الحب المستحيل الجزء الثالث

ظلال الماضي

بقلم مريم الحسن

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، لكن عين ليلى لم تعرف النوم. كانت تجلس في غرفتها، والشمعدان الخافت يلقي بظلالٍ راقصة على جدران الغرفة. أمامها، على الطاولة الصغيرة، كانت مبعثرة أوراقٌ قديمة، رسائلٌ بخطٍ أنيق، وصورٌ باهتةٌ تحمل وجوهًا عرفتها، ووجوهًا أخرى بدأت تستشعر وجودها لأول مرة.

الرسائل التي وجدتها في صندوق والدتها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت نوافذ تفتح على عالمٍ غامض، عالمٌ كانت والدتها تعيشه في الخفاء. كل حرفٍ كان يروي قصة حبٍ وشغف، حبٍ وُلد في وقتٍ لم يكن فيه مجالٌ للمشاعر الجامحة، حبٍ ربما كان السبب في بعض الآلام التي عاشتها والدتها في صمت.

"يا سعد، كم أشتاق إليك. الأيام تمضي ثقيلةٌ دون رؤية عينيك… لا أستطيع أن أصف لك حجم الفراغ الذي تشعر به روحي." كانت هذه سطورٌ من إحدى الرسائل، مكتوبةٌ بحبرٍ لا يزال يحتفظ بنبضه، بخطٍ يتسم بالرشاقة والجمال.

تنفست ليلى بعمق، محاولةً فهم كيف يمكن لامرأةٍ كوالدتها، التي كانت مثالًا للقناعة والصبر، أن تحمل في قلبها مثل هذا العمق من الشوق والحنين. وهل كان ذلك الشوق كافيًا لتبرير ما كانت تلمحه من لقاءاتٍ سرية، من وعودٍ لم تتحقق؟

وبين الرسائل، وجدت صورًا. صورةٌ لوالدتها وهي شابة، ترتدي ثوبًا تقليديًا أنيقًا، وتبتسم ابتسامةً مشرقة. وبجانبها، صورةٌ لرجلٍ وسيم، ذو عينين عميقتين وشعرٍ داكن. كان يحمل في يده وردةً حمراء، وكان وجهه يعكس قلقًا ممزوجًا بالأمل. ليلى لم تعرف هذا الرجل، ولكنها شعرت برابطٍ غريب يشدها إليه. هل كان هو سعد؟

شعورٌ غامضٌ بدأ يتسرب إلى قلب ليلى. كانت تتذكر دائمًا صورة والدتها المتزينة بالعفاف والوقار. ولكن الآن، مع هذه الرسائل والصور، بدأت تتساءل عن جوانب أخرى من حياتها، جوانب ربما لم تُظهرها ليلى أو والدها.

كانت والدتها قد توفيت عندما كانت ليلى في الثانية عشرة من عمرها. ذكرياتها عنها كانت محدودة، ولكنها كانت ذكريات حلوة، عن امرأةٍ حنونة، صبورة، تفضل سعادة عائلتها على أي شيء آخر. كيف يمكن أن يكون هذا كله مجرد قناع، وأن وراءه قصة أخرى لم تعرفها؟

أخذت ليلى تتصفح رسالة أخرى، بخطٍ آخر، ولكنها لم تكن واضحة تمامًا. بدا أن هذه الرسالة قد كُتبت بخطٍ متعجل، وممزوجةٌ بدموعٍ جافة. "لقد طال الانتظار يا عزيزتي. ولكنني لم ولن أنسى وعدي. هذه الظروف قاسية، ولكن الحب أقوى. سأجد طريقًا لنا. فقط تمسكي بالأمل."

تساءلت ليلى: هل كان هذا وعدًا بالهروب؟ هل كانت والدتها تفكر في ترك حياتها وهاربةً مع هذا الرجل؟ ولكنها لم تفعل. لقد عاشت حياتها حتى آخر يوم، بجوار والدها.

فتحت صندوقًا خشبيًا صغيرًا آخر، كان مغلقًا بإحكام. عثرت عليه مخبأً في قاع الصندوق الأكبر. بداخله، كانت هناك ورقةٌ واحدة، مطويةٌ بعناية. فتحتها ليلى، فوجدت أنها ليست رسالة، بل وثيقة. وثيقةٌ رسمية، تحمل ختمًا لم تعرفه. وكانت مكتوبةً بلغةٍ لم تفهمها في بادئ الأمر، ولكنها بعد التدقيق، أدركت أنها اللغة التركية.

ذهلت ليلى. لماذا توجد وثيقةٌ تركية مع رسائل والدتها؟ ومن أين أتت؟ بدأت تقلب الأوراق، فوجدت أسماءً، وتواريخ. ثم لفت انتباهها اسمٌ. اسمٌ يشبه اسم الحاج منصور. ولكن مع اختلافٍ بسيط.

"خالد منصور".

تجمدت الدماء في عروقها. خالد منصور. لم يكن هذا اسم والدها. والدها اسمه منصور. ولكن الحاج منصور، عمها، اسمه أيضًا منصور. هل كان هناك علاقةٌ أخرى؟

أخذت ليلى تبحث بعينيها في كل ما يتعلق بوالدتها. وجدت دفترًا صغيرًا، كانت والدتها تحتفظ به. كان دفتر يوميات، ولكن معظم الصفحات كانت فارغة. إلا صفحة واحدة، كانت مكتوبةً بخط والدتها.

"القرار صعب، ولكنه ضروري. لابد أن أضع حدًا لهذا الارتباك. حمايةً لسمعتي، وحمايةً لعائلتي. سأحتفظ بالسر، ليبقى مدفونًا مع ذكرياتي. الأمل الوحيد هو أن يفهم ابني ذات يوم، وأن يغفر لي. إن لم يكن قادرًا على فهمي، فليحكم عليّ. لكنني اخترت ما رأيته صالحًا. من أجله."

"ابني؟" تساءلت ليلى بصوتٍ متهدج. "من هو ابنها؟"

كانت والدتها قد أنجبت أخاها الأكبر، أحمد. فهل كان هذا الابن الذي تتحدث عنه والدتها هو أحمد؟ ولكن ما علاقة أحمد بهذا الرجل، سعد؟ وما علاقة كل هذا بتركيا؟

شعرت ليلى بأنها قد دخلت متاهةً لا نهاية لها. كانت الحقائق تتكشف، ولكنها كانت تكشف المزيد من الأسئلة. نظرت إلى صورة الرجل ذي العينين العميقين، وتساءلت: هل كان هو سعد؟ وهل كان هو والد أحمد؟

تسلل إلى قلبها شعورٌ بالخوف. إذا كانت والدتها قد أنجبت أحمد من رجلٍ آخر غير والدها، فهذا يعني أن كل شيءٍ كانت تعرفه عن عائلتها، عن نسبها، كان محض وهم.

نظرت إلى الساعة. اقتربت الشمس من الشروق. كان الفجر يلوح في الأفق، فجرٌ قاسٍ، يحمل معه حقائق قد تهدم ما بني. رفعت رأسها، ونظرت إلى السماء. هل كانت هذه الرسائل والصور مجرد أوهام؟ أم أنها كانت دليلًا على حياةٍ أخرى، حياةٌ عاشتها والدتها في الظل، بعيدًا عن الأنظار؟

لم تعد قادرةً على التحمل. ألقت الرسائل على الطاولة، ووضعت رأسها بين يديها. كانت تشعر بأن عقلها يدور، وأن مشاعرها ممزقة. الحب، الشغف، الخيانة، الأسرار، العائلة… كل هذه الكلمات كانت تتصادم في داخلها، تتركها في حالةٍ من الذهول والارتباك.

لم يعد بوسعها الصمت. كان عليها أن تجد إجابات. وأن تعرف الحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة. لقد انفتحت أبواب الماضي، ولن يكون بإمكانها إغلاقها مرة أخرى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%