الحب المستحيل الجزء الثالث
بَينَ ظِلالِ الشّيخِ سالم
بقلم مريم الحسن
كانَ "الشيخُ سالم" يجلسُ في مكتبِهِ الفخم، غارقاً في أوراقِ العملِ ومُطّلعاً على آخرِ المستجداتِ في صفقاتِهِ. كانَ رجلاً في منتصفِ العمر، يتمتعُ بجاذبيةٍ وقوةٍ لا تخطئهما العين. وجهُهُ الحازمُ، وعيناهُ الثاقبتانِ، تمنحاهُ هالةً منَ السيطرةِ والهيبة. لكنّ خلفَ تلكَ الصورةِ الخارجيةِ، كانَ يختبئُ شغفٌ جامحٌ، ورغبةٌ لا تُقاوم.
لمْ يكنْ اهتمامُ "الشيخِ سالم" بـ "ليلى" مجرّدَ نزوةٍ عابرة. لقدْ رآها لأولِ مرةٍ في حفلٍ عائليٍّ قبلَ بضعةِ أشهر، ومنذُ تلكَ اللحظةِ، وقعَ أسيرَ جمالِها ورقّتِها. لمْ يكنْ مجرّدَ رجلٍ يبحثُ عنْ زوجةٍ لتُكملَ لهُ منزلَهُ، بلْ كانَ يبحثُ عنْ شريكةٍ تُشاركهُ حياتَهُ، تُنيرُ دروبَ أيّامِهِ. كانتْ "ليلى" بالنسبةِ لهُ الفتاةَ المثالية، ذاتَ الأصلِ الطيّب، والجمالِ الربّانيّ، والأخلاقِ الرفيعة.
أدركَ "الشيخُ سالم" أنّ والدَ "ليلى" يواجهُ صعوباتٍ مالية، وأنّ هذهِ الصعوباتِ هيَ مفتاحُهُ للاقترابِ منْها. لقدْ استخدمَ نفوذَهُ ومالَهُ ليُقنعَ والدَها، وليُهيّئَ لهُ الأجواءَ المناسبةَ لإتمامِ هذا الزواج. لمْ يكنْ يريدُ أنْ يُخاطرَ بخسارتِها، خاصةً وأنّهُ سمعَ عنْ علاقةٍ قديمةٍ كانتْ تربطُها بـ "أحمد". لمْ يكنْ يريدُ أنْ يسمحَ لأحدٍ بأنْ يُنافسَهُ على قلبِها، أو أنْ يُفسدَ عليهِ حلمَهُ.
"يجبُ أنْ أتأكدَ منْ أنّ كلَّ شيءٍ يسيرُ وفقَ الخطة،" قالَ "الشيخُ سالم" لنفسِهِ، وهوَ يُمسكُ بملفٍّ يحتوي على معلوماتٍ دقيقةٍ عنْ "ليلى" وعنْ عائلتِها. كانَ كلُّ شيءٍ مُعدّاً بعناية، ولمْ يتركْ شيئاً للصدفة. كانَ يعلمُ أنّ "أحمد" سيُشكّلُ عائقاً، ولذلكَ وضعَ خطةً بديلةً ليُبعدَهُ عنِ الصورةِ تماماً.
في تلكَ الأثناء، كانَ "أحمد" يتوجّهُ إلى البئرِ القديم، قلبهُ يخفقُ بسرعةٍ، وعقلهُ مُنقسمٌ بينَ الشكِّ واليقين. هلْ كانتْ "ليلى" قدْ خذلتهُ حقاً؟ أمْ أنّها وقعتْ فريسةَ ظروفٍ قاسية؟ كانَ يريدُ أنْ يصدّقَ أنّها ما زالتْ هيَ "ليلى" التي عرفها، "ليلى" التي أحبّها.
عندما وصلَ إلى البئرِ، وجدَ "ليلى" تنتظرُهُ، وجهُها شاحبٌ، وعيناها مليئةٌ بالحزن. بدا الحزنُ واضحاً على ملامحِها، ولمْ تكنْ هناكَ أيُّ علامةٍ على الخيانةِ أو التخلّي. "ليلى،" قالَ "أحمد" بصوتٍ خافتٍ، "لماذا؟" اقتربتْ "ليلى" منْهُ، وعيناها تلتقيانِ بعينيهِ. "أحمد، لمْ يكنْ لديَّ خيار. والدي، إنّهُ غارقٌ في الديون. والشيخُ سالمُ هوَ منْ عرضَ المساعدة، ولكنّ الثمنَ كانَ زواجي منهُ." "ولكنّكِ وافقتِ؟" سألَ "أحمد" بقلبٍ يُنازعُ.
"لمْ أوفقْ في البداية،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ مُرتعش. "لكنّ والدي، إنّهُ يائسٌ جداً. رأيتُ اليأسَ في عينيهِ، رأيتُ الخوفَ منَ المستقبل. لمْ أستطعْ أنْ أجعلهُ يتحملُ كلَّ هذا العبءِ وحده. لقدْ اضطررتُ، يا أحمد. اضطررتُ لأنّني لا أريدُ أنْ أرى عائلتي تنهار." "ولماذا لمْ تخبريني؟" سألَ "أحمد"، يشعرُ بأنّ قلبهُ يتفتتُ إلى قطعٍ صغيرة. "خفتُ عليكَ،" قالتْ "ليلى" والدموعُ تنهمرُ منْ عينيها. "خفتُ أنْ تُحاولَ التدخلَ، وأنْ تُعرّضَ نفسَكَ للخطر. الشيخُ سالمُ رجلٌ خطير، وأنا لا أريدُ أنْ يحدثَ لكَ مكروهٌ بسببِي. لقدْ وضعتُ شرطاً للقائي، أردتُ أنْ أسمعَ منك، وأُخبرَكَ بالحقيقةِ مباشرةً."
نظرَ "أحمد" إليها، ورأى في عينيها صدقَ الألمِ واليأس. لمْ يكنْ هناكَ أيُّ شكٍّ في صدقِ كلامِها. لقدْ كانتْ حقاً ضحيةً لظروفٍ قاسية. "ليلى،" قالَ "أحمد"، وقدْ تبدّلتْ مشاعرُهُ منَ الشكِّ إلى التعاطفِ الشديد. "لا بأس. أنا أتفهم. ولكنّ هذا لا يعني أنّ قصّتنا قدْ انتهت."
"ماذا تقصد؟" سألتْ "ليلى" بتعجبٍ، أملٌ صغيرٌ بدأَ ينمو في قلبِها. "قصّتنا ما زالتْ في بدايتِها، يا ليلى. لنْ أتركَكِ تواجهينَ هذا وحدكِ. يجبُ أنْ نجدَ طريقةً."
في تلكَ اللحظة، سمعا صوتاً قادماً منْ خلفِ الأشجار. استدارا، ورأيا "الشيخَ سالم" يقفُ هناك، يقفُ أمامَ "ليلى" ويُمسكُ بيدِها بقوة. "ما هذا؟" قالَ "الشيخُ سالم" بصوتٍ غاضبٍ، "ألمْ أتفقْ معكِ على أنْ لا تلتقي بأحد؟" "الشيخُ سالم،" قالتْ "ليلى" بخوف، "هذا صديقي، أحمد. لقدْ كنتُ أُخبرُهُ عن... عنِ الترتيباتِ الجديدة."
"صديقك؟" قالَ "الشيخُ سالم" بسخرية، ونظرَ إلى "أحمد" بنظرةٍ فيها تحدٍّ. "أنا أعلمُ منْ هوَ هذا. ولكنّ هذا لنْ يُغيّرَ شيئاً. "ليلى" لي الآن." "وهيَ ليستْ لكَ،" قالَ "أحمد" بجرأةٍ، وقدْ وقفَ أمامَ "ليلى" كدرعٍ واقٍ