عيناك وطني
هبوب الريح وعاصفة الروح
بقلم مريم الحسن
استيقظت ليلى على ضوء الصباح الباكر، نور خافت تسلل من بين ثنايا الستائر القماشية السميكة، ناشراً هالة ذهبية على جدران غرفتها. كانت تلك هي العادة، دائماً ما تستقبل الشمس قبل أن تعلن عن نفسها رسمياً، كأنها تحاول استشراف ما يحمله اليوم من قدر. لكن اليوم، كان هناك شيء مختلف. كان هناك ثقل في صدرها، همس خفي للقدر يعلن عن نفسه. تذكرت آخر محادثة دارت بينها وبين أحمد، تلك الكلمات التي خرجت منه كسهام مسمومة، تاركةً ندوباً عميقة في قلبها. "إلى الأبد" تلك الكلمة ما زالت ترن في أذنيها، وكأنها صدى لنهاية حتمية.
نهضت من فراشها، وجسدها يشكو من صلابة النوم المتقطع، وعيناها تحملان آثار سهر طويل. توجهت نحو النافذة، فكشفت عن ستارها لتلقي نظرة على العالم الخارجي. رأته واقفا هناك، في الحديقة، بملابسه المعتادة، يدخن سيجارة ببطء، ينظر بعيداً نحو الأفق الغامض. كان واقفاً كتمثال من الحجر، هدوءه الظاهري يخفي عاصفة هوجاء. اقتربت منه، خطواتها متأنية، قلبها يخفق بقوة، كطائر مذعور يحاول الفرار من قفصه.
"صباح الخير، أحمد." صوتها كان بالكاد مسموعاً، يختلط بنسيم الصباح البارد. التفت إليها ببطء، ملامحه جامدة، وعيناه فيها شيء من الأسى الخفي. "صباح النور، ليلى." ساد صمت ثقيل بينهما، تتخلله أصوات الطيور المتقطعة، وهمس أوراق الأشجار. حاولت ليلى أن تجد الكلمات المناسبة، ولكن كل كلمة كانت تبدو باهتة، عاجزة عن التعبير عن حجم الألم الذي استقر في نفسها.
"أحمد، يجب أن نتحدث." "أعلم." رد بهدوء، دون أن ينظر إليها مباشرة. "ماذا تقصد بقولك 'إلى الأبد'؟" سألت، صوتها يرتجف قليلاً. "ماذا حدث؟"
نظر إليها أخيراً، نظرة تحمل الكثير من الحزن والإرهاق. "لقد زارني خالي بالأمس." ارتعش جسد ليلى. كانت تعلم أن خاله، الرجل الذي كان بمثابة الأب لأحمد، هو من يمثل العقبة الكبرى أمام سعادتهما. "وماذا قال لك؟"
"قال لي أشياء..." ترأس يده على جبهته. "قال لي أشياء جعلتني أرى الأمور بوضوح. قال إن هذه العلاقة لن تجلب لنا سوى المشاكل، وإن والدي لن يقبلاها أبداً." "ولكنك وعدتني..." بدأت ليلى، وقلبها ينقبض. "قلت لي أننا سنتجاوز كل شيء. أن حبنا أقوى من أي شيء."
"الليلى، الحب وحده لا يكفي أحياناً." تنفس بعمق. "والدي، خاصة والدي، لديهما توقعات عالية جداً. ويريدونني أن أتزوج من عائلة مرموقة، من طبقة اجتماعية تناسب مكانتهم. وخالي، وهو الرجل الذي يحترمه والدي ويستمع إليه، ضغط عليّ بشدة. قال إن سمعة العائلة على المحك."
"هل هذا يعني أنك ستستسلم؟" سألت، وصوتها يتصاعد قليلاً. "هل ستتركني بسبب كلامهم؟" "ليس الأمر بهذا البساطة، يا ليلى. أعرف أنك قد لا تفهمين. أنا محاصر بين عالمين. عالمي الذي أريده أنا، وعالمي الذي يريده الآخرون لي." "ولكن ما هو عالمك أنت، أحمد؟" حاولت أن تسمع صوته الحقيقي، صوته الذي كان ينبض بالحب لها.
"عالمي هو أنتِ، ليلى." قال بحرقة. "ولكن كيف لي أن أحقق ذلك؟ كيف لي أن أقنع والدي؟ خالي أخبرني بوجود فتاة أخرى، ابنة رجل أعمال كبير، على علاقة قديمة بعائلتنا. قال إنها مناسبة تماماً. وأن والدي قد وافقوا بالفعل على اللقاء بها."
تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، وكأنها تلقت ضربة قوية. "خطبتك؟" همست. "ليس خطوبة رسمية بعد، ولكن الترتيبات تمضي قدماً. قال خالي إن الأمر لن يستغرق وقتاً طويلاً. وأن هذه الفتاة، اسمها سارة، ستكون زوجتي المستقبلية."
"سارة..." رددت ليلى الاسم وكأنه سم. "وهذا يعني أنني..." "أنتِ كل شيء بالنسبة لي، ليلى." قاطعها أحمد، وعيناه تلمعان بدموع بالكاد استطاع كبتها. "ولكنني ضعيف. ضعيف أمام ضغوطهم. لقد قال لي والدي إنني إذا لم أتبع نصيحتهم، فقد يقطعون عني كل شيء. لقد حلمت بمستقبل معهم، بعلاقة تجلب لي الرضا والتقدير، وهذا يجعل الأمر أصعب."
"هل تتهم أهلك بالأنانيّة؟" سألت ليلى، وقلبها ينزف. "أم تتهم نفسك بالخيانة؟" "لا، لا شيء من هذا." تنهد. "أنا فقط... أشعر باليأس. أشعر بأنني سأخيب أمل الجميع، سواء اخترت طريقاً أو آخر. خالي قال إن الزواج من سارة هو السبيل الوحيد لإصلاح علاقتي بوالدي، ولحماية سمعة عائلتنا."
"وماذا عني؟" سألت بصوت مرتعش. "هل انتهت قصتنا؟ هل كل ما بنيناه كان مجرد سراب؟" "الليلى، أنا أحبك." أكد أحمد، ولكن كلماته بدت مجرد كلمات، فقدت بريقها وتأثيرها. "ولكن... ربما علينا أن نبتعد عن بعضنا البعض لفترة. ربما هذا هو الحل الوحيد."
"الابتعاد؟" تكرر ليلى الكلمة، وكأنها تسمعها للمرة الأولى. "هل تطلب مني أن أبتعد؟ أن أغادر حياتك؟" "ليس بالضرورة أن يكون ابتعاداً دائماً. فقط... حتى تهدأ الأمور. حتى أتمكن من إيجاد طريقة. ربما... ربما إذا رأى والدي أنني قد تجاوزت الأمر، وأنني قد استوعبت رغباتهم، فقد يخففون من ضغوطهم."
"آه يا أحمد. هل تظن أن هذا سيغير شيئاً؟ هل تظن أنني سأختفي؟" "لا، بالطبع لا. ولكنني خائف، ليلى. خائف من فقدان كل شيء. خائف من تدمير مستقبلي."
"ومستقبلي؟ ماذا عن مستقبلي؟ أليس له قيمة؟" "لكِ مكانة في قلبي، يا ليلى. مكانة لا يمحوها الزمن. ولكن عليّ أن أكون واقعياً. خالي قال لي شيئاً آخر." توقف، متردداً. "ما هو؟" دفعت ليلى، مشاعرها تتخبط بين الغضب والخوف.
"قال إن هذه الفتاة، سارة، لديها شقيق. وأن والدي يخططون لترتيب لقاء لي معها ومع أخيها في الأسبوع القادم. قال إنها فرصة لتقوية العلاقات بين العائلتين." "فترة خطوبة... لقاءات... هذا كله يعني أنك اخترت بالفعل." قالت ليلى، وصوتها خالٍ من أي تعبير. "لم أختر بعد، ولكن... عليّ أن أواجه هذا الأمر."
"وهل ستقابل هذه الفتاة، سارة؟" "نعم."
"وهل ستتحدث معها عني؟" "لا، بالتأكيد لا."
"وإذا سألتك عني، ماذا ستقول؟" "سأقول إننا... مجرد أصدقاء."
تجمدت ليلى في مكانها. مجرد أصدقاء؟ هذه الكلمة ضربتها كالصاعقة. رفعت عينيها لتنظر إليه، فيهما بريق من الألم لا يحتمل. "مجرد أصدقاء؟ أحمد، هل هذا ما تعتقده؟ هل هذه هي الحقيقة بالنسبة لك؟"
"ليلى، أرجوكِ... حاولي أن تفهمي. أنا في موقف صعب للغاية. والدي... مجتمعي... لا يمكنني فقط أن أتجاهلهم." "تجاهلهم؟ بل أنت تتجاهلني! تتجاهل مشاعري! تتجاهل حبنا!"
"هذا ليس صحيحاً. أنا أحبك. ولكن... خالي قال إن هذه مجرد مسألة وقت. وأن والدي سيجدون طريقة لإقناعي. وأن الأفضل لي هو أن أتعاون معهم." "إذاً، أنت تبيع نفسك؟ تبيع حبك؟" "لا، أنا أحاول الحفاظ على ما لدي."
"ما لديك؟ ما هو ما لديك يا أحمد؟ ما لم تعد تملكه هو شجاعتك. شجاعتك في الدفاع عن حبنا. شجاعتك في اختيار سعادتنا." "الليلى، أرجوكِ..."
"لا. لا تطلب مني أن أفهم. لا يمكنك أن تطلب مني ذلك. لقد فقدت الإيمان بك، أحمد. لم تعد الرجل الذي أحببته. لم تعد الرجل الذي وعدني بالمستقبل. لقد وعدتني بـ 'إلى الأبد'، والآن تقول إننا مجرد أصدقاء؟" "هذا فقط للحفاظ على مظاهر معينة."
"مظاهر؟ أي مظاهر؟ مظاهر الكذب والخداع؟" "لا، مظاهر الاحترام والالتزام تجاه العائلة." "والالتزام تجاهي؟ تجاهي أنا، التي وضعت قلبي وروحي بين يديك؟"
"الليلى، أرجوكِ..." "لا، لن أقول 'أرجوكِ' بعد الآن. لقد فهمت. فهمت أن كلمتك لم تعد لها وزن. فهمت أن حبك هش، وأنك مستعد للتخلي عنه عند أول عاصفة." "ليس الأمر هكذا..."
"بل هو كذلك. أنت اخترت، يا أحمد. لقد اخترت طريقهم. واخترت أن تبتعد عني. وبذلك، أنت لم تبتعد عني أنا فحسب، بل ابتعدت عن نفسك أيضاً. عن ذلك الرجل الذي كنت أؤمن به. عن ذلك الحب الذي كان وطني." نظرت إليه نظرة أخيرة، مليئة بالألم والخيبة. ثم استدارت، وخطواتها ثقيلة، نحو داخل المنزل. تركت أحمد واقفاً تحت نور الشمس الخافت، وحيداً مع صمته، ومع القرار الذي اتخذه. كان الهواء مشحوناً، كما لو أن سماء الصباح قد بدأت تتلبد بالغيوم، حاملةً معها رياح التغيير العاتية.