الحب المستحيل الجزء الثالث

رِبا القلوبِ المَجنونة

بقلم مريم الحسن

اهتزّتْ أرضُ "ليلى" تحتَ قدميها، فكأنّما الأرضُ نفسها تشاركتْ معها عِقدَ الحزنِ والذهول. لم تكنْ تتوقعُ قطّ أنْ تسمعَ منْ والدها، سيّدِ العائلاتِ في قريتِهم العامرة، تلكَ الكلماتِ القاسيةَ المُرصّعةَ بالوعدِ والتّهديد. "ابنتي، لا تعبثي بمصيركِ ومصيرِ عائلتكِ. هذا الزواجُ هوَ الحلّ الوحيدُ، وإلا...". لمْ تكملْ الكلمةَ، لكنّ صمتَها كانَ أبلغَ منْ ألفِ كلمة. "وإلا" كانتْ تحملُ في طياتِها معانٍ لا تُحتمل، معانٍ تُبحرُ بها إلى بحرٍ لا شاطئ لهُ منَ الخيبة.

كانتْ "ليلى" تجلسُ على كرسيٍّ في حديقةِ المنزلِ الخلفيّة، تتأملُ أشجارَ الزيتونِ العتيقةِ التي شاهدتْ أجيالاً منْ أحلامِها تتفتحُ وتذبل. لمْ تفهمْ سرّ إصرارِ والدها على زواجِها منْ "الشيخِ سالم"، الرجلِ الذي يكبرها بسنواتٍ طويلة، والذي لمْ تبادلهُ يوماً سوى الاحترامَ الظاهريَّ. كانتْ ترى في عينيهِ بريقَ السلطةِ والتّملك، لا بريقَ الحبِّ والتّفاهم. ورغمَ أنّها لمْ تكنْ قدْ رأتهُ قطّ إلا في المناسباتِ الرسميةِ، فإنّ هالةَ القوةِ التي تحيطُ بهِ، والقصصَ التي تُروى عنْ نفوذِهِ الواسع، كانتْ تزرعُ في قلبِها قلقاً دفيناً.

كانَ "أحمد"، ابنُ عمّها، هوَ حلمُها الأبديّ. شابٌّ يفيضُ بالنشاطِ والحيوية، يمتلكُ قلباً طيباً وروحاً مرحة. لطالما كانتْ لقاءاتُهم سريّة، محادثاتُهم هامسة، ضحكاتُهم مكتومة. كانتْ تلكَ اللحظاتُ القصيرةُ هيَ وقودَ حياتِها، شعلةَ الأملِ التي تُضيءُ لها دروبَ الأيامِ القاتمة. لكنّ والدها، بقرارِهِ الجائر، قرّرَ إطفاءَ تلكَ الشعلةِ إلى الأبد.

"يا ربّي، ما الذي فعلتُ لأستحقّ هذا؟" تمتمتْ "ليلى" بصوتٍ يرتجف. كانتْ تشعرُ بالاختناق، كأنّ جداراً منْ حجرٍ يرتفعُ حولَها، يحبسُ أنفاسَها. لقدْ أحبّتْ "أحمد" بصدقٍ، حباً طاهراً نمى في كنفِ القيمِ الدينيةِ والتقاليدِ الأصيلة، حباً وعدا بهِ نفسُها في السرّ، ووعدَ بهِ "أحمد" قلبَها. كيفَ لها أنْ تتخلّى عنْ كلِّ هذا؟ كيفَ لها أنْ تبيعَ نفسها لرجلٍ غريبٍ، لمْ تشعرْ تجاههُ بأيِّ شعورٍ سوى الواجبِ المفرّغِ منْ معناه؟

تذكّرتْ حديثَها الأخيرَ معَ "أحمد" قبلَ أيامٍ قلائل. كانا يلتقيانِ عندَ البئرِ القديمِ، حيثُ تتلاقى الأقدارُ في صمت. "ليلى، أنا مستعدٌّ لفعلِ أيِّ شيءٍ لنكونَ معاً. سأذهبُ إلى والدكِ، سأطلبُ يدكِ منهُ رسمياً. لا تخافي، قلبي معكِ". كانتْ عيناهُ تلمعانِ بالأملِ، وكانتْ يداهُ تمسكُ بيديها بقوةٍ تبعثُ الطمأنينة. الآن، كلّ تلكَ الوعودِ تبدو وكأنّها غبارٌ تطايرَ معَ الريح.

"الشيخُ سالم" لمْ يكنْ مجردَ رجلٍ ثريّ، بلْ كانَ دائنَ والدِها. كانتْ هناكَ ديونٌ كبيرةٌ بينَ العائلتين، ديونٌ تراكمتْ عبرَ السنين، ورغمَ أنّها لمْ تفهمْ تفاصيلَها، إلا أنّها عرفتْ أنّ والدَها يواجهُ صعوباتٍ ماليةً جمّة. هلْ كانَ زواجُها هوَ الثمنُ الذي سيُسدّدُ بهِ دينُه؟ هلْ أصبحَتْ هيَ سلعةً تُباعُ وتُشترى في سوقِ المصالح؟ شعورٌ بالمرارةِ لسعَ حلقَها.

نهضتْ "ليلى" بترددٍ، وبخطواتٍ ثقيلةٍ اتجهتْ نحوَ بابِ المنزل. دخلتْ إلى غرفتها، حيثُ كانتْ صورةُ "أحمد" معلّقةً على الحائط. نظرَتْ إليها طويلاً، تحاولُ أنْ تستحضرَ قوّةً منْ ذكرياتِها معه. ثمّ سحبتْ مفتاحَ صندوقِها الخشبيِّ القديم، الذي يحتوي على رسائلِهما وبعضِ الهدايا الصغيرة. أمسكتْ بقلادةٍ فضيةٍ صغيرةٍ أهداها إيّاها في عيدِ ميلادِها. نقشتْ عليها حروفُ اسميهما. كانتْ تلكَ القلادةُ رمزاً لوعدٍ بالبقاءِ، ووعدٍ بالوفاءِ.

"لنْ أستسلمَ بسهولة، يا أبي،" همستْ لنفسِها، وعيناها تلمعانِ بالعزمِ والإصرار. "لنْ أسمحَ لأحدٍ بأنْ يسرقَ سعادتي. هناكَ طرقٌ أخرى، وهناك قضاءٌ أقوى منْ رِبا القلوبِ المَجنونة." وضعتْ القلادةَ في جيبِ ثوبِها، وكأنّها تضعُ درعاً واقياً.

في تلكَ الأثناء، كانَ "أحمد" يجلسُ في مقهىً صغيرٍ في وسطِ المدينة، يحتسي قهوتَهُ السوداءَ ببطء. لمْ يسمعْ بعدُ بخبرِ والدِ "ليلى" وقرارِهِ. كانَ ينتظرُ بفارغِ الصبرٍ لقاءَ والدِها، يحدوهُ الأملُ في أنْ تكونَ كلُّ الأمورِ سريعةً وسلسة. لكنّ قلبهُ كانَ ينبضُ بإيقاعٍ غريب، نذيرِ شؤمٍ ربما. وصلتهُ رسالةٌ منْ أحدِ أصدقائِه المقربينِ منْ بيتِ "ليلى". لمْ يستطعْ قراءةَ الرسالةَ في الحال، لكنّ عنوانَها المختصرَ أثارَ فضولَهُ: "خبرٌ عاجلٌ... وأمرٌ خطير."

بيدٍ مرتعشة، فتحَ "أحمد" هاتفهُ، وفتحتْ عينيهِ على الكلماتِ التي بدتْ وكأنّها صاعقةٌ تمزّقُ سماءَ يومِهِ الهادئ. "والدُ ليلى يوافقُ على زواجِها منَ الشيخِ سالم... بعدَ ثلاثةِ أشهرٍ فقط." أغلقَ الهاتفَ ببطء، وكأنّ يدهُ فقدتْ إحساسَها. نظرَ إلى فنجانِ القهوةِ أمامهُ، وبدا لهُ طعمُهُ مُرّاً كطعمِ الهزيمة. لمْ يفهمْ شيئاً. كيفَ ولماذا؟ لمْ تكنْ "ليلى" قدْ أخبرتهُ بشيء. هلْ كانتْ تخفي عليهِ أمراً؟ أمْ أنّ القرارَ جاءَ مفاجئاً لها أيضاً؟

شعرَ "أحمد" بغضبٍ عارمٍ يتدفقُ في عروقِهِ. غضبٌ ممزوجٌ بالخوفِ على مستقبلِهِ ومستقبلِ "ليلى". لمْ يكنْ "الشيخُ سالم" مجردَ رجلٍ عاديّ. كانتْ سمعتُهُ تسبقُهُ، وقدرتُهُ على التأثيرِ في مجرياتِ الأمورِ معروفة. هلْ استخدمَ نفوذَهُ لإجبارِ والدِ "ليلى" على هذا القرار؟ هلْ كانَ هذا زواجَ مصلحةٍ لإنقاذِ سمعةِ العائلتينِ أو لسدِّ ديونٍ؟

"لنْ أسمحَ بهذا،" قالَ "أحمد" بصوتٍ مرتجفٍ منَ الغضبِ واليأس. "لنْ أقفَ مكتوفَ الأيدي وأرى "ليلى" تُسلبُ مني بهذا الشكل." نهضَ منْ مقعدِهِ، تاركاً القهوةَ باردةً، واتجهَ نحوَ بابِ المقهى. كانَ يعلمُ أنّ الطريقَ أمامهُ وعرٌ، وأنّ المعركةَ لنْ تكونَ سهلة. لكنّ حبّهُ لـ "ليلى" كانَ قوياً بما يكفي ليُشعِلَ فيهِ شرارةَ المقاومة. كانَ عليهِ أنْ يتصرّفَ بسرعة، وأنْ يجدَ طريقةً لإنقاذِ حبيبتهِ قبلَ فواتِ الأوان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%