عيناك وطني
خيوط الماضي المتشابكة
بقلم مريم الحسن
تسلل شعاع القمر الباهت عبر ستائر غرفة "ليلى"، ليكشف عن وجهها الملائكي الذي يعصف به القلق. لم تستطع النوم. كانت تراودها أحلام متقطعة، صور مشوشة من ماضيها مع "بندر". رؤى لأمسياتهم السعيدة، لضحكاتهم الممزوجة، ولكن سرعان ما كانت تتلاشى لتفسح المجال لصور أخرى: وجه "بندر" المتعب، لمعة اليأس في عينيه، وأصوات القمار المجلجلة التي كانت تحيط بهم كعاصفة هوجاء.
تنهدت بعمق، محاولة استجماع قواها. كانت الرسالة التي وصلتها من "بندر" قد تركت أثرًا عميقًا في نفسها. الرغبة في رؤيته، في سماع اعتذاراته، كانت تتصارع مع الخوف من الانجراف مجددًا إلى دوامة الألم. هل كان صادقًا في رغبته بالتغيير؟ هل كانت رحلة العلاج قد صقلت روحه، أم أنها كانت مجرد فترة راحة مؤقتة قبل العودة إلى العادة القديمة؟
"يا رب," همست بصوت خافت، "اهدني إلى الطريق الصحيح. اجعلني قوية بما يكفي لأرى الحقيقة، ولأختار ما فيه الخير لي."
في صباح اليوم التالي، استيقظت "ليلى" مبكرًا. الشمس كانت قد ألقت بأشعتها الذهبية على الرياض، معلنة بدء يوم جديد. لكن بالنسبة لها، لم يكن يومًا عاديًا. كان يوم اللقاء. اختارت ملابسها بعناية، شيئًا يعكس هدوءها الداخلي، ورقيها. فستان أزرق سماوي، بسيط وأنيق، يتناسب مع بشرتها البيضاء وشعرها الداكن.
توجهت إلى المقهى الذي اختاره "بندر" للقائهما. مقهى هادئ، يقع في قلب المدينة، يتميز بأجواءه الشرقية الأصيلة. رائحة القهوة العربية تفوح في الأجواء، وعبق الهيل يملأ المكان. اختارت طاولة في زاوية منعزلة، تسمح لها بالهدوء والتأمل.
وصل "بندر" بعد دقائق. بدا متوترًا، شاحب الوجه، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا مختلفًا هذه المرة. بريق أمل، وبريق عزيمة. ارتدى ثوبًا أبيض ناصعًا، وحمل في يده مصحفًا صغيرًا، كأنما يطلب من الله البركة في لقائه.
"السلام عليكم يا ليلى." قال بصوت خافت، يكاد يكون مسموعًا.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا بندر." أجابت "ليلى"، محاولة كبت توترها.
جلس "بندر" مقابلها، وقضى لحظات صمت، ينظر إليها بعمق، كأنما يحاول أن يقرأ ما يدور في خلدها. "ليلى،" بدأ حديثه، "أعلم أنني قد جرحتكِ كثيرًا، وأن ثقتكِ بي قد تلاشت. لكنني أتيت اليوم لأطلب منكِ فرصة أخرى. فرصة لإثبات أنني تغيرت، وأنني أصبحت رجلاً يستحق حبك."
كانت كلماته صادقة، خالية من أي تزييف. كانت تخبره بكل ما يجول في صدره. "لقد أمضيتُ شهورًا في مصحة، أصارع وحشي الداخلي. وحش القمار الذي كاد أن يلتهم حياتي، ويحطمني. تعلمتُ أنني كنتُ ضعيفًا، أنني سمحتُ للشيطان أن يتلاعب بي. لكنني الآن، بتوفيق الله، بدأتُ أستعيد وعيي."
"ليلى" استمعت بصمت، قلبها ينبض بسرعة. كانت تدرك أن الإدمان مرض، وأن الشفاء منه رحلة طويلة وشاقة. لكنها كانت ترى في "بندر" جدية حقيقية، ورغبة صادقة في التغيير. "ما الذي جعلك تتغير يا بندر؟" سألت بصوت حذر.
"الخسارة يا ليلى،" أجاب بحزن، "خسارة كل شيء. خسارة نفسي، خسارة احترام الناس، والأهم، خسارة حبكِ. لقد استيقظتُ ذات صباح، لأجد أنني فقدتُ كل شيء. لم يبقَ لي سوى الذكريات، وندم عميق. عندها، أدركتُ أنني يجب أن أغير حياتي، قبل أن تنهار تمامًا."
"ثم قابلتُ الشيخ أحمد. كان له دور كبير في حياتي. لقد فتح لي أبواب الأمل، وزرع في قلبي حب الله. لقد علمني أن القوة الحقيقية ليست في المقامرة، بل في الصبر، وفي الاستعانة بالله."
كان "بندر" يتحدث عن إيمانه الجديد، عن الأمل الذي استعاده. كانت "ليلى" ترى في عينيه نورًا لم تره من قبل. نور الصدق، ونور التوبة. "لكن كيف سأثق بك يا بندر؟" سألت بصوت متهدج. "كيف أتأكد أن هذه ليست مجرد كلمات؟"
"أعلم أن الثقة لا تُبنى في يوم وليلة،" قال "بندر"، "لكنني مستعدٌ لأفعل كل ما بوسعي لأستعيدها. أريد أن أبدأ من جديد، معكِ. أريد أن أتقدم لخطبتكِ رسميًا، وأن أثبت لكِ ولأهلكِ أنني رجلٌ جديرٌ بكِ."
كان عرضه جريئًا، لكنه كان يحمل في طياته صدقًا كبيرًا. "ليلى" كانت تفكر في والديها، في مخاوفهما. لكنها كانت تفكر أيضًا في قلبها، في ما تشعر به تجاه "بندر". كانت ترى فيه فرصة، فرصة قد لا تتكرر.
في هذه الأثناء، كان "فهد" يراقب من بعيد. كان قد رأى "بندر" يدخل المقهى، ورأى "ليلى" تستقبله. كان قلبه ينقبض. كان يخشى أن تنجرف "ليلى" مرة أخرى في حب "بندر"، وأن تنسى ماضيها المؤلم. كان يعلم أن "بندر" كان لديه ماضٍ مظلم، وأن الإدمان ليس من الأمراض التي تشفى بسهولة.
"هذه المرة، لن أسمح له بتدمير حياتها مرة أخرى،" همس "فهد" لنفسه، وعقد العزم على التدخل. كان يشعر بالمسؤولية تجاه "ليلى"، وكان يرى أن واجبه هو حمايتها من أي ضرر.
كانت خيوط الماضي تتشابك مع حاضر "ليلى" و"بندر"، وتُلقي بظلالها على مستقبلهما. هل كان حبهم أقوى من قيود الماضي؟ هل كان الشفاء ممكنًا؟ أم أن الإدمان سيظل شبحًا يطاردهما إلى الأبد؟