الحب المستحيل الجزء الثالث

بين وُجُومِ الذكرياتِ وعَزمِ الغَدِ

بقلم مريم الحسن

استيقظتْ ليلى على خيطٍ رفيعٍ من ضوءِ الشمسِ يتسللُ من بينِ ستائرِ الغرفةِ، مُعانقًا وجهَها برفقٍ. لَمْ تكنْ صحوتَها ككلِّ يومٍ؛ فقدْ حملتْ معها ثِقلَ ليلةٍ طويلةٍ قضتْها في صراعٍ أزليٍّ بينَ أحلامِ الطفولةِ ورؤى المستقبلِ. طيفُ أحمدَ كانَ وما زالَ كالنّجمةِ الساطعةِ في سماءِ قلبِها، لكنّ دروبَ الحياةِ قدْ ألقتْ بظلالِها على مساراتِهما، وحينَ تلاقتْ عيناها بمرآةِ الغرفةِ، لمْ ترَ فيها سوى شحوبٍ اكتسى وجنتيها، وإرهاقٍ ارتسمَ على جبينِها.

تنهدتْ تنهيدةً عميقةً، خرجتْ من أعماقِها وكأنها تحملُ همومَ الدنيا. لمْ تكنْ الأيامُ التي انقضتْ منذُ لقائها بأحمدَ في قصرِ جدتِها مجردَ أيامٍ عاديةٍ؛ بلْ كانتْ بمثابةِ عاصفةٍ هوجاءَ أعادتْ ترتيبَ مشاعرِها، وزلزلتْ أركانَ يقينِها. كانتْ تتذكرُ تلكَ النظرةَ التي تبادلتْها معهُ، تلكَ التي حملتْ وعودًا صامتةً، وحكاياتٍ لمْ تُروَ بعدُ. كيفَ استطاعَ أنْ يخترقَ أسوارَ الصمتِ التي بنتها حولَ قلبِها بحذرٍ شديدٍ؟ وكيفَ استيقظَ فيها حنينٌ دفينٌ لمْ تدركْ وجودهُ إلا حينَ لاحتْ ملامحُهُ من جديدٍ؟

قامتْ من فراشِها بخطواتٍ متثاقلةٍ، اتجهتْ نحو الشرفةِ المطلةِ على حديقةِ المنزلِ الفسيحةِ. كانَ الهواءُ العليلُ يلامسُ بشرتَها، مُنعشًا روحَها المتعبةَ. شجرُ الليمونِ ما زالَ يُعانقُ السماءَ بأغصانِهِ الخضراءِ، وزهورُ الياسمينِ تتفتحُ كعادةِ كلِّ صباحٍ، تبعثُ عبيرَها الفوّاحَ في الأرجاءِ. كانتْ هذهِ الحديقةُ شاهدةً على ذكرياتِ لا تُحصى، على ضحكاتِ طفولةٍ، وعلى أحلامٍ راودتْ مخيلتَها وهيَ في عزِّ شبابِها.

كانَ والدُها، الحاجُّ عبدُ الرحمنِ، قدْ وضعَ أملَهُ فيها، وفي شقيقِها الأصغرِ، بدرٍ. كانتْ تدركُ حجمَ المسؤوليةِ الملقاةِ على عاتقِها؛ مسؤوليةُ الحفاظِ على سمعةِ العائلةِ، ومُتابعةُ سيرِ الأعمالِ التي بدأتها في إحدى الجمعياتِ الخيريةِ. كانَ قلبُها مُعلقًا بمسؤولياتِها، لكنَّ قلبَها الآخرَ كانَ يتوقُ إلى قصةٍ أخرى، قصةٍ تتجاوزُ حدودَ الواجبِ والصمتِ.

في الخارجِ، كانَ بدرٌ قدْ أتمَّ صلاتَهُ الصبحَ، وجلسَ في ركنِهِ المفضلِ منَ المجلسِ، مُمسكًا بكتابِ فقهٍ، لكنَّ عقلَهُ كانَ يسبحُ في عالمٍ آخرَ. فقدْ استقبلَ رسالةً من صديقٍ قديمٍ يعيشُ في الخارجِ، يطلبُ منهُ المساعدةَ في مشروعٍ تجاريٍّ جديدٍ، يتطلبُ رأسَ مالٍ كبيرًا. شعرَ بدرٌ بحماسٍ ممزوجٍ بقلقٍ. كانَ مشروعًا واعدًا، قدْ يُحققُ لهُ الاستقرارَ الماديَّ الذي يطمحُ إليهِ، لكنَّه كانَ يعلمُ أنَّ والدهُ لنْ يوافقَ بسهولةٍ على استثمارِ أموالِهم في مشروعٍ غيرِ مأمونِ العواقبِ، خاصةً بعدَ ما حدثَ لبعضِ استثماراتِ العائلةِ السابقةِ.

تذكرَ حديثَهُ معَ أختهِ ليلى بالأمسِ، عنْ تفاصيلِ لقائها بأحمدَ. لمْ يستطعْ فهمَ مدى الاضطرابِ الذي ارتسمَ على وجهِها. كانَ أحمدُ بالنسبةِ لهُ شخصًا غريبًا، جاءَ فجأةً إلى حياتِهم، ومعهُ ذكرياتٌ مؤلمةٌ قدْ تُعكّرُ صفوَ حياتِهم الهادئةِ. كانَ يخافُ عليها، يخافُ منْ أنْ تتأذى مجددًا.

في تلكَ الأثناءِ، كانتْ والدتُها، السيدةُ فاطمةُ، تُعدُّ لها إفطارًا شهيًا في المطبخِ. كانتْ تترقبُ رؤيةَ ابنتِها، فقدْ لاحظتْ شحوبَ وجهِها في الأيامِ الأخيرةِ. كانتْ أمًا حكيمةً، ترى ما لا تراهُ ابنتُها أحيانًا. كانتْ تعلمُ أنَّ قصةَ ليلى معَ أحمدَ قدْ بدأتْ تتجددُ، وأنَّ هذهِ القصةَ تحملُ في طياتِها الكثيرَ منَ الأحداثِ.

"صباحُ الخيرِ يا ابنتي." قالتْ السيدةُ فاطمةُ بصوتٍ دافئٍ حينَ دخلتْ ليلى المطبخَ، مُبتسمةً ابتسامةً باهتةً. "صباحُ النورِ يا أمي." أجابتْ ليلى، جالسةً على الكرسيِّ المقابلِ لها. "هلْ نمتِ جيدًا؟" سألتْ الأمُّ بعينينِ تفيضُ بالحبِّ. "الحمدُ للهِ يا أمي." أجابتْ ليلى، مُحاولةً أنْ تخفيَ ما يدورُ في خاطرِها. "أتدرينَ يا ابنتي، قلبي يخبرني بشيءٍ ما. يبدو أنَّ هناكَ أحداثًا قادمةً، وأنا أخشى عليكِ." قالتْ الأمُّ، مُلتقطةً يدَ ابنتِها. "لا تقلقي يا أمي، كلُّ شيءٍ سيكونُ على ما يرامِ بإذنِ اللهِ." قالتْ ليلى، مُشعرةً بصدقِ كلماتِ والدتِها.

في الخارجِ، كانتْ سيارةٌ فارهةٌ تتوقفُ أمامَ بابِ المنزلِ. ترجلَ منها رجلٌ أنيقٌ، ذو ملامحَ حادةٍ، يرتدي بدلةً سوداءَ أنيقةً. كانَ هوَ السيدُ خالدٌ، رجلُ الأعمالِ الناجحُ، ووالدُ أحمدَ. جاءَ لزيارةِ والدتِهِ، لكنَّهُ كانَ يحملُ في حقيبتِهِ أوراقًا ومستنداتٍ متعلقةً بصفقةٍ تجاريةٍ كبيرةٍ، قدْ تُغيرُ مستقبلَ شركتِهِ.

لمْ يكنْ خالدٌ يعرفُ أنَّ زيارتَهُ هذهِ ستكونُ بدايةَ حلقةٍ جديدةٍ في سلسلةِ الأحداثِ التي ستربطُ بينَ عائلتِهِ وعائلةِ الحاجِّ عبدِ الرحمنِ، بطرقٍ لمْ يتوقعْها أحدٌ. كانَ ينظرُ إلى المنزلِ الفخمِ، مُستذكرًا أحداثَ الماضي، ونوعًا منَ الحسرةِ قدْ ارتسمَ على وجهِهِ. لقدْ كانتْ علاقتُهُ بالحاجِّ عبدِ الرحمنِ معقدةً، تحملُ تاريخًا طويلًا منَ المنافسةِ والشراكةِ.

في هذا الصباحِ، كانتْ عاصفةٌ هادئةٌ قدْ بدأتْ تتشكلُ في سماءِ المدينةِ، عاصفةٌ لمْ تبدأْ بعدُ، لكنَّ رياحَها الأولى كانتْ تلوحُ في الأفقِ، مُبشرةً بتغييراتٍ قادمةٍ، وبأقدارٍ ستتشابكُ، وقصصٍ ستُروى، وحبٍّ سيبحثُ عنْ طريقِهِ بينَ دروبِ الحياةِ المُعقدةِ.

كانتْ ليلى تقفُ عندَ النافذةِ، تنظرُ إلى الشمسِ التي بدأتْ ترتفعُ في السماءِ، مُرسلةً أشعتَها الذهبيةَ. شعرتْ بأنَّها على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ، مرحلةٍ تتطلبُ منها شجاعةً لمْ تعهدْها من قبلُ. كانَ عليها أنْ تقررَ، أنْ تختارَ بينَ ماضيها والحاضرِ، بينَ ما تريدهُ وما يُرادُ لها.

لكنَّ صوتَ جدتِها، السيدةِ أمينةَ، الذي اعتادَ أنْ يكونَ كالنّسيمِ العليلِ، قدْ اخترقَ صمتَ أفكارِها. "ليلى حبيبتي، هلْ أنتِ هنا؟ أتيتُ لأرى ماذا تفطرينَ." ابتسمتْ ليلى، شعرتْ ببعضِ الطمأنينةِ. كانتْ جدتُها دائمًا هيَ الملجأُ، هيَ الصديقةُ، وهيَ منْ أزرعَ فيها حبَّ القراءةِ والفنِّ. "نعمْ يا جدتي، أنا هنا." قالتْ ليلى، مُتجهةً نحو جدتِها التي كانتْ تحملُ صينيةَ الإفطارِ.

وبينما كانتْ ليلى تُساعدُ جدتَها، لمْ تكنْ تدركُ أنَّ لقاءً آخرَ، لقاءً غيرَ متوقعٍ، على وشكِ الحدوثِ، وأنَّه سيحملُ مفاجآتٍ ستُغيرُ مجرى حياتِها بالكاملِ. كانَ القدرُ قدْ نسجَ خيوطَ لقاءٍ جديدٍ، بينَ مَنِ اختارَهم، ولمْ يكنْ لدى أيٍّ منهم إلا أنْ يستسلمَ لتيارِهِ الجارفِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%