الحب المستحيل الجزء الثالث
لُغزُ الماضي وظلالُ الحاضرِ
بقلم مريم الحسن
في صباحٍ جديدٍ، قررتْ ليلى أنْ تواجهَ مخاوفَها. شعرتْ بأنَّ الرسالةَ الغامضةَ قدْ زرعتْ بذورَ الشكِّ في قلبِها، وأنَّها بحاجةٍ إلى مواجهةِ مصدرِ هذا الشكِّ. اتصلتْ بأحمدَ، وطلبتْ منهُ أنْ يلتقيا في مكانٍ هادئٍ، بعيدًا عنْ الأعينِ الفضوليةِ. اختارتْ حديقةً عامةً هادئةً، مزينةً بأشجارِ الزيتونِ القديمةِ، حيثُ الهواءُ منعشٌ، والمقاعدُ الخشبيةُ تُقدمُ ملاذًا لمنْ يبحثُ عنْ السكينةِ.
عندما وصلتْ ليلى، وجدتْ أحمدَ جالسًا على أحدِ المقاعدِ، يُمسكُ بكتابٍ، لكنَّ عينيْهِ كانتْ تتأملانِ الأفقَ البعيدَ. بدتْ عليهِ علاماتُ الحزنِ، فبدتْ ملامحُهُ أكثرَ جديةً وصلابةً. "السلامُ عليكمْ يا أحمدَ." قالتْ ليلى بنبرةٍ هادئةٍ. "وعليكمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتهِ، ليلى." أجابَ أحمدُ، مُستديرًا نحوها. "كنتُ أنتظرُكِ." جلستْ ليلى بجانبهِ، شعرتْ بتوترٍ واضحٍ. "أحمدُ، أريدُ أنْ أسألَكَ سؤالًا مباشرًا، وأرجو أنْ تُجيبني بصدقٍ." نظرَ أحمدُ إليها، متفاجئًا منْ حدةِ نبرتِها. "تفضلي." "هلْ تعرفُ شيئًا عنْ شخصٍ قدْ يُحاولُ إيذائي، أوْ زرعَ الشكِّ في قلبي؟" سألتْ ليلى، مُحاولةً أنْ تُبقيَ صوتَها ثابتًا.
ارتبكَ أحمدُ قليلًا، لكنَّهُ استجمعَ رباطةَ جأشِهِ. "لماذا تسألينَ هذا السؤالَ؟ هلْ حدثَ شيءٌ؟" ترددتْ ليلى قليلًا، ثمَّ قررتْ أنْ تُصارحَهُ. "تلقيتُ رسالةً غامضةً بالأمسِ، تحذرني منْ الغرباءِ، ومنْ الابتساماتِ الزائفةِ." شعرَ أحمدُ بالصدمةِ. "رسالةً؟ منْ؟" "لا أعرفُ. لهذا السببِ أنا هنا. هلْ تعتقدُ أنَّ لأحدٍ دخلٍ في هذا؟" سألتْ ليلى، مُراقبةً ردةَ فعلِهِ.
تنهدَ أحمدُ بعمقٍ. "ليلى، أنا لا أعرفُ شيئًا عنْ هذهِ الرسالةِ. لكنْ… ربما يكونُ الأمرُ متعلقًا بماضي والدتي." "والدتِكِ؟" سألتْ ليلى بدهشةٍ. "نعمْ. والدتي كانتْ تتعرضُ للكثيرِ منَ الأعداءِ قبلَ وفاتِها. كانتْ صاحبةَ مبادئَ قويةٍ، ولمْ تكنْ تتنازلُ عنْ حقوقِها. ربما يكونُ هناكَ شخصٌ يحاولُ الانتقامَ منها، أوْ استغلالَ غيابِها." قالَ أحمدُ، وعيناهُ تلمعُ بدموعٍ لمْ تستطعْ أنْ تتساقطَ.
بدأتْ ليلى تشعرُ بالتعاطفِ معَ أحمدَ. أدركتْ أنَّ خلفَ تلكَ الواجهةِ الصلبةِ، يختبئُ قلبٌ يُعاني. "أحمدُ، أنا… أنا آسفةٌ جدًا لما مرتْ بهِ والدتُكِ. لكنْ… كيفَ يرتبطُ هذا بي؟" "ربما… ربما سمعَ عنْ لقائِنا، أوْ عنْ اهتمامي بكِ، فأرادَ أنْ يُخيفَكِ، أوْ أنْ يُبعدَكِ عني." قالَ أحمدُ، مُحاولًا ربطَ الخيوطِ. "والدتي كانتْ تملكُ بعضَ الأسرارِ، بعضَ المعلوماتِ التي قدْ تُزعجُ البعضَ."
في هذهِ الأثناءِ، كانَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ قدْ اجتمعَ ببعضِ شركائِهِ القدامى في مجلسِهِ الفخمِ. كانَ الحديثُ يدورُ حولَ مشروعٍ استثماريٍّ قديمٍ، لكنَّهُ كانَ يحملُ في طياتِهِ ذكرى لمْ تنسَ. "الحاجُّ، هلْ تتذكرُ صفقةَ الأراضي تلكَ التي تمتْ قبلَ عشرينَ عامًا؟" سألَ أحدهمْ. "كيفَ أنساها؟ لقدْ كانتْ صفقةً ناجحةً جدًا، لكنَّها حملتْ معها بعضَ المشاكلِ." أجابَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، وقدْ ارتسمَ على وجهِهِ شيءٌ منَ القلقِ. "أتذكرُ أنَّ هناكَ شخصًا كانَ يُعارضُ الصفقةَ بشدةٍ، وهوَ رجلٌ لهُ نفوذٌ كبيرٌ. هلْ ما زالَ على قيدِ الحياةِ؟" "أخشى أنْ يكونَ الأمرُ كذلكَ." قالَ الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، وقدْ بدأَ يشعرُ بأنَّ الماضي بدأَ يُطاردُهُ.
في مكانٍ آخرَ، كانَ السيدُ خالدٌ قدْ تلقى اتصالًا هاتفيًا منْ شخصٍ غامضٍ. "سيدُ خالدٌ، أعلمُ أنَّكَ تبحثُ عنْ طريقةٍ لتوسيعِ أعمالِكَ." قالَ الصوتُ. "لديّ معلومةٌ قدْ تكونُ ذاتَ فائدةٍ كبيرةٍ لكَ، لكنْ… أريدُ مقابلًا." تسمَّرَ السيدُ خالدٌ في مكانِهِ. كانَ يشعرُ بأنَّ هذا الصوتَ يحملُ تهديدًا مبطنًا. "ما هيَ المعلومةُ؟ وماذا تريدُ؟" "لا تتعجلْ، كلُّ شيءٍ في وقتِهِ. لكنْ تذكرْ، أحيانًا تكونُ الحقيقةُ مؤلمةً." قالَ الصوتُ، ثمَّ أغلقَ الخطَّ.
عادتْ ليلى إلى المنزلِ، وقلبُها مُثقلٌ بالأسئلةِ. حديثُ أحمدَ عنْ والدتِهِ قدْ فتحَ لها بابًا جديدًا في فهمِ أسرارِ عائلتِهِ. هلْ كانَ لديهِ الحقُّ في الشكِّ؟ هلْ كانَ هذا التحذيرُ مجردَ محاولةٍ لإبعادِها؟
في غرفتِها، فتحتْ ليلى صندوقَ ذكرياتِ والدتِها. كانتْ تبحثُ عنْ أيِّ دليلٍ، عنْ أيِّ شيءٍ قدْ يُضيءُ لها الطريقَ. وبينما كانتْ تُقلِّبُ في الأوراقِ القديمةِ، وقعَ بصرُها على رسالةٍ قديمةٍ، بخطِّ والدتِها. كانتْ الرسالةُ موجهةً إلى صديقٍ عزيزٍ، تتحدثُ فيها عنْ مخاوفَها، وعنْ شخصٍ يُهددُ حياتَها. لمْ تذكرْ اسمَ هذا الشخصِ، لكنَّها وصفتْهُ بأنهُ "ذئبٌ يرتدي ثيابَ حملٍ".
شعرتْ ليلى بالبردِ يسري في عروقِها. أدركتْ أنَّ هذهِ الرسالةَ قدْ تكونُ مفتاحَ اللغزِ. هلْ كانَ هذا الشخصُ ما زالَ موجودًا؟ وهلْ كانَ هوَ منْ أرسلَ الرسالةَ إليها؟
في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ ليلى أنْ تنامَ. كانتْ تتخيلُ وجوهَ الأشخاصِ الذينَ ذكرهمْ أحمدُ، وتتذكرُ كلماتِ الرسالةِ الغامضةِ، وتُقارنُها بما قرأتْهُ في رسالةِ والدتِها. شعرتْ بأنَّها عالقةٌ في شبكةٍ مُعقدةٍ منَ الماضي والحاضرِ، وأنَّها بحاجةٍ إلى اكتشافِ الحقيقةِ قبلَ فواتِ الأوانِ.
كانَ الصراعُ الداخليُّ يزدادُ شراسةً. هلْ كانَ أحمدُ صادقًا؟ أمْ أنَّهُ جزءٌ منْ هذا اللغزِ؟ وهلْ كانتْ مشاعرُها تجاههُ صحيحةً، أمْ أنَّها مجردُ وهمٍ؟ أسئلةٌ بدأتْ تتصارعُ في عقلِها، مُنتظرةً شروقَ شمسٍ جديدٍ، تحملُ معها إجاباتٍ قدْ تكونُ مؤلمةً، لكنَّها حتميةٌ.