عيناك وطني
ظلال الأمس تلوح بالأفق
بقلم مريم الحسن
كانت نسمات المساء تحمل معها عبق الياسمين المتسلل من بساتين المدينة القديمة، حينما اتكأت لينا على نافذتها المطلة على سماء تتلون بألوان الغروب، وقلبها يضطرب بين مشاعر متناقضة. منذ لقائها الأخير بمهند، أصبحت أيامها تمر كحلم، تتخللها لحظات من السعادة الغامرة وأخرى من القلق المتقد. كانت تتذكر كلماته الرقيقة، وصدق عينيه حين أقسم بأن حبه لها هو كل ما يرجوه في هذه الدنيا، ولكن، ها هو الشك يتسلل خفية، كأفعى باردة تنساب في مروج روحها.
فقد كان حديث عمتها فاطمة، الذي دار قبل أيام، لا يزال يرن في أذنيها. كانت العمة، التي لطالما أحبتها لينا وأحسنت رعايتها، قد ألحت عليها مرارًا وتكرارًا بضرورة التفكير في مستقبلها، وأن مهند، رغم طيبته الظاهرة، قد يحمل في جعبته ما لا تعلم. "يا ابنتي،" كانت تقول لها بصوتها الحنون المخلوط بالحذر، "الرجال ذوو النفوس الطيبة قد يبتلون بماضٍ ثقيل، فتأكدي قبل أن تمنحي قلبك لمن لا تعرفين ماضيه حق المعرفة. فالحياة ليست مجرد أحلام وردية."
لم تكن لينا تجهل ما تعنيه عمّتها. كانت تعرف أن مهند كان يعيش حياة مختلفة قبل أن يلتقيا، حياة ربما كانت مليئة بالمسؤوليات التي لم يفصح عنها. كانت تبدو عليه علامات النضج والرصانة، ولكن، أحيانًا، كان يظهر عليه شحوب غامض، وكأنه يحمل عبئًا لا تستطيع هي فهمه. هذه النظرات كانت تثير فضولها، ولكنها كانت تخشى أن تفتح بابًا لا تستطيع إغلاقه.
وفي الأثناء، كان صلاح، ابن عمها، الذي لطالما نظر إلى لينا نظرة فيها شيء من التملك، يتصاعد قلقه. كان صلاح شابًا طموحًا، يعتقد أن زواج لينا منه هو محض واجب عائلي، وامتثال لرغبة جدته التي كانت دائمًا ما ترى فيهما زوجين مثاليين. ولكن، رؤية السعادة التي اكتست وجه لينا مؤخرًا، والحديث عن رجل غريب يدخل حياتها، جعلت قلبه يشتعل غيرة وحنقًا. كان يرى في مهند منافسًا، بل عدوًا لطموحاته.
وفي يوم مشمس، قرر صلاح أن يزور منزل لينا، تحت ذريعة الاطمئنان على صحة جدته. وجدها تجلس في حديقة المنزل، تتصفح كتابًا، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها. تقدم منها بخطوات وئيدة، واستقر بجانبها.
"كيف حالك يا ابنة عمي؟" قال بصوت يحاول أن يجعله عاديًا. "بخير يا صلاح، الحمد لله. وأنت؟" ردت لينا، ورفعت رأسها لتبتسم له، ولكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. "أنا بخير. كنت قلقًا عليكِ وعلى جدتنا. يبدو أنكِ مشغولة دائمًا هذه الأيام." "لست مشغولة، ولكن الحياة مليئة بالأشياء التي تشغل البال." "بالتأكيد. وأنا أظن أن هذه الأشياء تدور حول هذا الرجل الذي سمعنا عنه."
توقفت لينا عن تصفح كتابها، ورفعت حاجبيها بدهشة. "أي رجل تتحدث عنه؟" "لا تنكري، سمعت أنكِ تلقين شخصًا غريبًا. هل هذا صحيح؟" قال صلاح، وعينيه تلمعان بترقب. "هذا ليس من شأنك يا صلاح." قالت لينا بحدة، وبدأت تشعر بالضيق. "بل هو من شأني. أنتِ ابنة عمي، ومستقبلك يهمني. أخشى أن تقعي في حبائل رجل لا تعرفين نواياه." "وأنا أحكم على النوايا بنفسي، ولا أحتاج إلى نصائحك."
صمت صلاح لحظة، ينظر إليها بعمق، وكأنه يبحث عن سر لم يكشف. "الحياة يا لينا مليئة بالمفاجآت، بعضها جميل وبعضها الآخر مؤلم. أنا فقط أريد أن أرى سعادتك، وأن تتجنبي أي أذى." "وما الذي يجعلك تعتقد أن مهند قد يسبب لي الأذى؟" سألت لينا، وبدأ قلبها يخفق بسرعة. "ليس لدي دليل، ولكن لدي حدس. حدس رجل يعرف كيف تقلب الدنيا." قال صلاح، وانتهى كلامه بابتسامة غامضة لم تطمئن لينا أبدًا.
بعد رحيل صلاح، بقيت لينا جالسة في الحديقة، تستنشق عبير الورد، ولكن رائحته لم تعد تحمل السكينة التي كانت تحملها من قبل. كانت كلمات صلاح، رغم قسوتها، تثير فيها شكوكًا بدأت تتسلل إلى عالمها الوردي. هل كان لمهند ماضٍ يخفيه؟ هل كان هناك خطر كامن وراء تلك النظرات الحانية والعتاب الرقيق؟
في تلك الليلة، لم تستطع لينا النوم. قلبت في ذاكرتها كل لقاءاتها بمهند. هل كانت تتغاضى عن شيء؟ هل كانت أعمى الحب؟ تذكرت حكايته عن سفره المكثف، وعن عمله الذي يجعله بعيدًا أحيانًا. لم تكن هذه تفاصيل كافية لتكوين صورة كاملة.
وبينما كانت تحدق في السقف، استحضرت صورته مرة أخرى. وجهه الهادئ، يديه القويتين، صوته العميق الذي كان يرن في أذنيها كالأذان. كانت تشعر بالحب تجاهه، حب عميق وصادق، ولكن، هل كان هذا الحب كافيًا ليجعلها تتجاهل كل شيء؟
فجأة، رن هاتفها. كانت الرسالة من رقم غريب. فتحتها بتردد. كانت الرسالة قصيرة ومباشرة: "توقفي عن مطاردة الأشباح، فبعض القصص لا يجب أن تُعاد."
شعرت لينا ببرودة تسري في عروقها. من يكون هذا المرسل؟ وماذا يقصد بـ "الأشباح" و "القصص التي لا يجب أن تُعاد"؟ هل كانت هناك قصة أخرى لمهند، قصة لم تكن تعرفها؟ هل كان صلاح يلعب دورًا في هذا؟ تزايدت علامات الاستفهام، وبدأ قلبها يدق بعنف، معلنًا بداية مرحلة جديدة من الاضطراب والقلق. ظلال الأمس بدأت تلوح في الأفق، تحمل معها ما لا تعرف ما هي طبيعته.