الحب المستحيل الجزء الثالث
أغلال الماضي وهدير الذكريات
بقلم مريم الحسن
في قرية "البر الغربي" الهادئة، الواقعة على ضفاف النيل، بعيداً عن صخب وضجيج العاصمة، استقر أحمد. لم يكن المكان مجرد ملجأ، بل كان موطناً لجده، الذي كان يعاني من مرض عضال، ويحتاج إلى رعاية مستمرة. كان جده، "الحاج محمود"، رجلاً حكيماً، ذا خبرة بالحياة، وقصص لا تنتهي.
استقبل الحاج محمود حفيده بحرارة، وعلى الرغم من علالات المرض، ظهرت في عينيه لمعة الأمل. "أهلاً بك يا بني. لقد كنت أنتظر قدومك. يبدو أن العالم قد ضيق عليك ذرعاً."
"الحياة يا جدي صعبة، ولكنها تفرض علينا أن نكون أقوياء."
"القوة يا أحمد ليست في العضلات، بل في الإيمان. والإيمان يولد من الصبر."
بدأ أحمد ينسى شيئاً فشيئاً أحداث القاهرة. بدأ يستعيد هدوءه، ولكن في داخله، كانت هناك قصة لم تكتمل. كان يفكر في ليلى، في لطفها، في جرأتها. كان يتذكر ابتسامتها، وكلماتها: "كن على خير".
في إحدى الأمسيات، بينما كان أحمد يساعد جده في حديقة المنزل، توقف الحاج محمود فجأة، وقال: "أحمد، هل تذكر جدتك؟"
توقفت يد أحمد عن التقليم. "جدتي؟ نعم يا جدي. لم أرها إلا قليلاً."
"لقد كانت امرأة صالحة، ذات قلب كبير. ولها أخت، كانت تعيش في القاهرة. إنها "أمينة"."
"أمينة؟" تذكر أحمد المرأة التي قابلته في القاهرة. "هل هي قريبة لنا؟"
"إنها خالة أمك. لقد انقطعت أخبارها عنا منذ سنوات. ولكن، أتذكر أنها كانت امرأة كريمة، وتحب مساعدة المحتاجين."
فكر أحمد في أمينة. هل هي نفسها المرأة التي ساعدته؟ بدا الأمر وكأن الأقدار تتشابك.
"كانت لديها ابنة"، تابع الحاج محمود، بصوت أثقل، وكأن الذكريات تثقل كاهله. "اسمها "ليلى"."
"ليلى؟" شعر أحمد وكأن السماء قد أمطرت عليه. "هل تقصد ليلى ابنة خالة أمي؟"
"نعم يا بني. هل تعرفها؟"
"نعم يا جدي. لقد قابلتها في القاهرة. كانت هي من ساعدتني."
فرح الحاج محمود بهذا الخبر. "الحمد لله. لم تكن أمينة وحدها من تحمل الخير، بل ابنتها أيضاً. سبحان الله، كيف تتشابك الأقدار."
"ولكن، هل هي نفسها ليلى التي كنت أفكر فيها؟" سأل أحمد نفسه. "هل يمكن أن تكون مصادفة؟"
في القاهرة، كانت ليلى تشعر ببعض القلق. لم يصلها أي خبر من أحمد. هل سافر؟ هل بخير؟
"يا أبي"، قالت ليلى لوالدها. "لم أسمع شيئاً من أحمد."
"لا تقلقي يا ابنتي. ربما يكون مشغولاً. أو ربما يكون قد غادر قبل أن يتمكن من إرسال رسالة."
"ولكن، إن كان بخير، لكان قد أرسل لي شيئاً."
"اصبري يا ليلى. الأقدار بيد الله."
في ذلك المساء، قررت ليلى أن تزور الحاج عبد الرحمن. وجدته جالساً في رواق بيته، ينظر إلى النجوم.
"السلام عليكم يا عمي"، قالت ليلى.
"وعليكم السلام يا ابنتي. كيف حالك؟"
"لست بخير تماماً. لم أسمع شيئاً من أحمد."
"لا تقلقي. ربما يكون لديه ما يمنعه. تذكري، أن الشياطين دائماً تحاول أن تفرق بين الخير."
"هل تقصد هؤلاء الرجال الذين كانوا يلاحقونه؟"
"نعم. إنهم يحاولون إفساد كل ما هو جميل. ولكن، علينا أن نتذكر أن الله مع الصابرين."
"ولكن، ماذا لو كان في خطر؟"
"إذا كان في خطر، فالله سينجيه. لقد فعلنا ما علينا. والآن، علينا أن نتوكل على الله."
شعرت ليلى بنوع من خيبة الأمل. كانت تتمنى أن يكون لها دور أكبر في مساعدة أحمد. كانت تشعر بأنها قد تركت شيئاً غير مكتمل.
في مكان آخر، كان أحمد يفكر في أمر قلادته. لقد قرر أن يذهب إلى أحد تجار التحف القديمة في مدينة قريبة، لعرضها للبيع. كان يأمل أن يحصل على مبلغ جيد، يعينه على رعاية جده.
وصل أحمد إلى السوق، وهو سوق مليء بالبشر، والغبار، والأسعار المبالغ فيها. بدأ يتفحص المحلات. وأخيراً، وجد محلاً يبدو قديماً، ويديره رجل يبدو عليه الخبرة.
"صباح الخير يا سيدي"، قال أحمد للتاجر.
"صباح النور. ما الذي تبحث عنه؟"
"أبحث عن شراء قطعة أثرية."
"لدينا كل ما تشاء. ولكن، هل لديك شيء معين في ذهنك؟"
"ليس لدي شيء معين. ولكن، لدي هذه."
أخرج أحمد قلادة والده من جيب جلبابه. كان لونها باهتاً، ونقوشها قديمة.
نظر التاجر إلى القلادة، وتغيرت ملامحه. عيناه لمعت بطمع. "هذه قطعة نادرة جداً. من أين حصلت عليها؟"
"ورثتها عن والدي."
"هل تعلم كم تساوي؟"
"لا. ولهذا جئت إليك."
"إنها تساوي الكثير. ولكن، هناك بعض الشروط."
"ما هي؟"
"إذا أردت أن أشتريها، فعلي أن أتأكد من مصدرها. فهناك قوانين صارمة بشأن الآثار."
شعر أحمد بالقلق. "ولكن، إنها ملك لوالدي."
"أعلم. ولكن، يجب أن يكون هناك تحقيق."
"هل يعني هذا أنكم ستأخذونها مني؟"
"ليس الآن. ولكن، يجب أن ننتظر."
شعر أحمد بأن الأمور تزداد تعقيداً. يبدو أن مشاكله لم تنته بعد.
في تلك اللحظة، دخل إلى المحل رجل غريب، يرتدي ملابس فاخرة، وله نظرة حادة. كان يتبع التاجر.
"هل هذه هي القلادة التي نتحدث عنها؟" سأل الرجل بصوت أجش.
"نعم"، أجاب التاجر. "إنها هنا."
نظر الرجل إلى أحمد، ثم إلى القلادة. "تبدو وكأنها هي. ولكن، هل أنت متأكد أنها لوالدك؟"
"نعم."
"من هو والدك؟"
"اسمه "محمد"."
"وهل كان محمد يملك شيئاً كهذا؟"
"نعم. إنها كل ما تبقى لي منه."
"حسناً. إذا كانت لك، فستكون لك. ولكن، يجب أن نتأكد."
شعر أحمد بأن هناك أمراً مريباً. يبدو أن هؤلاء الرجال يعرفون شيئاً عن القلادة.
"ماذا تقصدون بـ "نتأكد"؟" سأل أحمد.
"نقصد أن نتأكد من أنها ليست مسروقة، أو أن لها تاريخاً آخر."
"ولكن، إنها ملك لوالدي. لقد أعطاها لي قبل وفاته."
"هذا ما تقوله. ولكن، هل لديك ما يثبت ذلك؟"
شعر أحمد باليأس. لا يملك أي شيء يثبت ملكيته.
"إذا كنت تريد بيعها، فالسعر لن يكون كبيراً"، قال التاجر. "ولكن، إذا كانت عليها قصة، فقد يزيد سعرها."
"قصة؟" سأل أحمد.
"نعم. قصتها، ومن أين أتت. هل تعرف أين عاش والدك؟"
"عاش في القاهرة."
"متى توفي؟"
"قبل سنتين."
"حسناً. يمكننا أن نبحث عن معلومات. ولكن، الأمر قد يستغرق وقتاً."
شعر أحمد بالغضب. يبدو أن هؤلاء الرجال يحاولون الاحتيال عليه.
"شكراً لك"، قال أحمد. "لست مضطراً للبيع اليوم."
وحينها، وجد أحمد نفسه أمام اختيار صعب. هل يبيع القلادة بهذا السعر المنخفض؟ أم يرفض؟
"انتظر يا شاب"، قال الرجل الغريب. "لا تتعجل. قد تكون هناك طريقة أخرى."
"ما هي؟"
"إذا كنت مستعداً للتعاون، فقد أحصل على سعر أفضل لك. ولكن، سأحتاج إلى معلومات."
"ما نوع المعلومات؟"
"عن والدك. عن حياته. عن أصدقائه. عن أي شيء قد يساعدنا في التأكد من ملكيتها."
شعر أحمد بأن هذه الصفقة بدأت تصبح خطيرة. هل كان هؤلاء الرجال من الذين كانوا يلاحقونه في القاهرة؟ هل عرفوا أنه يملك القلادة؟
"لن أبيع