الحب المستحيل الجزء الثالث
رياح الشك وعطر الزهر
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على نداء الأذان، وقلبها مليء بالتصميم. بعد أن صلت الفجر، وزينت وجهها ببراءة الصباح، ارتدت ثوباً محتشماً، ووضعت خمارها. خرجت من منزلها، متوجهة نحو المكان الذي شهد الأحداث في الليلة الماضية. كان الحي لا يزال نيماً، إلا من أصوات الباعة القلائل الذين بدأوا بفرش بضائعهم.
وصلت ليلى إلى الشارع القديم، ورأت الحاج عبد الرحمن جالساً أمام منزله، يحتسي قهوته الصباحية. كان يبدو متألماً قليلاً، لكنه كان مبتسماً.
"صباح الخير يا عمي"، قالت ليلى وهي تقترب.
"صباح النور والرضا يا ابنتي. هل أنتِ ذاهبة في مهمتك؟"
"نعم يا عمي. هل هناك أي أخبار؟"
"لا شيء جديد. لكنني سمعت همسات عن بعض الغرباء الذين كانوا يسألون عن شاب فقير، يبدو أنه يختبئ في المنطقة."
شعر قلب ليلى بالخفقان. هل كان هؤلاء هم المهاجمون؟ هل كانوا يبحثون عن أحمد؟
"من كانوا هؤلاء الغرباء؟" سألت ليلى بقلق.
"لم أرهم. لكنهم تحدثوا بلغة غريبة، وبدا عليهم أنهم ليسوا من أهل البلد."
"أخشى أن يكونوا قد رأوه مرة أخرى"، قالت ليلى. "سأذهب إلى السوق، ربما أجد أحداً سمع شيئاً."
توجهت ليلى إلى السوق، وهو قلب الحياة النابض في الحي. تفوح منه رائحة البهارات والأقمشة الطازجة. الباعة ينادون على بضائعهم، والناس يتجولون، ويتفاوضون.
بدأت ليلى تسأل بعض الباعة، بأسلوب غير مباشر. "هل رأيتم بالأمس شاباً يركض في هذا الشارع؟ كان يبدو عليه الفزع."
أشار إليها بعضهم، وبعضهم هز رأسه بالنفي. أخيراً، اقترب منها بائع سجاد عجوز، ذو لحية بيضاء طويلة.
"آه، الشاب الذي كان يتبعه رجلان؟ نعم، رأيته. كان مسرعاً جداً. وكاد أن يصطدم ببهلواني كان يعرض ألعاباً هنا."
"وهل رأيت أين ذهب؟" سألت ليلى بلهفة.
"لا، لقد اختفى في الزقاق الضيق المؤدي إلى ورش الحدادة."
"شكراً لك يا عمي"، قالت ليلى، وشعرت بأنها تقترب من الحقيقة.
تسللت ليلى نحو الزقاق الضيق، وهو مليء بأصوات الحدادة المجلجلة. بدأت تسأل العمال هناك. في البداية، كانوا متشككين، لكنها شرحت لهم أنها قلقة على الشاب.
أخيراً، قال لها حداد مسن: "نعم، رأيت شاباً يرتعش، كان يبدو خائفاً. دخل إلى غرفة مهجورة خلف ورشتي. قلت له أن يأتي ليستخدم ورشتي إذا أراد إصلاح شيء، لكنه لم يجب."
"هل تعرف اسمه؟"
"لا. لكن سمعته يتحدث مع نفسه، كأنه يحذر نفسه من شيء. وكان يمسك بقلادة قديمة."
"قلادة؟" تذكرت ليلى ما قاله الحاج عبد الرحمن. "هل رأيته اليوم؟"
"لا. لست متأكداً. ربما لم أره. ولكن، إذا كنتِ تبحثين عن شخص، فعليكِ بالحديث مع "أمينة". هي تعرف كل شيء عن كل شيء يحدث في الحي."
"أمينة؟ ومن هي؟"
"إنها امرأة عجوز، تعيش في منزل صغير في نهاية هذا الزقاق. إنها عين الحي، وأذنه."
توجهت ليلى إلى المنزل الذي وصفه الحداد. كان بيتاً متواضعاً، لكنه كان نظيفاً. طرق الباب، ففتحتها امرأة مسنة، ذات وجه وادع، وملامح طيبة.
"من تبحثين عنه يا ابنتي؟" سألت بصوت حنون.
"اسمي ليلى. وأبحث عن شاب رأيته بالأمس، يهرب من رجلين."
ابتسمت أمينة. "أعرف من تقصدين. إنه الشاب "أحمد". إنه شاب فقير، ولكنه طيب القلب. رأيته في الصباح الباكر، كان يبدو متعباً. أعتقد أنه اختبأ في مكان قريب."
"هل رأيتِ لماذا كان يهرب؟"
"سمعت همسات. يقولون أنه كان يحمل قلادة ثمينة، وأنها لوالده. وأن هناك من يريد سرقتها منه."
"هل رأيتِ هؤلاء الرجال الذين كانوا يلاحقونه؟"
"لا. ولكن، رأيت رجالاً غريبين يتجولون في الحي. يسألون عن شاب ملامحه كملامح أحمد. يبدو أنهم ليسوا من هنا."
شعرت ليلى بالبرد يسري في عروقها. "هل تعتقدين أنهم يريدون إيذاءه؟"
"الشيطان دائماً يوسوس، والمال يغري. ولكنه شاب ذكي. أتمنى أن يحفظه الله."
"هل رأيتِ أين ذهب؟"
"لم أر. ولكنه كان يتحدث عن مكان بعيد، عن مكان يشعر فيه بالأمان. كأنه يريد أن يغادر."
"يغادر؟" شعرت ليلى بخيبة أمل. هل ستضيع هذه الفرصة؟ هل لن ترى أحمد مرة أخرى؟
"لكنه يبدو أنه مرتبط بشيء هنا"، قالت أمينة. "لقد رأيته يقف أمام منزل الحاج عبد الرحمن، ثم ذهب."
"منزل الحاج عبد الرحمن؟" تذكرت ليلى موقفها مع الحاج. هل كان أحمد يحاول أن يشكره؟
"نعم. وبدت في عينيه نظرة امتنان. لقد أعجب بالشجاعة التي أبداها."
"شكراً لك يا خالتي أمينة. لقد ساعدتني كثيراً."
خرجت ليلى من منزل أمينة، وقلبها يعتصر. كانت تفكر في أحمد، في فقره، في شجاعته، وفي الخطر الذي يحدق به. شعرت بقوة ارتباط غير مرئي يربطها به، ربما لأنها رأت فيه جزءاً من روحها، روح تسعى للعدل والنصرة.
توجهت ليلى إلى منزل الحاج عبد الرحمن، لتخبره بما سمعت. وجدته ينتظرها.
"ماذا وجدتِ يا ابنتي؟" سأل الحاج.
"وجدتُ بعض المعلومات. الشاب اسمه أحمد. وكان يهرب لأن هناك من يريد سرقة قلادة والده."
"قلادة؟" تذكر الحاج ما رآه. "لقد رأيت بريقها. كانت جميلة جداً."
"وهناك رجال غرباء يبحثون عنه. ويبدو أنه يفكر في المغادرة."
"المغادرة؟" هز الحاج رأسه. "قد يكون هذا أفضل له. فالحياة في هذه المدينة ليست سهلة للفقراء."
"لكن، هل تركتِ دليلاً له؟ أو رسالة؟" سألت ليلى.
"رسالة؟ لمن؟"
"ربما إذا كان لديه قلب طيب، سيعود للبحث عن الناس الذين ساعدوه. ربما سيعود للشكر."
"لا أعرف يا ابنتي. الحياة أقدار."
"ولكن، هل من الممكن أن تجدوه؟" سألت ليلى.
"لقد أرسلت بعض الرجال من أصدقائي، ليسألوا في أطراف المدينة. ولكن، إن كان قد غادر، فلن نجده."
شعرت ليلى بالأسى. كانت تتمنى أن ترى أحمد مرة أخرى، أن تتأكد من أنه بخير، وأن تقدم له المساعدة. كانت تشعر بأن روحها قد تواصلت معه في تلك اللحظة، في تلك الليلة، في ذلك الشارع.
"ماذا لو تركنا له شيئاً؟" قالت ليلى. "شيئاً يدل على أن هناك من يهتم لأمره."
"مثل ماذا؟"
"ربما بعض المال، أو طعام. حتى يعرف أن هناك من يرعاه."
"فكرة جيدة"، قال الحاج عبد الرحمن. "ولكن، من أين سنأتي بالمال؟"
"لدي بعض الذهب الذي ورثته عن جدتي. يمكنني أن أقدمه."
"لا يا ابنتي، هذا كثير. سأتصرف أنا."
أخذ الحاج عبد الرحمن من المال الذي لديه، وأعطاه لليلى. "خذي هذا. واشتري بعض الطعام. وأضيفي عليه ورقة صغيرة، مكتوب عليها "كن على خير".
فرحت ليلى. شعرت بأنها قد صنعت شيئاً، شيئاً صغيراً، ولكنه يحمل معاني كبيرة. ذهبت ليلى واشترت بعض الطعام، وكتبت على ورقة صغيرة بخط يدها: "كن على خير".
تركوا الطعام في مكان قريب من الزقاق المهجور، حيث كان أحمد قد اختبأ. ثم عادوا إلى منازلهم. كان الهواء يحمل رائحة الياسمين، ولكن ليلى كانت تشم رائحة أخرى، رائحة الأمل، ورائحة الشك، رائحة حب لم يبدأ بعد، ولكنه يتسلل إلى القلوب.