عيناك وطني
لغز الرسائل ووصول المتطفل
بقلم مريم الحسن
تركت الكلمات الأخيرة لمهند أثرًا عميقًا في نفس لينا. لم يعد الأمر مجرد شكوك عابرة، بل تحول إلى مواجهة صريحة مع ماضٍ كان مهند يحاول جاهدًا أن يدفنه. كان اعترافه بشجاعة، ولكنه في الوقت ذاته، فتح بابًا جديدًا للأسئلة. هل كان هذا كل ما في الأمر؟ هل كانت سارة، زوجته السابقة، هي المصدر الوحيد لهذه الرسائل وهذا القلق؟
خلال الأيام التالية، حاولت لينا أن تتجاوز الأمر، وأن تعيش حياتها الطبيعية. كانت تقضي وقتًا أطول مع مهند، وتستمتع بوجوده، ولكن، لم تكن تستطيع نسيان كلمات الرسالة الأولى. "توقفي عن مطاردة الأشباح..." من كان هذا الشخص؟ ولماذا يتدخل؟
وفي أحد الأيام، بينما كانت لينا تتصفح بريدها الإلكتروني، وجدت رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول. فتحتها بتردد، وقلبها يدق بعنف. كانت الرسالة هذه المرة أطول، وأكثر تحديدًا:
"يا من تبحثين عن الحقيقة، الحقيقة أعمق مما تتخيلين. ليس كل ما يُقال صحيحًا. هletas تعرفين لماذا تركها؟ أهلاتعرفين كيف كانت الحياة معه؟ ربما ماضيه ليس مجرد أشباح، بل هو سجن يريد أن يورطك فيه. كوني حذرة. فبعض الحقائق لا تظهر إلا في الظلام."
شعرت لينا بالدوار. هذه الرسالة كانت أكثر تهديدًا، وأكثر غموضًا. "هletas"؟ من هو هletas؟ هل هو شخص آخر؟ هل هو اسم مستعار؟ والأهم، لماذا هذا التركيز على أن ماضي مهند ليس مجرد أشباح؟ وما هو هذا السجن الذي يريد أن يورطها فيه؟
نظرت حولها، وكأنها تتوقع أن يظهر أحدهم فجأة. شعرت بأنها مراقبة، وأن هناك عينًا خفية تتربص بها. بدأت تعيد النظر في كل شيء. هل كان صلاح هو من يرسل هذه الرسائل؟ ولكنه كان يتحدث بطريقة مختلفة، ولم تكن لديه هذه المعرفة التفصيلية. هل كان هناك شخص آخر في حياة مهند؟
قررت لينا أن تبدأ رحلة البحث بنفسها. لم تعد تثق بالكامل بما يُقال لها، ولكنها في نفس الوقت، لم تستطع تجاهل هذه التحذيرات. بدأت تتذكر بعض التفاصيل التي رواها مهند عن عمله، عن سفره. كان دائمًا يتحدث عن "مشاريعه" وعن "التزاماته". هل كانت هذه مجرد أعذار؟
في هذه الأثناء، كان صلاح يراقب الوضع عن كثب. كان يشعر بالغيرة تتزايد في قلبه كلما رأى لينا تتحدث مع مهند. لم يكن يعرف تفاصيل علاقته بسارة، ولكنه كان متأكدًا من أن هذا الرجل الغامض لديه ماضٍ معقد، وأنه يسعى لاستغلال لينا. كان يتساءل إن كان بإمكانه استغلال هذه الفرصة لصالحه.
وفي ليلة مظلمة، قرر صلاح أن يقوم بخطوة جريئة. عرف أن مهند غالبًا ما يذهب إلى مكتبه في وقت متأخر من الليل، لمراجعة بعض الأوراق. تسلل صلاح إلى مبنى المكتب، واستغل معرفته القديمة بالممرات، حتى وصل إلى مكتب مهند. كان نور خافت ينبعث من النافذة.
فتح صلاح الباب ببطء، فوجد مهند جالسًا على مكتبه، يعكف على مجموعة من الأوراق. بدا متعبًا، ولكن عينيه كانتا مشتعلتين بتركيز شديد. لم يلاحظ صلاح وجوده في البداية.
"ماذا تفعل هنا يا صلاح؟" فاجأه مهند بصوته المفاجئ. انتفض صلاح، وقلبه يضرب بعنف. "جئت... جئت لأطمئن عليك. رأيت النور في مكتبك." "وهل جئت لتطمئن عليّ أم لتتجسس عليّ؟" قال مهند ببرود، ونظر إليه بعينين حادتين. "لا تقل هذا يا مهند. أنا فقط... أنا قلق على لينا. أخشى أن تلعب بك." "لا تقلق على لينا. هي في حفظ الله ورعايته، وفي قلبي."
صمت صلاح لحظة، ينظر حوله في المكتب. كانت الأوراق مبعثرة، وهناك صندوق خشبي قديم على رف. لمعت عيناه بفضول. "ما هذه الأوراق؟ هل هي متعلقة بـ...؟" "هذه أوراق خاصة بعملي، لا علاقة لها بما تفكر فيه." قاطعه مهند بحدة.
ولكن، نظرة صلاح كانت قد وقعت على شيء ما. ورقة كانت ملقاة جانب الصندوق الخشبي، مكتوب عليها بخط يد أنثوي: "لن أنساك يا هletas." تجمد صلاح في مكانه. "هletas؟ من هو هletas؟" نظر مهند إلى الورقة، ثم إلى صلاح. شعر بالضيق. "هذا اسم قديم، لا يعني شيئًا." "ولكنه مكتوب بخط امرأة. هل هو اسم مستعار لـ...؟"
قبل أن يكمل صلاح كلامه، اندفع مهند نحوه، وقبض على ذراعه بقوة. "اخرج من هنا يا صلاح. أنت تتجاوز الحدود." "ولكن، لينا... أليست هي التي تبحث عن الحقيقة؟ أليست هي من تستحق أن تعرف؟" قال صلاح، وعيناه تلمعان بذكاء. "لينا تعرف ما يكفي. اخرج الآن، قبل أن أفعل شيئًا لا تحمد عقباه."
خرج صلاح من المكتب، وترك مهند واقفًا في مكانه، ينظر إلى الورقة المكتوبة. كان يعرف أن ماضيه بدأ يتكشف، وأن لينا لن تترك الأمر يمر مرور الكرام.
في نفس الوقت، كانت لينا قد بدأت رحلة بحثها. قررت أن تزور منزل عمّتها فاطمة، فقد كانت العمة دائمًا ما تحكي لها قصصًا قديمة عن العائلة، وعن جيرانهم. ربما كانت لديها معلومة، أو حتى مجرد ذكرى قديمة تساعدها.
كانت عمتها فاطمة في استقبالها بابتسامة دافئة. بعد تناول الشاي، بدأت لينا تطرح أسئلتها بحذر. "يا عمّتي، هل تتذكرين أي شيء عن زوجات سابقات لمهند؟" نظرت إليها العمة بدهشة. "زوجات سابقات؟ لم أسمع بهذا من قبل. مهند شاب طيب، ولكن لديه حياة خاصة به." "ولكن، هل تتذكرين أي شخص كان اسمه... هletas؟" سألت لينا، وقلبها يرتجف.
ارتسمت على وجه العمة فاطمة علامات ذهول. "هletas؟ هذا الاسم... هذا الاسم غريب جدًا. لم أسمع به قط. ولكن... انتظر قليلاً." ذهبت العمة إلى حجرة قديمة، وأحضرت صندوقًا مليئًا بالصور القديمة والرسائل. بدأت تتصفحه ببطء، ولينا تنتظر بلهفة.
بعد دقائق، توقفت العمة فاطمة عند صورة قديمة، تظهر فيها فتاة صغيرة، تلعب في حديقة. "هذه الصورة..." قالت العمة بصوت خافت، "هذه الصورة التقطتها قبل سنوات طويلة. هذه الطفلة، اسمها... اسمها هالة. كانت ابنة جيراننا القدامى. عائلة طيبة، ولكن... حدث لهم شيء مؤلم."
"ماذا حدث يا عمّتي؟" سألت لينا، وشعرت بأن خيطًا رفيعًا يربط كل هذه الأحداث. "لقد فقدوا ابنتهم هالة في حادث مؤسف. وكان والدها، الرجل الطيب، يعاني كثيرًا من بعد رحيلها. ولكنه بعد فترة، سافر مع عائلته، ولم نسمع عنهم شيئًا بعدها." "هل تتذكرين اسم والدها؟" سألت لينا. "اسمه... كان اسمه... كان مهند!"
اتسعت حدقة لينا، ولم تستطع النطق بكلمة. مهند؟ والد الطفلة هالة؟ ولكن، كيف؟ وما علاقة هذا كله بزوجته سارة؟ وبزوجته الحالية، لينا؟ شعرت بأنها دخلت في متاهة، وأن كل خيط تقبض عليه يجرها إلى عمق أكبر من الغموض.