الحب المستحيل الجزء الثالث
اعترافاتٌ مبطنة وخطواتٌ حذرة
بقلم مريم الحسن
جلست ليلى أمام والدتها، وقد نسجت كلماتها بعناية، محاولةً إضفاء هالةٍ من الاحترام والتقدير على القصة التي ستحكيها. لم تكن تريد أن تجرح مشاعر والدتها، أو أن تثير غضبها. كانت تعرف أن والدتها تتمتع بقلبٍ طيب، ولكنها كانت أيضًا امرأةٌ تتمسك بالعادات والتقاليد.
"أمي،" بدأت ليلى، وقد أحكمت قبضتها على يديها، "هل تتذكرين تلك الأيام التي كنتُ فيها أتحدث عن أحلامي؟ عن رغبتي في أن أجد شريكًا يفهمني، ويشاركني حياتي؟"
أومأت السيدة فاطمة برأسها. "نعم يا ابنتي، أتذكر."
"لقد كان في حياتي شخصٌ،" تابعت ليلى، "شخصٌ لم يكن في الصورة التي ترسمها العائلتان عادةً. شخصٌ عرفته بالصدفة، ولكن لقاءنا كان عميقًا، وقد ترك أثرًا في نفسي. لم يكن لقاءً عابرًا، بل كان لقاءً شعرت فيه بالسكينة والأمان."
كانت ليلى تتحدث عن "أحمد" بكلماتٍ مجردة، تتجنب ذكر اسمه أو تفاصيل لقائهما. كانت تريد أن توصل الفكرة أولاً، قبل أن تكشف عن الهوية.
"لم يكن الأمر سهلاً،" استمرت ليلى، "لقد كانت هناك ظروفٌ حالت دون أن نلتقي بشكلٍ رسمي. ظروفٌ خارجة عن إرادتنا. ولكن قلبي قد اختاره، وعقلي قد مال إليه. إنه شخصٌ ملتزمٌ بدينه، وأخلاقه عالية، ورغم أنه قد لا يملك ثروةً كبيرة، إلا أنه يملك كنوزًا لا تقدر بثمن."
كانت السيدة فاطمة تستمع بانتباه، وقد بدأت ملامح القلق ترتسم على وجهها. كانت تعلم أن ابنتها ليست من النوع الذي يتعلق بالأمور العابرة. كانت ليلى فتاةٌ رزينة، تفكر بعمق.
"وهل تعرفين أنه يعرف أهلكِ؟" سألت السيدة فاطمة بحذر.
اتسعت عينا ليلى. كيف عرفت؟ هل كانت تراقبها؟ أم أن هناك من أخبرها؟
"لم... لم أتحدث معه عن هذا الأمر بشكلٍ مباشر،" أجابت ليلى بحذر. "ولكنني أعتقد أنه ربما يعرف عائلتكم من بعيد."
شعرت ليلى ببعض الارتياح، لأن والدتها لم تظهر عليها علامات الغضب، بل كانت تبدو متفهمة.
"يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة وهي تمسك بيد ليلى، "لقد ربيتكِ على الصدق والأمانة. وأنا أثق بكِ. ولكنني أيضًا أخاف عليكِ. في هذا الزمن، الأمور ليست دائمًا كما تبدو. قد تكون هناك عواقب لا نحمد عقباها."
"أنا أعرف ذلك يا أمي،" قالت ليلى، وقد امتلأت عيناها بالدموع. "ولكنني لا أستطيع أن أكذب على قلبي. لقد حاولتُ أن أنسى، حاولتُ أن أعيش حياتي كما ينبغي، ولكنني لم أستطع. إنه الشخص الذي أريده."
"وهل تقدم لكِ؟ هل أتى لطلب يدكِ؟" سألت السيدة فاطمة.
"لم يتمكن من ذلك بعد،" قالت ليلى. "كانت هناك صعوبات. ولكنني واثقةٌ بأنه سيجد طريقة. إنه رجلٌ وفيّ."
في تلك الأثناء، كان "أحمد" في مكتب والده. كان الحاج سعيد يتحدث إليه بحزم. "يا أحمد، لقد حسمتُ أمري. سأسافر غدًا. هذه القضية تتطلب وجودي هناك، وبقائي لفترة. أنت عليك أن تدير الأمور هنا. وأن تتصرف بحكمة."
كان أحمد يشعر بالضغط. كان يريد أن يخبر والده عن "ليلى"، عن خططه، ولكن الوقت لم يكن مناسبًا. لقد كان والده مشغولًا جدًا بقضية "سالم".
"ولكن يا أبي،" قال أحمد مترددًا، "هناك أمرٌ أود أن أتحدث معك فيه قبل سفرك."
"ما هو؟" سأل الحاج سعيد، وقد بدا عليه الإرهاق.
"إنه أمرٌ يتعلق بمستقبلي،" قال أحمد. "لقد وجدتُ الشخص المناسب، وأود أن أخطبها."
نظر الحاج سعيد إلى ابنه بدهشة. "من هي؟ هل تعرفها عائلتك؟"
"نعم يا أبي، أعرفها جيدًا،" قال أحمد. "إنها "ليلى"."
صمت الحاج سعيد لبرهة، ثم قال: "ليلى؟ ابنة "الحاج محمود"؟"
"نعم يا أبي."
"لقد علمتُ بخطوبة "علي" لابنة عمته،" قال الحاج سعيد. "هل أنت متأكد من هذا؟ هل هذا وقتٌ مناسب؟"
كان الحاج سعيد يقصد بـ "هذا" وقت الأزمة التي تمر بها عائلته. ولكن أحمد كان يرى أن هذه هي اللحظة المناسبة.
"يا أبي،" قال أحمد بحزم، "لقد وعدتُ ليلى. ووعدي لا رجعة فيه. أنا أحبها، وهي تحبني. وسأظل أسعى لإتمام زواجنا بالحلال، حتى لو اضطررتُ لتقديم تنازلات."
تنهد الحاج سعيد. كان يعلم أن ابنه رجلٌ عنيد، وعنيدٌ في الحق. "ولكن هل عائلتها موافقة؟ هل "الحاج محمود" يعلم؟"
"أعتقد أن عائلتها بدأت تتقبل الفكرة،" قال أحمد، مستذكرًا حديثه الأخير مع "ليلى". "و"الحاج محمود" لم يمانع في الأساس. المشكلة كانت في "علي"."
"علي؟" قال الحاج سعيد. "إنه شابٌ طموح، ولكن طموحه قد يعميه."
"لهذا السبب يا أبي، أود أن أتحدث معك. قبل أن تسافر. أود أن آخذ موافقتك، وأن نبدأ في الخطوات الرسمية."
نظر الحاج سعيد إلى ابنه، وقد شعر بفخرٍ مختلطٍ بالقلق. "حسنًا يا بني. سأتحدث معك في هذا الأمر عند عودتي. ولكن عليك أن تدرك أن هناك الكثير من التعقيدات. وعليك أن تكون مستعدًا لمواجهتها."
شعر أحمد ببعض الأمل. كان يعلم أن والده سيساعده. كان والده دائمًا سندًا له.
في تلك الليلة، تحدثت ليلى مع والدتها بتفصيل أكبر. كشفت لها عن بعض الذكريات التي جمعتها بـ"أحمد"، وكيف أنها شعرت بالانسجام معه. كانت والدتها تستمع بصبر، وتطرح أسئلةً حكيمة.
"ولكن يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، "ماذا عن "علي"؟ إنه يصر على الزواج منكِ. وهذا قد يسبب مشاكل كبيرة مع عائلتكم."
"أعلم يا أمي،" قالت ليلى. "ولكنني لا أريد "علي". قلبي مع "أحمد"."
"وهل "أحمد" مستعدٌ لمواجهة "علي" وعائلته؟" سألت السيدة فاطمة.
"أعتقد ذلك،" قالت ليلى. "إنه رجلٌ شجاع، ويعرف كيف يأخذ حقوقه. ولكنه قد يحتاج إلى بعض المساعدة."
نهاية الفصل: وبينما كانت ليلى وأحمد يتحدثان بصمتٍ إلى قلوبهما، كان المحامي "خالد" قد وصل إلى عنوان "فاطمة"، أخت أحمد، حاملًا معه صندوقًا قديمًا، صندوقًا قد يحتوي على مفتاحٍ لمواجهةٍ قادمة.