عيناك وطني
كشف المستور عن ماضٍ غامض
بقلم مريم الحسن
اتسعت حدقة لينا وهي تقرأ الرسالة مرة أخرى، محاولة أن تفك رموزها المربكة. "توقفي عن مطاردة الأشباح، فبعض القصص لا يجب أن تُعاد." من يكون هذا المجهول الذي يملك هذه المعرفة، أو يدعي امتلاكها؟ وبأي حق يتدخل في حياتها؟ كانت كلماته تثير قلقًا عميقًا، ولكها في الوقت ذاته، أشعلت فيها فضولًا جامحًا. لم تعد مجرد تساؤلات عابرة، بل أصبحت ضرورة ملحة للكشف عن الحقيقة.
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تستيقظ المدينة على صخب يوم جديد، كانت لينا قد اتخذت قرارها. لم تعد تحتمل هذا الغموض. كان عليها أن تواجه مهند، وأن تطلب منه تفسيرًا، أو على الأقل، أن تستوضح منه عن طبيعة علاقته بالماضي الذي يبدو أنه يطارده.
انتظرت حتى بعد صلاة الفجر، ثم ارتدت حجابها وخرجت من المنزل. كانت الشوارع لا تزال خالية، والشمس بدأت ترسل خيوطها الذهبية الأولى فوق أسطح البيوت. توجهت نحو مقهى مهند المفضل، الذي اعتاد أن يجلس فيه صباحًا قبل أن يبدأ يوم عمله.
عندما وصلت، وجدت مهند جالسًا في زاويته المعتادة، يحتسي قهوته السوداء، وعيناه تتأملان حركة الصباح الهادئة. بدا هادئًا، ولكن لينا، التي أصبحت تلتقط أدق التفاصيل، لاحظت شيئًا من التعب في عينيه، وشحوبًا خفيفًا على وجهه لم يكن موجودًا من قبل.
اقتربت منه بخطوات مترددة، وقلبها يخفق بقوة. "صباح الخير يا مهند." التفت مهند إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة، ولكنها تباطأت حينما رأى القلق الذي يخيم على وجهها. "صباح النور يا لينا. ما الذي أتى بكِ إلى هنا مبكرًا؟ هل كل شيء على ما يرام؟"
جلست لينا أمامه، ووضعت يدها على قلبها. "مهند، أحتاج إلى أن أتحدث معك بصدق. هناك أمور تقلقني، وأشعر أن هناك شيئًا تخفيه عني."
نظر إليها مهند بعمق، وبدأت ملامحه تتغير. اختفت الابتسامة، وحلت محلها نظرة مليئة بالحذر والارتباك. "ماذا تقصدين يا لينا؟" "لقد تلقيت رسالة بالأمس، رسالة غريبة تدعوني للتوقف عن البحث عن شيء ما. وهذا جعلني أتساءل، هل هناك شيء في ماضيك لا أعرفه؟"
صمت مهند للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. كانت عيناه تتجهان نحو فنجان قهوته، ثم عادتا لتنظر إليها. "لينا، لا أريد أن أخفيك شيئًا، ولكنني أيضًا لا أريد أن أقلقكِ بأمور قديمة انتهت." "ولكن هذه الأمور بدأت تؤثر عليّ الآن، يا مهند. هذه الرسالة، وهذا الشعور بأن هناك سرًا، كل هذا يخيفني. ألا تثق بي بما يكفي لتشاركني همومك؟"
شعر مهند بأن المواجهة لا مفر منها. تنهد بعمق، ثم بدأ يتحدث بصوت هادئ، لكنه كان مليئًا بالحزن. "لينا، أنتِ تعلمين أنني كنت متزوجًا قبل أن ألتقي بكِ." أومأت لينا برأسها، كانت تعلم بهذا. "نعم، أعرف. ولكن لم تخبرني بتفاصيل كثيرة." "لقد كانت زيجة لم تكتمل. انفصلت عن زوجتي قبل سنوات، والسبب... كان معقدًا." "ما هو السبب يا مهند؟" ألحت لينا، وشعرت أن قلبها يغوص في أعماق البحر.
"زوجتي السابقة، سارة، كانت فتاة طيبة، ولكنها كانت تعاني من مشكلة... مشكلة جعلت حياتنا صعبة. كانت تعاني من اضطرابات نفسية، جعلتها في بعض الأحيان تفقد السيطرة على نفسها. في البداية، حاولت أن أقف بجانبها، أن أساعدها، ولكن الأمر كان يفوق قدرتي. وعندما تفاقمت حالتها، وخشينا على سلامتها وسلامة من حولها، قررنا الانفصال. كانت فترة عصيبة جدًا، ولم أكن أرغب في أن أعود إليها، أو أن أحمل همها معي."
تنفست لينا الصعداء قليلًا، ولكن الحزن في صوته ترك أثرًا. "وهل هذه الأمور لها علاقة بالرسالة التي تلقيتها؟" "أظن ذلك. ربما هناك شخص يعرف ماضينا، شخص يريد أن يثير المشاكل." قال مهند، وشعرت لينا بنبرة من اليأس في صوته. "ولكن، هل أنت على تواصل معها الآن؟" سألت لينا، وكان صوتها يرتجف قليلاً. "لا، لم أعد على أي تواصل معها منذ سنوات. وبعد انفصالنا، حاولت أن أنسى كل شيء، وأن أبدأ حياة جديدة. وأنتِ، يا لينا، كنتِ أجمل ما حدث لي في هذه الحياة."
كانت كلماته صادقة، ولكن قلب لينا لم يطمئن تمامًا. كانت لا تزال تشعر بشيء من الغموض، بوجود تفاصيل أخرى لم تُكشف. "ولكن، لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟" "خفت أن تخافي مني. خفت أن ترى فيّ ماضيًا أليمًا، وأن تبتعدي عني. كنت أريد أن أعيش معكِ لحظة بلحظة، وأن أبني مستقبلنا على ما هو أجمل."
نظرت لينا في عينيه، ورأت فيهما صدقًا وألمًا. لم تكن مستعدة للتخلي عنه، ولكنها لم تكن مستعدة أيضًا لأن تعيش في خوف من ماضٍ مجهول. "مهند، أنا أحبك. وأحببتك لأجل قلبك الطيب، ولأجل روحك النقية. ولكنني أيضًا أحتاج إلى الأمان. أحتاج إلى أن أعرف أننا نسير على طريق واضح، بلا أشباح."
"وأنا أعدكِ، يا لينا، بأنني سأكون معكِ دائمًا. وأننا سنتجاوز أي شيء يعترض طريقنا." قال مهند، ومد يده ليلمس يدها. شعرت لينا بدفء يده، وشعرت بقليل من الأمل.
ولكن، بينما كانا يتحدثان، كان شاب يرتدي ملابس داكنة، يجلس على طاولة قريبة، يراقبهم بصمت. كان وجهه يخفي تعابير كثيرة، ولكن عينيه كانتا تحملان بريقًا غريبًا، مزيجًا من الحقد والترقب. كان قد سمع كل شيء.