الحب المستحيل الجزء الثالث
اللقاء الأول على ضفاف النيل
بقلم مريم الحسن
كانت الشمس تنسج خيوطها الذهبية الأخيرة على صفحة النيل المتلألئة، تلقي بظلال طويلة وهاجعة على أرض الكنانة. في أحد أزقتها القديمة، حيث تفوح رائحة الياسمين المعتق وعبق التاريخ، كان الحاج "عبد الرحمن" يتجول بخطى وئيدة، يلامس بأنامله الهرمة جدران البيوت العتيقة، يستحضر ذكريات زمن مضى. حاجبه الأشم تعلوه مسحة من القلق، وعيناه اللتان شهدتا سنين الدهر، تتأملان الغروب بعين المتفكر.
في الجهة المقابلة، على شرفة مطلة على النهر، وقفت "ليلى"، فتاة في مقتبل العمر، تتنفس عبير المساء المنعش. كانت تحمل بين يديها مصحفاً، تستقرأ آياته بخشوع، غير أن قلبها لم يكن ساكناً. كانت تعيش في عالم من أحلام وردية، عالم نسجته لها خيالها الواسع، عالم مليء بالفروسية والأخلاق الكريمة، عالم يتناغم مع قيمها الرفيعة. شعرها الأسود الداكن ينسدل كشلال حرير على كتفيها، وعيناها البنيتان الواسعتان تحملان بريقاً خاصاً، مزيجاً من الحياء والعزم.
فجأة، انقطع صمت المساء الهادئ بصوت صراخ مفاجئ قادم من الشارع السفلي. انتبه الحاج عبد الرحمن، وسار بخطى أسرع نحو مصدر الصوت. ليلى، رغم ترددها، ألقت المصحف جانباً، وتسللت نحو حافة الشرفة، محاولة رؤية ما يجري.
لم تكد تكمل حركتها حتى رأت شاباً يركض في الشارع، مطارداً من قبل رجلين ذوي بأس شديد. كان الشاب يرتدي جلباباً بسيطاً، ويبدو أنه يحمل شيئاً ثميناً في يده. كان يرتعش خوفاً، لكنه لم يفقد رباطة جأشه.
"اترك ما في يدك أيها اللص!" صاح أحد المهاجمين بصوت أجش.
"لست لصاً! هذا لي!" أجاب الشاب بصوت مرتجف، لكنه يحمل نبرة عناد.
اندفع الحاج عبد الرحمن نحو الموقف، رافعاً عصاه. "ما هذا العبث؟ اتقوا الله!"
التفت المهاجمان نحو الحاج، لكنهما وجدا أنفسهما أمام مقاومة لم يتوقعاها. تقدم الحاج بخطوات ثابتة، ووقف بين الشاب والمهاجمين، مستعيناً بعصاه القوية.
"ابتعد أيها العجوز! لا نريد إيذاءك!" هدد أحدهما، محاولاً دفعه.
لكن الحاج عبد الرحمن لم يتزحزح. "إيذاء أي شخص هو إيذاء لي. ومن يهاجمني، يهاجم تاريخ هذه المدينة."
في هذه الأثناء، كانت ليلى قد قررت التصرف. نزلت مسرعة من الشرفة، متجاهلة نداءات والدتها الخافتة. حملت قربة ماء كانت معدة للسقي، واتجهت نحو الشارع.
وصلت ليلى إلى المكان، ورأت الحاج يصارع المهاجمين. دون تفكير، صبت الماء على رؤوسهم. تفاجأ المهاجمان بالبلل المفاجئ، وارتبكا للحظات. استغل الشاب هذه الفرصة، وأسرع بالركض مبتعداً، تاركاً خلفه الحاج عبد الرحمن يواجه مصيره.
"يا لكما من جبناء!" صرخ الحاج، وهو يتلقى دفعة قوية أدت إلى سقوطه أرضاً.
"أمّي! الحاج عبد الرحمن!" نادت ليلى بصوت عالٍ، وركضت نحو الحاج.
عندما رأت ليلى ما حدث، صرخت بصوت مرتعب. هرع اثنان من جيران الحاج، كانا قد سمعا الضجة، وساعداه على النهوض. سألته ليلى بقلق: "هل أنت بخير يا عمي؟"
نظر الحاج عبد الرحمن إلى ليلى، وعيناه تتفحصانها. كان يراها للمرة الأولى، لكنه شعر بجرأة روحها وشجاعتها. ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بصوت متعب: "الحمد لله، أنا بخير يا ابنتي. لقد فعلتِ ما لم يستطع فعله الكثيرون."
نظر المهاجمان إلى الحاج وليلى، ورأيا أن الفرصة قد ضاعت. بصياح وعيد، انصرفا بسرعة، واختفيا في الأزقة المظلمة.
ساد الصمت المكان مرة أخرى، ولم يسمع سوى صوت أنين الحاج عبد الرحمن وهو يتألم. ساعدته ليلى وبعض الجيران على الوصول إلى منزله. كانت تتصرف بجدية وحكمة تفوقان سنها.
في هذه الأثناء، كان الشاب الذي هرب، والذي اسمه "أحمد"، قد وصل إلى مكان آمن. كان قلبه يخفق بعنف، وصدره يتسارع. كان يحمل في يده قلادة قديمة، منقوش عليها اسم والده. هذه القلادة هي كل ما تبقى له من عائلته. كان قد سرقها من تجار آثار كانوا ينون بيعها في السوق السوداء. كان أحمد يعيش في كنف جده، وكان يحاول جاهداً أن يوفر لهما حياة كريمة، لكن الظروف كانت أقسى عليه.
عندما عاد الحاج عبد الرحمن إلى منزله، كانت ليلى تشعر بمسؤولية تجاهه. أرادت أن تتأكد من أنه بخير. بعد صلاة العشاء، ذهبت ليلى إلى بيت الحاج عبد الرحمن، وهو رجل كريم ومعروف في الحي. طرق الباب، ففتحه الحاج بنفسه، وكانت آثار الكدمات بادية على وجهه.
"الحمد لله على سلامتك يا عمي"، قالت ليلى بحرارة. "هل تحتاج إلى شيء؟"
"لا يا ابنتي، شكراً لك. لقد أكرمك الله بالصحة والعافية. لقد كان موقفك شجاعاً حقاً."
جلست ليلى في رواق البيت، وتحدثت مع الحاج. اكتشفت أنه كان يحاول حماية شاب فقير من السطو. كان الحاج، رغم كبر سنه، يؤمن بأن الحق يجب أن ينتصر.
"لكن، هل تعرف من كان هذا الشاب؟" سألت ليلى.
"لا، لم أره من قبل. لكنني رأيت في عينيه بريق الصدق. لقد كان يحمل شيئاً ثميناً، وأظن أنهم كانوا يريدون سرقته."
بدأت ليلى تفكر في الشاب الذي رأته يركض. كان شكله وملابسه تدلان على الفقر، لكنه كان يدافع عن شيء ما. ربما كانت القلادة التي كانت معه.
"آمل أن يكون بخير"، قالت ليلى بتأثر. "لقد كان موقفه صعباً."
"إن الله مع الصابرين"، قال الحاج عبد الرحمن، وهو يتناول كوباً من الشاي. "ولكن، كان يجب أن أحذر. السن يضعف الجسد، ولكن لا يضعف الروح."
نظرت ليلى إلى الحاج، وشعرت بحزن عميق على ما حدث. كانت تفكر في قوة الظلم، وفي ضعف الخير أحياناً. لكنها تذكرت أيضاً ما قاله الحاج عن الصبر، وعن معية الله.
"في غدٍ، سأذهب إلى حيث كان ذلك الحادث، وأسأل عن الشاب"، قالت ليلى بحزم.
"وهل هذا من شأنك؟" سأل الحاج عبد الرحمن، مرتفعاً قليلاً صوته.
"إنما المؤمنون إخوة"، ردت ليلى بهدوء. "وإن رأيت محتاجاً، أو ضعيفاً، وجب عليّ أن أقدم له يد العون."
نظر الحاج إليها بإعجاب. كانت ليلى تتمتع بقلب كبير، وبإيمان قوي. "بارك الله فيك يا ابنتي. قد تحتاجين إلى مساعدة. ربما تجدينني على أهبة الاستعداد."
ابتسمت ليلى. كانت تعرف أن هذا الحادث، الذي بدا عادياً في بدايته، سيؤدي إلى شيء أكبر. شعرت بأنها دخلت في دوامة من الأحداث، وأنها لن تعود كما كانت. كانت الشمس قد غابت تماماً، وبدأت نجوم السماء تتلألأ، كأنها تشهد على بداية قصة جديدة.