قصة حب حقيقية الجزء الثاني
كشف المستور واحتدام الخطر
بقلم ليلى الأحمد
كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة، ولم يبقَ سوى وهج النجوم المتلألئة في سماء صافية. في قلب القصر، كانت ليلى تشعر بتزايد القلق. بعد حديثها مع والدتها، وبعد أن لاحظت علامات الانزعاج على وجه والدها، أدركت أن هناك أمراً جللاً يحدث. لم تكن ترغب في إقحام أحمد في متاعب عائلتها، ولكنها شعرت بأنها لم تعد تستطيع كتمان الأمر.
قررت ليلى أن تتحدث مع أحمد. في تلك الليلة، وبعد عودته من اجتماع عمل، وجدها تنتظره في غرفة الجلوس، وقد علا وجهها الحزن. "ما بكِ يا حبيبتي؟" سأل أحمد، واقترب ليحتضنها. "أراكِ شاحبة." "أحمد، هناك شيء يقلقني." قالت ليلى بصوت خافت. "يبدو أن عائلتي تواجه بعض المشاكل المتعلقة بقضية ميراث قديمة." ارتسمت علامات الاهتمام على وجه أحمد. "قضية ميراث؟ هل والدكِ بخير؟" "نعم، هو بخير. ولكن يبدو أن هناك من يحاول استغلال بعض المستندات القديمة، وربما تزويرها، لإثارة بعض الشكوك حول حقوقنا." "هذا أمر مؤسف حقاً." قال أحمد بجدية. "ولكن لا تقلقي يا ليلى. والدكِ رجل حكيم، وسيتجاوز هذه المحنة. ولا تخافي، أنا معكِ، وسأكون إلى جانب عائلتكِ." احتضنت ليلى أحمد بقوة. "شكراً لك يا أحمد. وجودك بجانبي يمنحني الكثير من القوة." "دائماً يا حبيبتي." قال أحمد، وهو يربت على ظهرها. "ولكن هل تعرفين من يقف وراء هذه المشكلة؟" "لا. لم يذكر أبي تفاصيل كثيرة. ولكن يبدو أن هناك من يمتلك معلومات دقيقة عن تاريخ العائلة." "هذا يثير الشكوك." قال أحمد بتركيز. "هل يمكن أن يكون هناك شيء يتعلق بالماضي لم يتم الكشف عنه؟" "لا أدري. ولكنني شعرت بأن هناك أمراً أعمق مما يبدو."
في صباح اليوم التالي، تلقى عمر مكالمة هاتفية. كان المتحدث هو الرجل الذي التقاه في الزقاق المظلم. "كيف كان قرارك يا عمر؟" سأل الصوت. "لم أعد مهتماً." قال عمر ببرود. "لا أريد أن أتلوث بمثل هذه الأمور." ضحك الرجل ضحكة خبيثة. "أنت مخطئ يا عمر. لم تعد الأمر يعتمد على رغبتك. لقد أصبحت جزءاً منه. والحقيقة التي تملكها، هي سلاح خطير." "ما هي الحقيقة التي أملكها؟" سأل عمر. "الحقيقة المتعلقة بصفقة معينة. صفقة تورط فيها شخص كبير في عائلة عبد العزيز. صفقة سمحت له بالاستيلاء على جزء من ميراث لم يكن له. صفقة تم إخفاؤها بذكاء، ولكن المستندات الجديدة بدأت تظهر." شعر عمر بصدمة. هل يتحدث عن السيد عبد العزيز؟ هذا مستحيل. السيد عبد العزيز كان دائماً رمزاً للنزاهة. "هذا غير صحيح. أنت تكذب." قال عمر بغضب. "أنا لا أكذب يا عمر. أنا أمتلك الأدلة. وإن لم تفعل ما أقول، فإن هذه الأدلة ستصل إلى أحمد. وعندها، ستكون أنت المذنب لأنك لم تنبهه." "ماذا تريد مني؟" سأل عمر، وقد شعر بأن الخيارات تضيق أمامه. "بسيط جداً. أريدك أن تسرب بعض المعلومات إلى أحمد. معلومات تشكك في نزاهة والد ليلى. معلومات تجعله يبدأ بالبحث عن الحقيقة بنفسه. وعندما يبدأ أحمد بالبحث، سأقوم أنا بتقديم ما لديه من أدلة. وعندها... ستتغير الأمور بشكل كبير." "لماذا تفعل هذا؟" سأل عمر. "ليست لديك مصلحة بمعرفة الأسباب. كل ما عليك معرفته هو أن حياتك وحياة أصدقائك في خطر. وأن خيارك الوحيد هو أن تتعاون معي." أنهى عمر المكالمة، وشعر بأنه في مأزق لا يحسد عليه. كان يعلم أن أحمد سيثق به، وسيصدق ما يقول. ولكن إيقاع الأذى في قلب صديقه، كان أمراً لا يمكنه تصوره.
في مكتب السيد عبد العزيز، كان يجلس مع المحامي رشيد. "لا أصدق هذا." قال السيد عبد العزيز وهو يتصفح إحدى الوثائق. "هذه التوقيعات... تبدو شبيهة جداً بتوقيع والدي. ولكن... هناك شيء مختلف." "بالضبط يا سيدي. هذا ما يثير الشك. يبدو أن شخصاً ما استغل ثقة والدك، وقام بالتلاعب بهذه الوثائق. والغريب أن هذه الوثائق ظهرت فجأة، بعد سنوات طويلة من السكون." "ولكن من؟ ولماذا الآن؟" تساءل السيد عبد العزيز. "هذا هو السؤال الذي نحاول الإجابة عليه. ولكنني أخشى أن يكون هناك تتبع دقيق لكل تحركاتنا، ولكل ما يتعلق بترتيبات العائلة." "ولكن من له مصلحة في ذلك؟ عائلتنا لم تكن يوماً في صراع مع أحد." "أحياناً، يا سيدي، تكون هناك أطراف خارجية، تسعى لإحداث الفتنة بين العائلات. أو قد يكون هناك شخص داخل العائلة، لديه دوافع خفية." شعر السيد عبد العزيز ببرودة تسري في عروقه. هل يتحدث المحامي عن شخص يعرفه؟ هل هناك أحد في محيطه يضمر له الشر؟ "يجب أن نكون حذرين جداً." قال السيد عبد العزيز. "وأن لا نكشف شيئاً لأحد، حتى تتضح الأمور. خصوصاً لليلى وأحمد." "أتفق معك يا سيدي. الخبرة تعلمني أن الخوف هو العدو الأكبر في مثل هذه المواقف."
بعد أيام قليلة، بدأت ليلى تشعر بتغير في تعامل أحمد معها. لم يكن تغيراً جذرياً، ولكنه كان ملحوظاً. كان يبدو شارد الذهن، وأحياناً يتجنب الحديث عن المستقبل. "أحمد، هل أنت بخير؟" سألت ليلى في إحدى الليالي. "أشعر بأنك بعيد عني." نظر أحمد إليها، وفي عينيه نظرة حزن وارتباك. "لا يا ليلى. أنا فقط... أفكر كثيراً." "في ماذا؟ هل الأمر يتعلق بوالدي؟" "ليس فقط. هناك أمور أخرى." "أخبرني يا أحمد. أنا زوجتك المستقبلية، ويجب أن أشاركك همومك." تردد أحمد قليلاً، ثم قال: "لقد سمعت بعض الأمور... بعض الشكوك حول نزاهة بعض الصفقات القديمة. صفقات تتعلق بعائلتك." شعرت ليلى بقلبها يدق بعنف. "شكوك؟ من قال لك هذا؟" "مجرد... أحاديث. همسات. ولكنها جعلتني أفكر. هل كل شيء على ما يرام حقاً؟" "أحمد، أنا متأكدة أن والدتي قد أخبرتكِ أن هناك قضية ميراث قديمة. أبي يتعامل معها. ولا أعتقد أن هناك ما يستدعي القلق." "ولكن... هل أنتِ متأكدة؟ هل هناك أي شيء قد يكون والدكِ قد أخفاه، حتى عنكِ؟" شعرت ليلى بأنها في دوامة. أحمد، الذي كان دائماً مصدراً للطمانينة، أصبح الآن مصدر قلق جديد. هل بدأ يشك في والدها؟ هل بدأت الهمسات تنتشر؟ "أحمد، لا أدري ماذا أقول. أنا أثق بوالدي ثقة عمياء." "وأنا أثق بكِ يا ليلى. ولكن... الثقة وحدها لا تكفي أحياناً. يجب أن نعرف الحقيقة كاملة." شعرت ليلى بالخوف. كان خوفها ليس فقط من المشكلة نفسها، بل من تأثير هذه المشكلة على علاقتها بأحمد. هل يمكن للشك أن يتسلل إلى قلب رجل يحبها؟ هل يمكن للأسرار القديمة أن تدمر مستقبل وردي؟