الحب المستحيل الجزء الثالث

الفجر الكاذب

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات المساء الباردة تداعب أوراق أشجار النخيل باسقة في فناء منزل الحاج منصور، حاملةً معها عبير الياسمين الممزوج برائحة التراب الرطب بعد زخات المطر الخفيفة التي هطلت عصرًا. جلست ليلى على الأريكة العتيقة المطلة على الحديقة، وقلبها يخفق بقوة لا تتناسب مع هدوء المكان. كانت تتأمل النجوم المتلألئة في سماء الصحراء الصافية، لكن عينيها لم تلتقط بريقها الحقيقي، بل غلّفتها سحب من القلق لم تعهدها من قبل.

تسللت إليها الذكريات كوشاح حريري بارد؛ كلمات والدتها الأخيرة، نظرات والدها الحزينة، وصمت أخيها الذي كان يعبر عن ألف قصة وقصة. كل هذا كان يثقل كاهلها، وكلما حاولت التملص من هذا الشعور، كلما تعمّق أثره. كانت تتمنى لو تستطيع أن تعود بالزمن إلى الوراء، إلى أيام كانت فيها حياتها أبسط، وإن لم تكن خالية من التحديات.

دخل الحاج منصور الغرفة بخطوات وئيدة، محملاً بصينية عليها كوبان من الشاي بالنعناع. ابتسم لها ابتسامة حانية، تجاعيد وجهه عميقة كمسارات التاريخ. "أراكِ سهيرة يا ليلى. هل ما زلتِ تفكرين في أمرٍ ما؟"

جلست بجواره، وريقات النعناع الطازجة تمنح الشاي رائحة عطرة. "إنها بعض الأمور يا والدي. أشعر بثقلٍ يلفّ روحي."

أخذ الحاج منصور رشفة من الشاي، ثم وضع الكوب على الطاولة. "الأقدار تتقلب يا ابنتي. وما يبدو صعبًا اليوم، قد يصبح يسيرًا غدًا. المهم هو أن نستقيم في قلوبنا، ونتوكل على ربّنا."

"ولكن كيف إذا كانت الحقائق تتكشّف شيئًا فشيئًا، وتُلقي بظلالها القاتمة على ما كنا نؤمن به؟" همست ليلى، وشيء من المرارة تسلل إلى صوتها.

نظر إليها الحاج منصور باهتمام، وكأنه يقرأ ما يجول في خاطرها. "وما هي تلك الحقائق التي تقضّ مضجعك؟"

ترددت ليلى لحظة. كانت قد وعدت نفسها بالصمت، ولكن ثقل الحقيقة كان أقوى من أي وعد. "لقد وجدتُ رسائل قديمة في صندوق والدتي. رسائل بينها وبين شخصٍ لم أكن أعرف عنه شيئًا. رسائل تحمل أسرارًا قد تغيّر كل شيء."

اتسعت عينا الحاج منصور قليلًا، لكن تعابير وجهه لم تتغير كثيرًا. "الماضي يحمل في طياته الكثير يا ليلى. بعضه حلوٌ وبعضه مرّ."

"هذه الرسائل… يا والدي، إنها تتحدث عن علاقة… علاقة مع رجلٍ لم يكن زوجها. و… وربما… وربما يكون…." توقفت عن الكلام، وكأن الكلمة الأخيرة عالقة في حلقها.

ساد صمت طويل. كان صوت حفيف الأشجار في الخارج هو الصوت الوحيد الذي كسر هذا السكون. نظر الحاج منصور إلى الخارج، ثم عاد ببصره إلى ليلى. "وماذا تتوقعين أن تفعلي بهذه الأسرار؟"

"لا أدري يا والدي. أشعر بأنني أسير في متاهة، وكلما خطوت خطوة، زادت غموضًا."

"بعض المتاهات، يا ابنتي، لا تُحلّ إلا بالمواجهة. لا بالهرب. والأسرار، إن بقيت دفينة، قد تتحول إلى وحشٍ يلتهمنا جميعًا."

قامت ليلى، واقتربت من النافذة، تتأمل الظلام الذي غطى الحديقة. "ولكن ماذا لو كانت المواجهة ستؤذي من نحب؟ ماذا لو كان كشف هذه الحقيقة سيُدخل الحزن والألم إلى قلوبهم؟"

"الألم الحقيقي، يا ليلى، هو ألم الزيف. ألم العيش في وهم. متى ما انكشفت الحقيقة، حتى لو كانت موجعة، ففيها شفاء. وربما تكون هذه الحقيقة هي ما يفتح لنا بابًا جديدًا، بابًا لفهمٍ أعمق."

كانت كلمات الحاج منصور بلسمًا، ولكنها في نفس الوقت زادت من وطأة التفكير. عادت ليلى وجلست، وأخذت تتفحص الرسائل مرة أخرى. كانت مكتوبة بخطٍ أنيق، ولكنه ينم عن شغفٍ عارم. تتحدث عن لقاءات سرية، عن أحلام مؤجلة، وعن حبٍ يبدو أنه لم يعرف التوقيت المناسب.

"هل عرفتِ من هو هذا الرجل؟" سأل الحاج منصور بهدوء.

أشارت ليلى إلى اسمٍ كان يتكرر في الرسائل. "اسمه… سعد. وأشعر… أشعر بأنه شخصٌ له علاقة بعائلتنا، أو بعائلات قريبة منا."

تنهد الحاج منصور بعمق. "سعد… اسمٌ قديم. وكنت أتمنى ألا يعود الحديث عنه. ولكن يبدو أن الأقدار تريد أن تكشف ما كان مخفيًا."

"ماذا تقصد يا والدي؟" سألت ليلى بانتباه.

"سعد كان صديقًا لوالدي. رجلٌ كريمٌ، ولكن… كانت بينه وبين والدتكِ… علاقة صداقة قوية جدًا. أكثر من مجرد صداقة، كما يصف هو في رسائله."

اتسعت عينا ليلى بدهشة. "هل… هل كان والدي يعرف؟"

"والدكِ… كان رجلاً طيبًا، ولكن قلبه كان كبيرًا لدرجة أنه كان يتسامح مع الكثير. ربما لم يعرف بالحقيقة كاملة، أو ربما اختار أن يتغاضى لحفظ الودّ وستر أمورٍ كثيرة."

كانت هذه الكلمات كالصاعقة. لم يكن بوسع ليلى أن تستوعب حجم ما كانت تسمعه. والدتها، المرأة الوقورة التي عاشت حياتها مثالًا للعفاف والطهارة، هل كانت تخفي سرًا كهذا؟ ومن هو هذا سعد؟ ولماذا لم تتحدث أمها أبدًا عن هذا الموضوع؟

"ولكن… ما علاقة هذا بنا الآن؟" سألت ليلى، تشعر بأن خيوط الحكاية تتشابك بشكلٍ لا يمكن فكه.

"لا أعرف يا ابنتي. ولكن إذا كانت هذه الأسرار تتعلق بالعائلة، فمن واجبنا أن نفهمها. وأن نتعامل معها بحكمة، وليس بعاطفةٍ عمياء."

نظرت ليلى إلى الرسائل بين يديها. كانت تحمل عبئًا أثقل من مجرد كلمات مكتوبة. كانت تحمل أسرارًا قد تهزّ أركان أسرتها، وقد تغيّر نظرتها إلى الماضي، وإلى الحاضر. شعرت بالبرد يتسلل إلى عظامها، ليس من نسمات المساء، بل من ثقل الحقيقة التي بدأت تتكشّف. لقد وصل بها الأمر إلى نقطة اللاعودة. لم يعد بإمكانها تجاهل ما وجدته، ولا يمكنها العودة إلى حياتها كما كانت. كان عليها أن تواجه. أن تواجه كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%