكثيرَ، وجعلتني أقدرُ قيمةَ الأشياءِ الحقيقيةِ في الحياةِ. قيمةَ العائلةِ، وقيمةَ الحبِّ الصادقِ، وقيمةَ الاستقرارِ."
كانَ السيدُ "أحمد" يستمعُ بانتباهٍ، وهو يتفحصُ "مالكَ" بعينيهِ الثاقبتين. رأى فيهِ الصدقَ، ورأى فيهِ العزيمةَ. لم يغفلْ عن تاريخِهِ، ولكنهُ كانَ يؤمنُ بأنَّ التوبةَ والرجوعَ إلى الطريقِ الصحيحِ هما الأهم.
"لقد سمعتُ عن بعضِ ما مررتَ بهِ يا مالك،" قالَ السيدُ "أحمد" بصوتٍ هادئٍ. "والصراحةُ هي مفتاحُ كلِّ شيءٍ. أخبرني، بماذا تَعِدُ ابنتي، وبماذا تَعِدُني؟"
"أعِدُها بالحبِّ، وبالصدقِ، وبالوفاءِ. أعِدُها بأنْ أكونَ لها سنداً، وشريكاً في بناءِ بيتٍ مسلمٍ، وأنْ أُربيَ أولادَنا على القيمِ الإسلاميةِ التي تربينا عليها. وأعِدُكَ، يا سيدي، بأنْ أحافظَ على أمانتِك، وأنْ أكونَ رجلاً يُشرفُكَ، ورجلاً تُسعدُ بهِ ابنتُكَ."
كانتْ ليلى، وهي تجلسُ في الغرفةِ المجاورةِ معَ والدتِها، تشعرُ بتوترٍ ممزوجٍ بلهفةٍ. كانتْ تدعو اللهَ في سرِّها أنْ يباركُ هذا اللقاءَ، وأنْ يجعلهُ فاتحةَ خيرٍ لهما.
لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى خرجَ السيدُ "أحمد" من مكتبِهِ، وعلى وجهِهِ ابتسامةٌ خفيفةٌ. "ليلى، والدتُكِ، تعالوا."
دخلتْ ليلى ووالدتُها، فوجدتا "مالكَ" واقفاً، وعلى وجهِهِ علاماتُ الارتياحِ.
"مالك،" قالَ السيدُ "أحمد" وهو يمدُّ يدَهُ لـ "مالك"، "لقد قبلتُ طلبَكَ. وأنا أثقُ بأنَّكَ ستكونُ خيرَ زوجٍ لابنتي."
احتضنتْ ليلى والدتَها، وشعرتْ بفيضٍ من السعادةِ يغمرُ قلبَها. نظرتْ إلى "مالك"، ورأتْ في عينيهِ وعداً بمستقبلٍ أجمل.
تمَّ الاتفاقُ على موعدِ الخطبةِ. كانتْ الأمورُ تسيرُ بسرعةٍ، ولكنَّها كانتْ تسيرُ في إطارٍ من التخطيطِ الدقيقِ والمشورةِ العائليةِ. بدأتْ ليلى ووالدتُها في الاستعدادِ لليومِ الكبيرِ. كانتْ الأقمشةُ تُشترى، والحلوياتُ تُجهزُ، وقائمةُ المدعوينَ تُعدُّ بعنايةٍ.
كانتْ ليلى ترى في كلِّ هذهِ الاستعداداتِ ليسَ مجردَ مراسمَ، بل بناءً لأُسرةٍ جديدةٍ، وبدايةَ حياةٍ مشتركةٍ. كانتْ تستمتعُ بكلِّ لحظةٍ، وتشعرُ بأنَّ السعادةَ تتجسدُ في التفاصيلِ الصغيرةِ.
ولكنْ، لم تخلُ هذهِ الفترةُ من بعضِ التحدياتِ. ففي خلالِ هذهِ الاستعداداتِ، بدأتْ تظهرُ بعضُ الأصواتِ المعارضةِ من بعضِ الأقاربِ البعيدينِ، الذينَ كانوا يتحدثونَ عن ماضي "مالك" بشكلٍ سلبيٍّ، ويثيرونَ الشكوكَ حولَ نواياَهُ.
"سمعتُ أنَّ مالكَ هذا لم يكنْ على ما يرامٍ في السابق." قالتْ إحدى القريباتِ للسيدةِ "فاطمة"، والدةِ ليلى. "هل أنتِ متأكدةٌ من هذا الزواج؟"
"يا أختي،" أجابتْ السيدةُ "فاطمة" بحزمٍ، "كلُّ إنسانٍ يخطئُ ويتعلمُ. وماضي مالك هذا كانَ درساً لهُ. الأهمُّ هو حاضرُهُ، ومستقبلُهُ. وهو رجلٌ صالحٌ، وقدرَ ابنتي، واعتذرَ عن ماضيهِ."
كانتْ ليلى تسمعُ هذهِ الأحاديثَ، وتشعرُ ببعضِ الضيقِ، ولكنَّها كانتْ تتذكرُ كلامَ جدتِها، وكلامَ والدتِها. كانتْ تعلمُ أنَّ النواياَ الطيبةَ والقلبَ الصادقَ هما ما يهمانِ.
وفي يومٍ من الأيامِ، وبينما كانتْ ليلى تتسوقُ معَ والدتِها،