قصة حب حقيقية الجزء الثاني

نبض القلب تحت سماء بغداد

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمةٌ رقيقةٌ، تحملُ معها عبيرَ الياسمينِ وزهرةَ البرتقالِ، تداعبُ وجهَ "ليلى" وهي تقفُ على شرفةِ منزلِهم المطلِّ على نهرِ دجلةَ. الشمسُ الذهبيةُ كانت ترسمُ لوحاتٍ سحريةً على صفحةِ الماءِ المتلألئةِ، تعكسُ أضواءَ البيوتِ العتيقةِ وأبراجَ المساجدِ الشاهقةِ. كانت بغدادُ، أمُّ الدنيا، تتنفسُ عبقَ التاريخِ وتمتزجُ حداثتها بروحِ أصالتِها.

لم تكن ليلى، الفتاةُ ذاتُ العينينِ الواسعتينِ اللتينِ تحملانِ بريقَ الذكاءِ وحياءَ العفيفاتِ، مجردَ واقفةٍ تتأملُ المشهدَ. كانت في خضمِّ عملِها، يداها تتحركانِ بخفةٍ ورشاقةٍ فوقَ طاولةِ الخشبِ العتيقةِ، تنسجُ خيوطَ الحريرِ الملونةِ ببراعةٍ استثنائيةٍ. كانت شغوفةً بفنِّ التطريزِ، تعشقهُ كما يعشقُ العاشقُ معشوقتهُ، تجدُ في كلِّ غرزةٍ قصةً، وفي كلِّ نقشٍ نبضًا للحياةِ.

اليومَ، كانت تعملُ على قطعةٍ خاصةٍ جدًا. ثوبٌ قُدرَ لهُ أن يكونَ جزءًا من مهرٍ، هديةٌ من عائلةٍ كريمةٍ إلى أخرى، لتُزيِّنَ بهِ عروستَهم في ليلةِ العمرِ. كانت القطعةُ سوداءَ داكنةً، ولكنَّ خيوطَ الذهبِ الفضيِّ كانت ترقصُ عليها، لتُشكِّلَ زخارفَ هندسيةً بديعةً مستوحاةً من فنِّ الخطِّ العربيِّ الإسلاميِّ، تتخللها ورودٌ صغيرةٌ بدمقسٍ قرمزيٍّ. كان التصميمُ مبتكرًا، يجمعُ بينَ الفخامةِ والبساطةِ، بينَ الأصالةِ والمعاصرةِ.

"ما شاء الله! أبدعتِ يا ابنتي!"

جاءَ الصوتُ الدافئُ من خلفِها، والدتها السيدةَ "أمينةَ"، المرأةَ ذاتَ الوجهِ الطيِّبِ والحكمةِ الوافرةِ، والتي كانت دائمًا خيرَ سندٍ وعونٍ لليلى. كانت تبتسمُ وهي تقتربُ، تحملُ صينيّةً عليها فنجانانِ من القهوةِ العربيةِ السوداءِ، تفوحُ منها رائحةٌ زكيةٌ.

"شكرًا لكِ يا أمي. تعبتُ قليلاً، ولكنَّ النتيجةَ تبدو مرضيةً." أجابت ليلى، ابتسامةٌ خجولةٌ ترتسمُ على شفتيها.

وضعت أمينةُ الصينيةَ على طاولةٍ صغيرةٍ بجانبِ الشرفةِ، وقدمتْ لابنتِها فنجانًا. "التعبُ في سبيلِ الإبداعِ راحةٌ. أتذكرينَ يومَ أهدتنا جدتُكِ هذا الثوبَ المطرَّزَ؟ كنتِ صغيرةً جدًا، ولكنَّ عينيكِ كانتا تتلمعانِ بالإعجابِ. ومنذُ ذلكَ اليومِ، أصبحتِ هذهِ الغرزُ والألوانُ عالمَكِ."

تنهدت ليلى تذكرًا. كانت جدتُها، رحمها اللهُ، هي من أشعلَ في قلبِها شغفَ هذا الفنِّ. كانت سيدةً فاضلةً، موهوبةً في كلِّ ما تمسُّهُ يدُها، وخاصةً في فنونِ التطريزِ والنسيجِ. كانت ليلى تقضي ساعاتٍ بجانبِها، تتعلَّمُ منها أسرارَ المهنةِ، وتستمعُ إلى حكاياتِها عن الماضي الأصيلِ.

"نعم يا أمي، أتذكرُ. كانت عالمًا سحريًا. أحلمُ بأنْ أصلَ إلى مستوى براعتِها يومًا ما."

"وبإذنِ اللهِ ستصلينَ وأكثرَ. إنَّ موهبتَكِ واضحةٌ، وعملُكِ دليلٌ على ذلكَ. هذهِ القطعةُ ستكونُ فخرًا لأيِّ عروسٍ." قالت أمينةُ وهي تنظرُ إلى الثوبِ بعينِ الخبيرِ.

فجأةً، رنَّ هاتفُ ليلى المحمولُ، قاطعًا لحظةَ الصفاءِ. كانت نغمةُ الرنينِ موسيقى هادئةً، ولكنَّ صوتَها بدا غريبًا عليها، لم تتعرفْ عليهِ. نظرتْ إلى الشاشةِ، فوجدتْ اسمَ "خالدٍ" ظاهرًا.

تجمدتْ ليلى للحظةٍ. خالدٌ، الشابُّ الذي كانت تلتقيهِ في مناسباتٍ عائليةٍ، والذي أبدتْ عائلتهُ الاهتمامَ بالتقدمِ لخطبتِها. كان شابًا مهذَّبًا، مثقفًا، ولكنهُ كان غامضًا بالنسبةِ لها. كانت تنتظرُ أنْ تأتيَ الخطوةُ الرسميةُ، وأنْ تتضحَ الأمورُ. ولكنَّ اتصالَهُ المفاجئَ هذا، وبهذهِ النغمةِ الغريبةِ، أثارَ في قلبِها شيئًا من القلقِ.

"من يا ابنتي؟" سألت أمينةُ، ملاحظةً صمتَ ليلى.

"إنهُ خالدٌ يا أمي." أجابت ليلى بصوتٍ خفيضٍ، ثمَّ أجابتْ على الهاتفِ. "مرحباً يا خالد."

كان صوتُهُ، رغمَ ما فيهِ من هدوءٍ، يحملُ نبرةً استعجالٍ. "ليلى، آسفٌ على هذا الاتصالِ المفاجئِ، ولكنَّ الأمرَ جللٌ. هل أنتِ في مكانٍ آمنٍ؟"

"نعم، أنا في المنزلِ. ما الأمرُ؟ هل كلُّ شيءٍ على ما يرام؟" سألت ليلى، وقلبُها بدأَ يدقُّ أسرعَ.

"لستُ متأكدًا. تلقيتُ معلومةً خطيرةً تتعلقُ بعملِ والدِكِ. يجبُ أنْ نلتقيَ في أقربِ وقتٍ. في مكانٍ لا يمكنُ رصدُنا فيهِ."

جحظتْ عينا ليلى. والدُها، السيدُ "أحمدُ"، كان رجلَ أعمالٍ ناجحًا، ولكنَّ عالمَ التجارةِ كان يحملُ دائمًا مخاطرَهُ. "عملِ والدي؟ ما الذي يحدثُ؟"

"لا يمكنني شرحُ كلِّ شيءٍ عبرَ الهاتفِ. هل يمكنكِ القدومَ إلى مقهى "الفيحاء" في غضونِ نصفِ ساعةٍ؟ هو مكانٌ هادئٌ، ولنْ يلفتَ انتباهَ أحدٍ. سأكونُ هناكَ. لا تخبري أحدًا، رجاءً."

انتهى الاتصالُ. تركتْ ليلى الهاتفَ على الطاولةِ، وقد تبدلَ وجهُها. لم تعدْ عينا الهدوءِ والتركيزِ، بل بدتا مليئتينِ بالحيرةِ والقلقِ.

"ماذا قالَ لكِ؟" سألت أمينةُ بقلقٍ واضحٍ.

"قالَ إنَّ لديهِ معلوماتٍ مهمةً عن عملِ والدي، ويجبُ أنْ نلتقيَ. في مقهى "الفيحاء"."

نظرتْ أمينةُ إلى ابنتِها، ثمَّ إلى الشرفةِ المطلةِ على المدينةِ التي بدتْ هادئةً، ولكنَّ الأفكارَ السيئةَ كانت تداعبُ خيالَها. "لماذا لمْ يتصلْ بوالدِكِ مباشرةً؟ ولماذا يجبُ أنْ تلتقيَ بهِ وحدَكِ؟"

"لا أعرفُ يا أمي. لكنَّ صوتَهُ كان جادًا جدًا، وبدا خائفًا."

"هذهِ الأمورُ لا تُبشِّرُ بالخيرِ يا ابنتي. لكنْ، إذا كانَ الأمرُ يتعلقُ بوالدِكِ، فلا مفرَّ منَ الذهابِ. لكنْ كوني حذرةً جدًا. ولا تتأخري."

نظرتْ ليلى إلى الثوبِ الأسودِ المطرَّزِ بالذهبِ. كانَ يبدو الآنَ بعيدًا عن واقعِها. كانت شمسُ الظهيرةِ لا تزالُ مشرقةً، ولكنَّ غيمةً سوداءَ بدأتْ تتشكلُ فوقَ سماءِ حياتِها. ارتدتْ حجابَها، وأخذتْ مفاتيحَ سيارتِها، وشعرتْ بأنَّ خطى قدميها أثقلُ من ذي قبلٍ. كانت تخرجُ من عالمِ الفنِّ والجمالِ، إلى عالمٍ مجهولٍ، مليءٍ بالأسئلةِ والمخاوفِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%