الحب المستحيل الجزء الثالث

خَطٌّ أحمرٌ فوقَ الذّكريات

بقلم مريم الحسن

عادتْ "ليلى" إلى غرفتها، والمفتاحُ الخشبيُّ لصندوقِ ذكرياتِها في يدِها، لكنّها لمْ تستطعْ أنْ تستحضرَ قوّةً كافيةً لفتحه. خافتْ أنْ تُعيدَ فتحَ تلكَ الذكرياتِ الجميلةِ، لأنّها الآنَ تبدو باهتةً ومُلطّخةً بالواقعِ المؤلم. جلستْ على حافةِ سريرِها، تنظرُ إلى النافذةِ المفتوحةِ التي تُطلُّ على سماءِ الليلِ المُرصّعةِ بالنجوم. كلُّ نجمةٍ كانتْ تذكّرُها بوعدٍ، أو بحلمٍ، أو بضحكةٍ ضاعتْ في سرابِ الأيام.

"يا ربّي، كيفَ أُخبرُ أحمد؟" تساءلتْ بصوتٍ هامسٍ، تشعرُ بأنّ قلبَها يئنّ تحتَ وطأةِ الحقيقة. لمْ تكنْ تستطيعُ أنْ تخفيَ عنهَ الأمرَ أكثرَ منَ ذلك. لقدْ حانَ الوقتُ ليواجهَ الحقيقةَ المُرّة. كانتْ تتمنى لو أنّها تستطيعُ أنْ تجدَ حلاً سحرياً، حلاً يُعيدُ الأمورَ إلى نصابِها، ويُجنّبُ الجميعَ المزيدَ منَ الألم.

قررتْ أنْ تواجهَ والدَها مرةً أخرى. دخلتْ إلى مكتبِهِ، حيثُ كانَ يجلسُ وحيداً، يتصفّحُ أوراقاً تبدو كأنّها أحزانُهُ. "أبي،" قالتْ بصوتٍ هادئٍ لكنّهُ يحملُ ثقلاً. "لا يمكنُ أنْ أُكملَ بهذا الشكل. أنا أحبُّ أحمد، وقلبي لا يتسعُ لغيرهِ." نظرَ إليها والدُها بوجهٍ عابسٍ، وقالَ ببرودٍ: "قلتُ لكِ يا ابنتي، الأمرُ محسوم. ديونُنا ستُسدّدُ بهذا الزواج. والشيخُ سالمُ لنْ يقبلَ أيَّ تنازل. إمّا أنْ تتزوجيهِ، أو أنْ نُصبحَ في وضعٍ لا يُحسدُ عليه."

"ولكنّ حبّي لأحمد؟ ألا يعني شيئاً؟ ألا يعني شيئاً تقاليدُنا وقيمُنا التي تنهى عنْ إجبارِ الفتاةِ على زواجٍ لا تريده؟" "الحبُّ كلمةٌ سهلةٌ في الأفواه، يا ليلى،" قالَ والدُها بمرارة. "لكنّ الواقعَ قاسٍ. ستحصلينَ على حياةٍ كريمة، ستكونينَ في حمايةٍ ورعاية. الشيخُ سالمُ رجلٌ شريفٌ، وسيعاملُكِ بالاحترام."

"الاحترامُ ليسَ كافياً يا أبي،" قالتْ "ليلى" وعيناها تفيضانِ بالدموع. "أنا أحتاجُ إلى الحبِّ، إلى السعادةِ الحقيقية. لا يمكنُ أنْ أعيشَ حياتي كارهةً كلَّ يوم، كارهةً الرجلَ الذي بجانبي." "الحياةُ ليستْ دائماً كما نتمنى، يا ليلى،" قالَ والدُها، وعيناهُ تنظرانِ إلى نقطةٍ بعيدة. "لقدْ تخلّيتُ عنْ الكثيرِ منْ أحلامي لأجلِكم. والآنَ، حانَ دورُكِ لتُضحّيَ قليلاً من أجلِ العائلة. إنّها مسؤوليةٌ كبيرةٌ لا يمكنكِ التهربُ منها."

شعرتْ "ليلى" بضيقٍ شديدٍ في صدرِها. والدُها لمْ يعدْ الشخصُ الذي تعرفهُ. لقدْ تحوّلَ إلى رجلٍ قاسٍ، يُقدّمُ المادياتِ على مشاعرِ ابنتِهِ. هذا لمْ يكنْ عدلاً.

بعدَ ساعاتٍ منَ التفكيرِ العميق، اتخذتْ "ليلى" قراراً شجاعاً. يجبُ أنْ تخبرَ "أحمد" بكلِّ شيء. حتىْ لو كانَ الخبرُ موجعاً، فإنّ الصدقَ هوَ أفضلُ سبيل. كتبتْ لهُ رسالةً طويلةً، شرحتْ فيها كلَّ التفاصيل، كلَّ الضغوطِ التي تعرضتْ لها. كانتْ تكتبُ وكلّ حرفٍ يخرجُ منْ قلبِها، ودموعُها تبلّلُ الورقة.

"أحمد، يا نورَ عيني،" بدأتْ الرسالة، "لا أدري كيفَ أبدأُ، ولا كيفَ أنهي. الحقيقةُ مؤلمة، ولكنّني لنْ أكذبَ عليكَ. والدُكَ قرّرَ أنْ يُزوّجني منَ الشيخِ سالم، لمواجهةِ ديونِنا. حاولتُ المقاومة، حاولتُ إقناعَهُ، لكنّ الأمرَ باتَ فوقَ احتمالي. لقدْ ضغطَ عليّ بشدّة، وأنا، يا أحمد، لا أملكُ القوةَ لمواجهتِهِ وحدي. لقدْ اضطررتُ للموافقة... ولكنّ قلبي ما زالَ لكَ وحدكَ. لا أعرفُ كيفَ سأعيشُ هذهِ الأيامَ الثلاثةَ المتبقيةَ قبلَ أنْ أُزفّ إلى رجلٍ لا أعرفهُ. أرجوكَ، لا تلومني. أرجوُكَ، تفهّمْ وضعي."

أنهتْ الرسالةَ بعبارةٍ قصيرةٍ كسرتْ قلبَها: "سأنتظرُ لقاءً أخيراً معك، عندَ البئرِ القديم، غداً عندَ الغروب. إذا لمْ تأتِ، سأعلمُ أنّكَ لمْ تعدْ تحبّني." وضعتْ الرسالةَ في مغلفٍ، وطلبتْ منَ الخادمةِ الأمينةِ أنْ تُوصلَها إلى "أحمد" في أسرعِ وقتٍ ممكن. كانتْ تعرفُ أنّ هذهِ الرسالةَ ستكونُ سهماً موجعاً، لكنّها أفضلُ منَ الصمتِ والغموض.

عندما استلمَ "أحمد" الرسالة، شعرَ ببرودةٍ قاسيةٍ تسري في عروقِهِ. قرأَ الكلماتِ، وكلُّ كلمةٍ كانتْ بمثابةِ ضربةٍ على قلبِهِ. "وافقتْ؟ ليلى وافقتْ؟" تكررتْ الكلماتُ في رأسِهِ كصدىً مؤلم. كيفَ يمكنُ لها أنْ تفعلَ هذا؟ هلْ كانتْ كلُّ تلكَ الوعودِ مجردَ كلام؟ هلْ كانتْ ذكرياتُهما مجردَ أوهام؟

لكنّ ما لفتَ انتباهَهُ في نهايةِ الرسالةِ كانَ وعدُ اللقاءِ الأخير. "إذا لمْ تأتِ، سأعلمُ أنّكَ لمْ تعدْ تحبّني." هذهِ العبارةُ أعادتْ إليهِ بعضَ الأمل. ربما لمْ تكنْ "ليلى" قدْ استسلمتْ تماماً، ربما كانتْ تنتظرُ منهُ شيئاً. ربما كانتْ هذهِ هيَ طريقتُها لطلبِ المساعدة.

"لنْ أتركَكِ وحدكِ يا ليلى،" قالَ "أحمد" لنفسِهِ بعزمٍ متجدد. "مهما كانَ الثمن، سأحاولُ إنقاذَكِ." قررَ أنْ يذهبَ إلى البئرِ القديم، ليسمعَ منها بنفسِهِ. كانَ يريدُ أنْ يرى الحزنَ في عينيها، أنْ يفهمَ عمقَ معاناتِها. ربما كانَ هذا اللقاءُ هوَ الفرصةُ الوحيدةُ لتغييرِ مجرى الأحداث.

في صباحِ اليومِ التالي، وبينما كانتْ "ليلى" تستعدُّ للقاءِ الأخير، وصلتْ إليها أخبارٌ مفاجئة. والدُ "أحمد" أرادَ لقاءَ والدِها في أقربِ وقت. كانَ هناكَ أمرٌ مهمٌّ يريدُ مناقشتَهُ. شعرتْ "ليلى" بقشعريرةٍ تسري في جسدِها. هلْ سيكونُ والدُ "أحمد" على علمٍ بما يحدث؟ هلْ سيكونُ سبباً في تغييرِ كلِّ شيء؟

كانَ قلبُها يتأرجحُ بينَ الخوفِ والأمل. الأملُ في أنّ والدَ "أحمد" قدْ يأتي لينقذَها، والخوفُ منْ أنّ الأمرَ قدْ يتفاقمُ ويزدادُ سوءاً. وضعتْ "ليلى" وشاحَها، وخرجتْ منَ المنزلِ، متجهةً نحوَ مكانِ اللقاءِ الموعود. كانتْ تعلّقُ كلَّ آمالِها على هذا اللقاء، وتخشى أنْ يكونَ هوَ مجرّدَ فصلٍ أخيرٍ في قصةِ حبٍّ كتبَ عليها الفشل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%