الحب المستحيل الجزء الثالث

رسائلُ الأمسِ وهواجسُ الغدِ

بقلم مريم الحسن

جلستْ ليلى على مائدةِ الإفطارِ، تُحاولُ أنْ تتجاوبَ معَ حديثِ جدتِها السيدةِ أمينةَ، لكنَّ قلبَها ظلَّ مُنصرفًا إلى تفاصيلِ لقائِها بأحمدَ. كانتْ كلماتُهُ، نظراتُهُ، حتى نبرةُ صوتِهِ، ترنُّ في أذنيها كصدىً لحنٍ قديمٍ. تذكرتْ حينَ تحدثَ عنْ والدتِهِ الراحلةِ، وكيفَ كانَ يُحبُّها حبًا لا حدودَ لهُ. شعرتْ ليلى بأسىً عميقٍ، فالوحدةُ التي عاشَها أحمدُ في غيابِ والدتِهِ، كانتْ شيئًا تفهمُهُ تمامًا، فهيَ أيضًا مرتْ بفترةٍ عصيبةٍ بعدَ فقدانِ جدتِها الحنونةِ، السيدةِ زينبَ.

"ما بكِ يا ابنتي؟ تبدينَ شاردةً الذهنِ." قالتْ السيدةُ أمينةُ، مُقاطعةً شرودَ ليلى. "لا شيءَ يا جدتي، مجردُ تفكيرٍ بسيطٍ." أجابتْ ليلى، مُبتسمةً ابتسامةً متكلفةً. "أتفكرينَ في هذا الشابِّ، أحمدَ؟" سألتْ السيدةُ أمينةُ مباشرةً، بعينيها الثاقبتينِ. احمرَّ وجهُ ليلى خجلًا، لكنّها أجابتْ بصدقٍ: "نعمْ يا جدتي. لقدْ أثرَ فيَّ كثيرًا." "أعلمُ يا حبيبتي. قلبُ الشابِّ الطيبِ، والقلوبُ التي مرتْ بتجاربَ مشابهةٍ، غالبًا ما تجدُ بعضَها البعضَ." قالتْ السيدةُ أمينةُ، مُمسكةً بيدِ ليلى. "لكنَّ الحياةَ ليستْ قصةً خياليةً، يا ليلى. يجبُ أنْ تكوني حذرةً، وأنْ تتأكدي منْ نوايا الجميعِ."

في تلكَ الأثناءِ، كانَ أحمدُ في مكتبِ والدهِ، يُقلِّبُ في أوراقِ صفقةٍ جديدةٍ. كانَ والدهُ، السيدُ خالدٌ، قدْ دعاهُ لمناقشةِ التفاصيلِ. كانَ أحمدُ يرى في هذهِ الصفقةِ فرصةً لإثباتِ نفسِهِ، وإظهارِ قدراتِهِ لوالدهِ الذي لطالما كانَ يُشككُ في قدراتِهِ، مُقارنةً إياهُ دائمًا بأخيهِ الأكبرِ، سيفٍ، الذي كانَ يُلقبُ دائمًا بـ "الوريثِ المثاليِّ".

"أحمدُ، هذهِ الصفقةُ كبيرةٌ جدًا، وتتطلبُ حذرًا شديدًا." قالَ السيدُ خالدٌ، بنبرةٍ تحملُ شيئًا منَ التوجيهِ. "لقدْ استثمرتُ فيها جزءًا كبيرًا منْ أموالِ الشركةِ، ولا أريدُ أنْ أرى أيَّ أخطاءٍ." شعرَ أحمدُ بضيقٍ. كانَ يشعرُ دائمًا بأنَّ والدهُ لا يمنحُهُ الثقةَ الكاملةَ. "أتفهمُ يا أبي. سأبذلُ قصارى جهدي." قالَ أحمدُ، مُحاولًا أنْ يُخفيَ إحباطَهُ.

في جانبٍ آخرَ منَ المدينةِ، كانتْ ليلى تتلقى رسالةً عبرَ هاتفِها. كانتْ رسالةً منْ مصدرٍ غيرِ معروفٍ، تحملُ كلماتٍ غامضةً: "احذري منْ الغرباءِ، فالبعضُ قدْ يخفي نواجذَهُ تحتَ ابتسامةٍ زائفةٍ." شعرتْ ليلى بالارتعاشِ. منْ قدْ يكونُ هذا الشخصُ؟ ولماذا يحذرُها؟ هلْ يتعلقُ الأمرُ بأحمدَ؟ أمْ بشخصٍ آخرَ؟

قررتْ ليلى أنْ تتحدثَ معَ صديقتِها المقربةِ، سارةَ. كانتْ سارةُ فتاةً ذكيةً، وعمليةً، وغالبًا ما تقدمُ لها النصائحَ السديدةَ. "سارة، هلْ لديكِ وقتٌ لأتحدثَ معكِ؟" قالتْ ليلى حينَ أجابتْ سارةُ على مكالمتِها. "بالطبعِ يا ليلى. ما الأمرُ؟ تبدينَ قلقةً." أجابتْ سارةُ. روتْ ليلى لسارةَ كلَّ شيءٍ، عنْ لقائِها بأحمدَ، وعنْ الرسالةِ الغامضةِ. "الرسالةُ تبدو مقلقةً حقًا يا ليلى." قالتْ سارةُ بعدَ تفكيرٍ. "لكنْ لا يجبُ أنْ نستسلمَ للخوفِ. ربما يكونُ مجردَ شخصٍ يحاولُ إثارةَ القلقِ. ما رأيكِ أنْ تقابلي أحمدَ مجددًا، وتُحاولي أنْ تعرفي المزيدَ عنه؟"

وافقتْ ليلى على فكرةِ سارةَ. شعرتْ بأنَّها بحاجةٍ إلى المزيدِ منَ المعلوماتِ قبلَ أنْ تتخذَ أيَّ قرارٍ. لكنَّ قلبَها كانَ مُثقلًا بالشكوكِ. هلْ كانَ أحمدُ صادقًا في مشاعرِهِ؟ أمْ كانَ لديهِ أجندةٌ خفيةٌ؟

في هذهِ الأثناءِ، كانَ بدرٌ يُفكرُ في العرضِ الذي قدمهُ لهُ صديقُهُ. كانَ المشروعُ يتطلبُ رأسَ مالٍ كبيرًا، وكانَ يخشى أنْ يطلبَ منْ والدهِ. لكنَّهُ كانَ يعلمُ أنَّ والدهُ لا يثقُ كثيرًا في المشاريعِ الجديدةِ، وأنَّهُ سيُمانعُ.

"والدي، لديّ أمرٌ أودُّ أنْ أتحدثَ معكَ فيهِ." قالَ بدرٌ لوالدهِ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ، حينَ اجتمعَ العائلةُ على العشاءِ. "تفضلْ يا بني." أجابَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، مُبتسمًا. شرحَ بدرٌ لوالدهِ عنْ المشروعِ وعنْ فرصتِهِ، لكنَّ الحاجَّ عبدَ الرحمنِ استمعَ إليهِ بنوعٍ منَ التحفظِ. "يا بني، الأعمالُ التجاريةُ مخاطرةٌ، خاصةً في هذهِ الأوقاتِ. أنا أفضّلُ أنْ نستثمرَ في ما نعرفُهُ جيدًا." قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ. "لكنْ إذا كانَ الأمرُ مهمًا بالنسبةِ لكَ، فقدْ أفكرُ في مساعدتِكَ، لكنْ بشروطٍ. يجبُ أنْ يكونَ هناكَ دراسةٌ جدوى مُفصلةٌ، وأنْ يكونَ هناكَ شريكٌ موثوقٌ بهِ."

شعرَ بدرٌ بخيبةِ أملٍ، لكنَّهُ أدركَ أنَّهُ لا خيارَ لديهِ سوى أنْ يُثبتَ لوالدهِ أنَّهُ قادرٌ على النجاحِ.

في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ ليلى أنْ تنامَ. كانتْ تتأرجحُ بينَ رغبتِها في معرفةِ المزيدِ عنْ أحمدَ، وبينَ خوفِها منَ المجهولِ. الرسالةُ الغامضةُ كانتْ تُثيرُ قلقَها، وتُشككُ في كلِّ شيءٍ. هلْ كانَ لقاؤها بأحمدَ مجردَ صدفةٍ؟ أمْ كانَ هناكَ شيءٌ أكبرُ يدورُ في الخفاءِ؟

كانتْ تدركُ أنَّ عليها أنْ تكونَ قويةً، وأنْ تواجهَ مخاوفَها. لكنَّ الصراعَ الداخليَّ كانَ يزدادُ حدةً. هلْ ستستمعُ إلى قلبِها، أمْ إلى تحذيراتِ الغرباءِ؟ سؤالٌ ظلَّ يترددُ في أروقةِ عقلِها، مُنتظرًا إجابةً قدْ تُغيرُ كلَّ شيءٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%