عيناك وطني
عبق الماضي ونداء المستقبل
بقلم مريم الحسن
استيقظت ليلى على صوت الرياح التي تعزف سيمفونيةً هادئةً بين الصخور. كان نور الصباح قد بدأ يتسلل ببطء، يصبغ قمم الجبال بلونٍ ذهبيٍ دافئ. قامت ليلى من فراشها الرملي، واعتدلت في جلستها، تشعر بأن جسدها قد استعاد بعضًا من نشاطه بعد ليلةٍ هادئةٍ نسبيًا. كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح في الأجواء، معدةً بعنايةٍ من قبل أحد الرجال المرافقين.
"صباح الخير يا أميرة الصحراء." قال زيدٌ بابتسامةٍ خفيفة، وهو يمد لها كوبًا من القهوة الساخنة. نظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من القلق والتقدير. "هل أنتِ مستعدةٌ لليوم؟"
"أنا دائمًا مستعدةٌ يا زيد." أجابت ليلى، وأخذت الكوب، تستشعر دفئه بين يديها. "الماضي ينادينا، وعلينا أن نلبي النداء."
كانت ليلى ترتدي ملابسها البسيطة، لكنها أنيقة، من القماش الخشن الذي يتناسب مع أجواء الصحراء، مع وشاحٍ ملونٍ يلف رأسها. كانت تحمل في حقيبتها بعض الأدوات الأساسية، وخريطةٌ قديمةٌ ورثتها عن جدتها، مليئةٌ بالرموز والتعليقات التي لا يفهمها إلا هي.
بعد أن انتهوا من تناول وجبة الفطور الخفيفة، والتي كانت عبارة عن تمرٍ وخبزٍ جاف، بدأوا في ترتيب العدة. كانت مهمة زيدٍ الأولية هي تحديد المسار الأنسب للصعود، بينما كانت مهمة ليلى هي محاولة فك رموز النقش الذي وجدته بالأمس.
"يبدو أن هذا النقش ليس مجرد علامة." قالت ليلى وهي تتفحص الهلال والنجمة. "إنه يشبه إلى حدٍ كبيرٍ ما قرأته في مخطوطات جدتي عن "بوابة الزمن"."
"بوابة الزمن؟" سأل زيدٌ مستغربًا. "ما هذا؟"
"حسب الأساطير، فإن "بوابة الزمن" هي مدخلٌ إلى مكانٍ سري، يحوي شيئًا ثمينًا. وقيل إنها لا تفتح إلا لمن يحمل رمز العائلة، أو لمن يتمكن من فك لغزها." أوضحت ليلى، وعيناها تلمعان بالحماس. "أعتقد أن هذا هو المفتاح."
كان زيدٌ يستمع إليها بانتباه، ورغم أنه لم يكن يؤمن بكل القصص القديمة بنفس الدرجة التي تؤمن بها ليلى، إلا أنه كان يثق بحدسها وقدرتها على الربط بين الأشياء. كان يعلم أن حب ليلى لتاريخ عائلتها وتراثها عميقٌ جدًا، وأنها تكرس وقتها وجهدها لفهم كل تفصيلٍ صغير.
"إذًا، كيف سنفتح هذه البوابة؟" سأل زيدٌ ببساطة.
"لا أعرف بعد. لكن أعتقد أن الطريق نفسه سيقودنا إلى الحل. ربما نحتاج إلى العثور على نقوشٍ أخرى، أو قد يكون هناك شكلٌ معينٌ للصخور علينا أن نبحث عنه." قالت ليلى، وبدأت تمشي ببطءٍ نحو الجبال، تراقب كل شبرٍ من الأرض.
كان الصعود شاقًا، لكن جمال الطبيعة كان ينسي المتسلقين تعبهم. كانت الجبال قد تشكلت بفعل عوامل التعرية عبر آلاف السنين، فظهرت فيها أشكالٌ غريبةٌ وعجيبة، كهوفٌ مظلمة، ووديانٌ عميقة، وشقوقٌ ضيقة. كانت الرياح تعوي أحيانًا، وتهمس أحيانًا أخرى، وكأنها تحكي قصصًا قديمة.
بينما كانوا يشقون طريقهم، صادفوا شيئًا غير متوقع. في زاويةٍ مخفيةٍ بين صخرتين كبيرتين، وجدوا بقايا نارٍ قديمة، وآثار أقدامٍ حديثة.
"انظروا!" قال أحد الرجال المرافقين، مشيرًا إلى الآثار. "هناك من سبقنا إلى هنا."
شعرت ليلى ببرودةٍ مفاجئة تسري في جسدها. لم تتوقع أن تكون وحدها في هذه الرحلة. "من يمكن أن يكون؟" سألت بصوتٍ خافت.
"لا أدري، لكن آثارهم ليست قديمةً جدًا." أجاب زيدٌ، وعيناه تفحصان المكان بحذر. "علينا أن نكون أكثر يقظة."
كانت ليلى تعلم أن هناك دائمًا من يطمع في كنوز الصحراء، سواء كانت كنوزًا ماديةً أو أثرية. كانت قبيلتها على مر العصور تحمي هذه الأماكن المقدسة، وتمنع الوصول إليها من قبل الغرباء. لكن فكرة وجود شخصٍ آخر يبحث عن "خنجر الأجداد" بنفسها، أثارت لديها شعورًا بالخطر.
واصلوا رحلتهم، وبدأت ليلى تشعر بأنها تسير في حلمٍ. كانت هناك لحظاتٌ تشعر فيها وكأنها ترتبط بماضي عائلتها، وكأن أرواح أجدادها تسير معها، تدلها على الطريق. كانت ترى في طريقة سير الغيوم، وفي شكل الرمال، وفي صوت الرياح، إشاراتٍ ودلائل.
"هل لاحظتِ يا ليلى، كيف أن هذه الصخور تبدو وكأنها منحوتةٌ بعناية؟" سأل زيدٌ وهو يشير إلى سلسلةٍ من التشكيلات الصخرية المتراصة. "إنها ليست طبيعية."
نظرت ليلى إلى حيث يشير. بالفعل، كانت الصخور تبدو وكأنها صفوفٌ من الجنود الواقفين بانضباط، متجهةٌ نحو وادٍ ضيقٍ لا يمكن رؤية ما خلفه.
"هذا هو!" هتفت ليلى، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة. "هذه هي "حراس الطريق" التي ذكرتها جدتي في قصصها! إنها إشارةٌ واضحةٌ أننا على الطريق الصحيح."
تبعوا مسار "حراس الطريق"، ووجدوا أنهم يؤدون إلى كهفٍ صغيرٍ، بالكاد يتسع لشخصٍ واحد. كان مدخل الكهف مظلمًا، لكن ليلى لم تتردد. أشعلت فانوسها، ودخلت بحذر، وزيدٌ خلفها.
في داخل الكهف، لم تجد ليلى كنزًا، بل وجدت نقشًا آخر، أكثر وضوحًا من سابقه. كان النقش يمثل سهمًا متجهًا إلى الأعلى، وبجانبه رمزٌ لشجرةٍ نخيلٍ وحيدة.
"شجرة نخيل؟" تساءل زيدٌ. "لا أذكر أن هناك أشجار نخيل في هذه المنطقة."
"إنها ليست شجرة نخيل عادية." قالت ليلى، وبدأت تفكر بعمق. "إنها رمزٌ. ربما تعني شيئًا يرتبط بالمياه، أو بالماء الذي يخرج من الأرض. يجب أن يكون هناك بئرٌ ما، أو عينٌ في الجوار."
عندما خرجوا من الكهف، بحثوا في المنطقة المحيطة. وبعد جهدٍ، وجدوا شيئًا كان مخفيًا تمامًا عن الأنظار، تحت كومةٍ من الأحجار. كانت بئرًا قديمة، جافةٌ الآن، لكن آثار المياه كانت لا تزال ظاهرةً على جدرانها.
"لقد وجدناها." قالت ليلى، وشعرت بنشوة الانتصار. "والآن، يبدو أن علينا أن ننتقل إلى المرحلة التالية. لكنني أشعر أن هناك شيئًا غريبًا يحدث. كأننا لسنا وحدنا في هذه المنطقة."
لم يكن شعورها مجرد خيال. فبينما كانوا يتفقدون البئر، لمح زيدٌ حركةً خاطفةً بين الصخور في الأعلى، وكان يعتقد أنه رأى لمعانًا معدنيًا.
"ليلى، هل تسمعين؟" قال زيدٌ بصوتٍ منخفض. "يبدو أن لدينا زوارًا."
فجأةً، سمعوا صوتًا حادًا، يشبه صوت صفيرٍ غاضب، قادمًا من الأعلى. قبل أن يتمكنوا من رد الفعل، انطلقت سهامٌ متعددة، تتساقط عليهم من اتجاهاتٍ مختلفة.